• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 286
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    16
    مايو
  • 95: في السياسة الشرعية
  • كتب في: 16-05-2017
  • المؤلف: د. عبد الله النفيسي
  • الناشر: مكتبة آفاق
  • عدد الصفحات:223
  • إطلالةُ الشيخ ذو العلم الشرعي وهو يتحدثُ إلى الناس – عمومهم – لا تشفيّ الغليل، هكذا كان شعوريّ وأنا أستمعُ إليه بشغفٍ في سن المراهقة! كان تركيزه – أي الشيخ – على محور "الحلال والحرام" وكأن الإسلام في مجمله حلالٌ وحرام، هذا الفهم الميكانيكي للإسلام لا أظنهُ يُفيد وقتها – وأنا في سن المراهقة – كان لديّ هذا القلق من هذا الموضوع، لكن لم تكن لديّ الإجابة. عزّز من ذلك تلاوتي للقرآن العظيم – أرقى مشروع للنهضة بالإنسان – وأكملَ برنامجٍ وخطة لتنميته، قلتُ لنفسيّ: لو كان القرآن العظيم كتابَ "حلالٍ وحرام" وكفى لتنزلت على سيديّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم سورتان: سور الحلال وسورة الحرام؛ لكن القرآن العظيم يشتملُ على 114 سورة

    إطلالةُ الشيخ ذو العلم الشرعي وهو يتحدثُ إلى الناس – عمومهم – لا تشفيّ الغليل، هكذا كان شعوريّ وأنا أستمعُ إليه بشغفٍ في سن المراهقة!

    كان تركيزه – أي الشيخ – على محور "الحلال والحرام" وكأن الإسلام في مجمله حلالٌ وحرام، هذا الفهم الميكانيكي للإسلام لا أظنهُ يُفيد وقتها – وأنا في سن المراهقة – كان لديّ هذا القلق من هذا الموضوع، لكن لم تكن لديّ الإجابة.

    عزّز من ذلك تلاوتي للقرآن العظيم – أرقى مشروع للنهضة بالإنسان – وأكملَ برنامجٍ وخطة لتنميته، قلتُ لنفسيّ: لو كان القرآن العظيم كتابَ "حلالٍ وحرام" وكفى لتنزلت على سيديّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم سورتان:

    سور الحلال وسورة الحرام؛ لكن القرآن العظيم يشتملُ على 114 سورة تحويّ أكثرَ من سبعةِ آلاف آية معظمها لا تتحدث عن الحلال والحرام بل عن (الحياة) عن (الإنسان) عن (المال) عن (الحرب والسلام) عن (التجارة) عن (التدافع) عن (التربية) عن (القصاص) عن (الطعام) عن (اللباس)، وغير ذلك من اهتمامات الإنسان بما إنه إنسان، كنت أتمنى على "الشيخ" أن يغشى هذه المجالات متسلحاً بعلمه الشرعي لكن لم يحدث ذلك؛ لذا هبط الوعيّ العام لدى الجمهور بحقيقة الإسلام وبكُنْه القرآن العظيم.

    ولو تفحصنا أسئلة "الجمهور" للشيخ لاكتشفنا أنها جاءت على موفقة لكيفية أفكار الشيخ:

    -          هل يجوز؟

    -          هل هذا حلال؟

    -          هل هذا حرام؟

    وهكذا وكأن الإسلام مجموعة طلاسم لا يفكها إلا الشيخ: أنتَ تسأل وهو يُجيب.

    هذه الكلمات محاولة للتحرر من هذا الفهم الميكانيكي للإسلام. أسأل الله أن ينفع بها القارئ.

    هل يوجب الإسلام قيام سلطة سياسية خاصة به، تلتزم به سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً؟

    نعم يوجب الإسلام قيام سلطة سياسية خاصة به، تلتزم به سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً ودلائلنا على ذلك تأتي من خلال استقراء النصوص الإسلامية وعلى ثلاث مستويات:

    الأدلة على ذلك:

    1. ما ورد في القرآن حول وجوب قيام سلطة سياسية إسلامية.

