• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 09-10-2017
  • المؤلف: ترجمة: ميادة خليل
  • الناشر: منشورات المتوسط
  • عدد الصفحات:316
  • عدد الاستماع للحلقة: 401
  • شابة في الثلاثين من عمرها. واسعة الاطلاع، مثقفة، وذكية جداً، كتبت بعين امرأة شجاعة، عن كل ما يدور حولها. عينٌ مجروحة ولكنها عادلة، حاولت استكشاف العدو بدلاً من كرهه، حاولت أن تتعرف على وجه الإنسان في هذا العدو، أن تُجرّدهُ من أسلحته، وتراه ..
    23
    يوليو
  • 97: الفردوس الأرضي
  • كتب في: 23-07-2017
  • المؤلف: عبد الوهاب المسيري
  • الناشر: تنوير
  • عدد الصفحات:155
  • في أثناء إقامتي في الولايات المتحدة (1963 – 1969م ثم عام 1971م) لاحظت أن التيار الفردوسي المعادي للتاريخ والأيديولوجيا، الملتزم بفكرة التقدم العلميّ بأي ثمن؛ هو البناء الكامن وراء كثيرٍ من أفكار اليمين أو اليسار. وقد وجدتُ من المفيد أن أُسجل انطباعاتي وأكتب دراساتي مُنطلقاً من إيماني بالإنسان على أنه كائنٌ طبيعيٌّ – تاريخيٌّ؛ كائنٌ يحلم دائماً بالفردوس لكنه يعيش في التاريخ. وقد لاحظتُ أن الإنسان في الولايات المتحدة يهربُ من التاريخ ليعيش في الفردوس، ولكن – وهذا هو ما خَبِرته – من يهرب من التاريخ ليعيش في الفردوس؛ ينتهي به الأمر إلى الجحيم. فالإنسان الذي يهرب من معرفة قانون الضرورة، ويرفض فكرة الحدود التاريخية ليمرح في فردوس اللا حدود، سينتهي به الأمر في عالم الصدفة العب

    في أثناء إقامتي في الولايات المتحدة (1963 – 1969م ثم عام 1971م) لاحظت أن التيار الفردوسي المعادي للتاريخ والأيديولوجيا، الملتزم بفكرة التقدم العلميّ بأي ثمن؛ هو البناء الكامن وراء كثيرٍ من أفكار اليمين أو اليسار. وقد وجدتُ من المفيد أن أُسجل انطباعاتي وأكتب دراساتي مُنطلقاً من إيماني بالإنسان على أنه كائنٌ طبيعيٌّ – تاريخيٌّ؛ كائنٌ يحلم دائماً بالفردوس لكنه يعيش في التاريخ. وقد لاحظتُ أن الإنسان في الولايات المتحدة يهربُ من التاريخ ليعيش في الفردوس، ولكن – وهذا