    2. ما أقرته السنة النبوية الشريفة في هذا المضمار وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في مجال تنظيم الدولة والجماعة.

    3. ما ذكرته المصادر الإسلامية المعتمدة لتاريخنا الإسلامي.

    المستوى الأول من الأدلة (القرآن الكريم): يُقرر القرآن أن الله هو: مالك الملك، المهيمن، الواحد، القاهر، الخالق، الكبير، وحيث أن القرآن يؤكد في العديد من آياته ملكية الله لهذا الكون: (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى).

    الحاكمية في الكون لله: (إن الحكم إلا لله)، وتتجسد هذه الحاكمية في تطبيق ما في القرآن من أحكام واعتباره لا مصدراً من مصادر التشريع بل المصدر الرئيسي للتشريع: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون). كما ينفي القرآن صفة الإيمان والعدل والاستقامة عن الذين يرفضون أو يُعطلون تنفيذ أحكامه وتشريعاته سواءً أكانت على مستوى التشريع السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي: (ومن لم يحكم بما أنزلَ اللُه فأولئك هُمُ الكافرون).

    محمد صلى الله عليه وسلم ممثل حاكمية الله في هذا الكون: لذلك فإن طاعة الرسول من طاعة الله كما يؤكد القرآن هذه النقطة في كثير من الآيات: (من يُطع الرسول فقد أطاع الله).

    ولا يتحقق التمثيلُ الكامل لهذه الحاكمية إلا من خلال وضع الشريعة نصاً وروحاً موضع التنفيذ. وحيث أن الشريعة تشتمل على كافة مجالات التشريع (الدماء والفروج والأموال) من دقائق شئون الفرد إلى دقائق شئون الجماعة؛ كان لا بد لذلك أن تكون اليد العليا لأصحابها في شكل سلطة سياسية مادية ملموسة ومحسوسة ومؤثرة ومنفذة. لذلك قاتل الرسول صلى الله عليه وسلم وغزا في سبع وعشرين غزوة. ولو كان الرسول فقط داعية للإصلاح – ولا شك أن مهمته تشتمل ذلك فيما تشتمل – وللأخلاق الفردية والمناقب المثالية لما كانت هناك ضرورة لكل هذه الدماء ولكل هؤلاء الشهداء. هل من المعقول أن يقوم بذلك كله فقط لكي يكون الناس أكثر صدقاً وأبعد عن الخمر والميسر وكفى؟ إن مهمد محمد عليه الصلاة والسلام كانت ولا تزال – في نظر أتباعه – أكبرَ وأخطرَ وأعظمَ من كل التصورات العادية المبثوثة في أذهان الناس، كانت مهمته الأساسية – لا الاصطلاح مع الأوضاع في الجزيرة العربية ولا حتى تعليقها – بل قلب الأوضاع في جميع الأرض من خلال سلطة سياسية مادية تقوم بعملية التحرير للإنسان على مستوى العالم. تقيم العدل في حياة البشر (مسلمين وغير مسلمين) وتقضي على الظلم والجور وأئمة الظلم والجور.

    الفقهاء والدولة الإسلامية:

    يؤكد الفقهاء وجوب قيام سلطة إسلامية والتي لا يقوم الإسلام كدين إلا بها. نورد بعض أقوالهم.

    1. يقول ابن تيمية في كتابه: "السياسة الشرعية": (يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين. بل لا يقام الدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بإجماع الحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهذا الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم".

    2. ويقول الماوردي في كتابه: "الأحكام السلطانية": (عقد الإمامة لمن يقومُ بها في الأمة واجبٌ بالإجماع).

    3. ويقول ابن حزم في كتابه: "الفصل بين الملل والنحل": (اتفق جميعُ أهلِ السُنة على وجوبِ الإمامة وأن الأمة واجبٌ عليها الانقياد لإمام عادل يُقيم فيها أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة).

    هكذا إذن نجد أن الأدلة من القرآن والسنة وما ذكره فقهاء الإسلام كلها تصب في مجرى واحد وهو أن الإسلام يوجب قيام سلطة سياسية تدين ويتكامل فيها الولاء المطلق لنظامه وقيمه وشريعته وأحكامه.

    المشاركة السياسية الشعبية في الدولة الإسلامية:

    إذا كان قيام السلطة السياسية الملتزمة عقائدياً بالإسلام أمراً واجباً شرعاً وعقلاً وفطرة فأي نوع من الدول هي الدولة الإسلامية؟ وفي هذا السياق نطرح سؤالاً واحداً ونكتفي بالإجابة عليه هنا، والسؤال هو: هل في الدولة الإسلامية الملتزمة عقائدياً ومنهجياً بالقرآن والسنة مجال للمشاركة الشعبية السياسية؟

    حق المسلمين في محاسبة الحكام والإثم في تركه: نقول وبالله التوفيق: إن الإسلام وقف موقفاً حاسماً من هذه القضية – قضية المشاركة الشعبية السياسية – ولصالحها، فللمسلمين الحق في محاسبة الحكام، والأمة في الإسلام لها القوامة على الحاكم وألزمها الإسلام بالإنكار عليه إذا قصّر في مسئولياته أو أساء في استعمال سلطته.

    شروط الخلافة: ومن أكبر الدلائل على وقوف الإسلام لصالح المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي أن جعل منصب رئيس الدولة (الخليفة) عقد مراضاة واختيار لا ينبغي أن يدخله أي إكراه أو إجبار. ولا تنعقد الخلافة شرعاً لأي شخص إلا بمبايعة عموم المسلمين له وهذه البيعة العامة هي التي تجعله الخلافة تنعقد ولا يكون رئيس الدولة في الإسلام رئيساً إلا برضا واختيار المسلمين.

    مركز رئيس الدولة: وبناءً على ذلك يتضح بجلاء المركز القانوني لرئيس الدولة في الإسلام. فهو مركز النائب والوكيل، الوكيل عن الأمة التي انتخبته نائباً عنها ليُدير شؤونها وفق منهج الشرع الإسلامي ولتطبيق سائر أحكامه. وحيث أن علاقة الأمة في الإسلام برئيس الدولة علاقة وكالة فهي التي اختارته، فمن حق الموكِّل في الشريعة الإسلامية أن يُراقب وكيله ليطمئن على حُسن قيامه فيما وكلهُ فيه. وليست مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمؤسسة عبادية أو شعائرية فقط بل هي أساساً مؤسسة سياسية – اجتماعية.

    سبب وجوب الشورى: ومن هنا ولهذا السبب وجبت الشورى في دولة الإسلام كمؤسسة سياسية تصحيحية. بل يقرر الفقهاء أنه نظراً لثبوت حق الأمة في المشاورة فإن ترك هذا الحق من جانب رئيس الدولة موجب العُزلة في الإسلام.

    كيف عامل الإسلام الرأسمالية العقارية؟

    تحكم القبائل في الأراضي: عندما كُلّف الرسول عليه الصلاة والسلام بالرسالة كانت القبائل القوية تتحكم بأراضٍ شاسعة في جزيرة العرب نظراً لما لتلك القبائل من عصبية قبلية وغلبة وقهر. هذه القبائل القوية كانت تحيط بالحجارة مساحات هائلة من الأراضي الخصبة بحجة أنها مراعٍ خاصة لخيولها ومواشيها بينما في واقع الحال كانت هذه الأراضي المسماة حينذاك بأراضي الحمى يتداولها المتمولون من أقطاب الرأسمالية العقارية في مكة والمدينة والطائف ويُحرم منها الفرد الضعيف المُجرّد من السند القبلي.

    النص عن احتكار الأراضي: من أقواله العظيمة والبليغة في هذا المجال: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق". وبهذا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أنهى احتكار الأراضي دون إحيائها بغرض المضاربة بها في نطاق الرأسمالية العقارية في مكة والمدينة والطائف.

    تحديد ملكية الأرض وتحجيرها: حرص عليه الصلاة والسلام على تحديد ملكية الأرض وتحجيرها والمحتجر هو الذي يلجأ إلى تحجير الأرض أي وضع حجر كعلامات لملكيته لتلك الأرض ففي الحديث: "ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين". وبهذا يكون عليه الصلاة والسلام قد حدد مدة ثلاث سنين يحتفظ فيها المحتجر بحقه في الأرض أما بعد انقضاء هذه المدة دون إحياء الأرض فإن ذلك يُسقط حقه فيها ويُفسح المجال أمام باقي المسلمين بإحيائها إما بناء أو زراعة أو ما شاكل ذلك.

    كيف كان موقف رسول الله عليه الصلاة والسلام من الحرفيين والعمال:

    عندما جاءت الدعوة الإسلامية كانت الكلمة تحتل مساحة كبيرة من اهتمامات العرب. وكان لكل قبيلة شاعر يبيع كلماتها في سوق عكاظ إما مفاخراً أو هاجياً. في غضون ذلك ضاعت كثير من الحقوق وسادت كثير من المظالم. ومن يدرس الشعر الجاهلي كقيمة سياسية واقتصادية واجتماعية – لا كفن أدبي – يُدرك ذلك.

    وظيفة الدولة الإسلامية بناء حضارة تعتمد على العمل: وجاءت الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية الجديدة في المدينة وعلى رأسها رسول الله عليه الصلاة والسلام لتلغي كل ذلك وتحاول أن تبني حضارة جديدة تقوم على العمل لا الكلمة وتطرح في برنامجها عاملاً لا شاعراً. وتلك قيمة جديدة في وسط الجزيرة الإنساني.

    احتقار العرب بعضهم لبعض بسبب ما يمارسون من المهن: استغل أهل الحواضر – وهم قلة – ما أَنِف منهُ أهل البادية في الجزيرة العربية فكان منهم الزراع كأهل المدينة والتجار كأهل مكة، غير أنه ظلت كثير من المهن والحِرف مزدراة يُعيّر بها أصحابها. وبجانب احتقارهم للعمل والمهن كانت العرب تُبجّل الشعراء الذين يمدحون الناس مقابل الدراهم.

    وجاءت الدعوة الجديدة لتُحدث انقلاباً في القيم الاجتماعية وتلغي إلغاء سائر القيم الجاهلية المتعلقة بالحرفة والعمل والعمال والمهن والحِرف والصناعات والزراعة بل وحتى للشعر حيث طمحت أن تحوله وتوظفه في التغيير الاجتماعي الذي كانت تنشده بعد أن كان أداة قبلية في تكريس الوضع الجاهلي المتخلف. لم تقل الدعوة الإسلامية الجديدة بأن العمل الشريف كرامة فحسب بل رفعته إلى مستوى العبادة والجهاد في سبيل الله.

    التغيير الجذري في أوضاع المجتمعات كهدف مركزي لدعوة الله:

    راية التغيير هي راية الرسل: الذي يتتبع القضايا التي طرحها رسل الله كما جاء في القرآن على مجتمعاتهم المختلفة ويتعرف على حساسية وجوهرية تلك القضايا يُدرك أن الرسل كدعاة لله لم يُبعثوا ليصطلحوا مع المجتمعات التي أُرسلوا إليها أو أنهم أُرسلوا لكي يلتقوا معها في منتصف الطريق، بل لكي يكونوا ويبنوا تياراً قوياً يستهدف التغيير الجذري في أوضاع تلك المجتمعات. ومن هنا نستطيع أن نقول بأن رسل الله والأجيال المتعددة والفريدة من صحابتهم وتابعيهم كانوا أنصاراً للتغيير الجذري في أوضاع تلك المجتمعات. لذلك لم يكن رسل الله وصحابتهم وتابعوهم من "العناصر المحافظة" أو "اليمينية"– من حيث التصنيف السياسي – هدفها المحافظة على "الوضع الراهن"، بل كانوا من خلال واقعهم وسلوكهم عناصر مُتخطيّة ومتجاوزة ومتقدمة على الأوضاع وداعية لتغييرها من الأساس وفق مضامين ومعايير جديدة تستهدف في النهاية تحقيق العدل الاجتماعي. لذلك ولأن رسل الله ودعاته رفعوا عبر التاريخ راية التغيير كان أول من تصدى لهم: أولو الطول، وأولو النعمة، والحواشي الاجتماعية العالقة بهم من العناصر.

    وحجة هؤلاء في التصدي للدعوة كانت وستظل هي هي:

    (قالوا أجئتنا لتلفِتَنا عمّا وجدنا عليهِ آباءنا)

    رية التقليد هي راية السلطة المتسلطة وحواشيها: الراية التي رفعوها – في التصدي لدعوة الله والتي أحاطوها بقدسية وما زالوا يفعلون حتى اليوم هي راية التقاليد والأعراف المرتبطة بالآباء والأجداد لا المرتبطة بمضامين الحق والعدل والقسط ومن هنا يتضح لنا أن رسل الله في تاريخ الدعوة كانوا لا يعيرون هذه التقاليد والأعراف وزناً ولا اعتباراً: (لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلالٍ مبين)

    طبيعة النظام الاقتصادي قبل الإسلام: لقد كان الربا هو النظام الاقتصادي السائد في الجزيرة العربية وكان اليهود وأغنياء قريش هم المستفيدون من ذلك. وصار هذا النظام عرفاً اجتماعياً وجزءاً عضوياً من تقاليد الجزيرة العربية. وينزل الوحي على محمد عليه الصلاة والسلام لينسف هذه الوضعية نسفاً ويلغي هذا الواقع الباطل الذي تعارف عليه الناس: (وأحلّ اللهُ البيعَ وحرّم الربا).

    هدف الدعوة التغيير الجذري: هكذا إذن يتبدى لنا أن الدعوة إلى الله كانت تستهدف منذ أيامها الأولى التغيير الجذري في الأوضاع الاجتماعية من أجل أن تردها إلى المعايير والمضامين الصحيحة. وهكذا يتضح لنا أن رسل الله ودعاته كانوا ويجب أن يظلوا عناصر مربوطة بالحق أينما دار لا عناصر تقليد أو تقاليد لا علاقة لها بالحق والعدل إن الدعوة إلى الله والدعاة إلى الله يجب ألا يصطلحوا مع الأوضاع التي لا تقوم على معايير الحق والعدل والقسط بين الناس بل يجب أن يكونوا دعاة تغيير وأدوات تخطي وتجاوز تاريخيين.

    هل يجوز للمسئولين في الدولة الإسلامية أن يمارسوا الأعمال التجارية:

    أجمع علماء السياسة الوضعية والشرعية على أن أهم صفة للسلطة السياسية الراشدة هي صفة: العدالة، كما أنهم أجمعوا أن هذه الصفة لا تتحقق في الحكم الراشد إلا إذا وقف من فيه موقفاً حيادياً إزاء فئات وأفراد المجتمع المحكوم. هذا الحياد الاجتماعي للسلطة السياسية هو الذي يتبدى على شكل عدالة اجتماعية تشمل الجميع في المجتمع السياسي.

    ومن أخطر الطرق لجرح الحياد الاجتماعي للسلطة السياسية هو في أن تدخل السوق وتصير طرفاً فيه. ذلك أن كونها طرفاً تجارياً في السوق سيدفعها حتماً لإساءة استعمال السلطة واستغلال النفوذ من أجل الأغراض التجارية المرتبطة بحركية التجارة. وهذا من ِشأنه أن يقود إلى ظلم بعض الأطراف الاجتماعية، والظلم يقود إلى التذمر، والمكاسب التجارية قد تغري السلطة السياسية بكبح التذمر، والكبح يولد ردود فعل لن تكون بالضرورة لصالح الاستقرار الاجتماعي.

    الإطعام والأمن في السياسة الشرعية:

    يقوم التشريع الاجتماعي في الإسلام على مبدأ التكافل. وليس المقصود بمبدأ التكافل أن الإسلام دعا الناس إليه ثم تركهم دون أن يحدد قنوات التكافل ويُلزم المسلمين بها.

    التكافل الاجتماعي والمُلّزم في التشريع الإسلامي هو في مغزاه ومؤداه أن يشعر كل فرد في المجتمع بأن عليه واجبات تجاه المجتمع عليه أداؤها، وأن للفرد حقوقاً في هذا المجتمع يجب على القوامين عليه أن يوصلوا الحقوق لأهلها دون أن يريقوا ماء الوجوه. ومن الحقوق المهمة للأفراد في ظل دولة الإسلام الغائبة: حق الأمن، وحق الطعام، وحق السكن وحرمته، وحق العمل. يقول ابن حزم الأندلسي: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفل فقرائهم، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع من الأغنياء وحقٌ على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويُعذبهم".

    إن ظواهر الفقر والحرمان والشظف التي تعيشها جماهير الإسلام في أوطانها هي نتيجة طبيعية لتعطيل أحكام الإسلام التي استهدفت في الأساس تفتيت الثروات لتصل إلى أكبر قاعدة إنسانية ممكنة. وأن هذا التكديس والخزن والكنز الذي تمارسه الطبقات الثرية يتعارض بشكل سافر مع أحكام وتشريعات الإسلام الاقتصادية ذات النزعة الجماعية والتي تتضارب مع الاتجاه الفردي في حبس المال والطعام وغيرها من الخيرات. وإن الإسلام قد عني بهذه القضية: قضية الإطعام والأمن والإسكان بما يحقق مصلحة العموم لا الخصوص إلى درجة أن جعلها قضية تمس العقيدة في الله وقد تؤدي بمن ينحرف عنها إلى نار جهنم والعياذ بالله: (ما سلككم في سقر  (42) قالوا لم نكُ من المُصلّين (43) ولم نكُ نُطعِمُ المسكين)

    الموقف الإسلامي في ديكتاتورية رأس المال:

    العالم الإسلامي يُطبق النهج الرأسمالي: معظم أقطار العالم الإسلامي المترامي اليوم تنهج – من حيث النظام الاقتصادي – النهج الرأسمالي الذي يؤكد ما يسمى بـ "حرية التجارة" و "حرية رأس المال" إلى آخره من الدعاوي. وينبغي علينا نحن المسلمين أن نكون على بينة من هذا الأمر على مستويين:

    الأول: علينا أن نفهم منطق النظام الرأسمالي من حيث هو نظام واقع المجتمعات الرأسمالية، أما المستوى الثاني: فهو ضرورة تحديث موقفنا العقائدي في النظام الرأسمالي منطلقين من الكتاب والسنة.

    يؤكد واقع المجتمعات الرأسمالية أن الفرد المواطن – بالرغم من الحديث المستمر عن قدسية حريته ورأيه وكيانه – قد صار رهينة بين رأس المال الذي يتحكم بالسياسة والإعلام والسلع الضرورية. في جنوب أفريقيا مثلاً صار أصحاب المناجم والمزارع الكبيرة من الهولنديين والإنجليز هم الحكام يمارسون حرياتهم الفردية في الفكر والسياسة والمال. أما شعب تلك البلاد من الزنوج والملونين الأفارقة والآسيويين فهم لا يمارسون أدنى صور الحرية الفردية. بما فيها حرية الانتقال والسكن والعمل. ومن يدرس أوضاع المجتمعات الأوروبية الغربية والأمريكية الشمالية بالذات – وهي مجتمعات رأسمالية – ويستخلص الأسس الفعلية التي يقوم عليها النظام الرأسمالي يجد الآتي:

    1. النظام المالي هو الذي يتحكم في القرار السياسي وتوجهاته.

    2. المال قوة مسيطرة على جوانب الحياة الاجتماعية بأجمعها (التعليم – الفن -الأدب – النشر).

    3. كل وسيلة تؤدي إلى زيادة الأرباح فهي مشروعة في الرأسمالية.

    4. تلعب البنوك وشركات التأمين وبورصة الأوراق المالية أدواراً كبيرة للغاية في تحديد نتائج الانتخابات السياسية وتوجهاتها.

    ويبدو من خلال ما عرضنا أن منطلقات النظام الرأسمالي الفكرية والمبدئية هي:

    1. أن المال لدى الأفراد ملكية شخصية مطلقة.

    2. ليس هناك شريك لصاحب المال في ماله سواء كان الشريك أفراداً أو الدولة.

    3. أن ربح المال يعود لصاحب المال وحده.

    4. أن حريات اختيار وسائل الاستثمار لا تخضع لرقابة طالما أنها غير موجهة للإضرار بفرد معين أو أفراد معينين.

    هذه المنطلقات العامة الفكرية والمبدئية للنظام الرأسمالي جعلت من القلة الذين يتحكمون بالمال قوة سياسية واجتماعية تتحكم في مسار المجتمعات الرأسمالية وتؤثر بشكل واضح على مجريات السياسة الدولية – من حيث إن الأخيرة عبارة عن شبكة من الصراع الاقتصادي على المستوى الكوني.

    وأصبح النظام الرأسمالي – والذي ينطلق من مبدأ حرية حركة رأس المال – أكبر معوق فعلي لحريات الأفراد النظيفة في مجال العمران الاجتماعي والسياسي، أما حريات الهبوط والتدهور الفردي والجماعي فهو يرحب بها بل ويشجعها لأنها تفتح المجتمعات أكثر وأكثر للسلع وتضمن دورة الإنتاج الرأسمالي.

    عليه نسأل: إذن ما موقفنا العقائدي من الرأسمالية سواء أُسسها الفعلية أو منطلقاتها الفكرية والمبدئية؟

    أوجه التعارض بين الإسلام والرأسمالية:

    1. إذا كانت الرأسمالية تنظر إلى المال لدى الأفراد على أنه ملكية شخصية مطلقة يحق للشخص أن يتصرف به كيف يشاء، فإن الإسلام يعتبر الملكية المطلقة والمالك الحقيقي هو الله، وأن الفرد صاحب المال ما هو إلا مستخلفٌ عليه وسوف يُحاسب على كيفية تصرفه بذلك المال.

    2. يؤكد النظام الرأسمالي أن ليس لصاحب المال شريك فيه سواء كان ذلك الأفراد أو الدولة. بينما يؤكد الإسلام أن للمستخلف على المال شركاء لهم حقوق في ماله ومن يتعمد رفضها مثل الزكاة يعتبر مرتداً.

    3. يؤكد النظام الرأسمالي حرية اختيار وسائل الاستثمار والإنتاج بشكل شبه مطلق، بينما جعل الشرع تنمية المال مقيدة في حدود لا يجوز تعديها.

    هكذا يتبين لنا التعارض الجوهري بين النظام الرأسمالي والتشريع الاقتصادي الإسلامي، وهو أمر لا يمكن التحايل عليه عبر إجراءات الترقيع الحاصل في أكثر من قُطرٍ إسلامي والله المستعان.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:582
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:232
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك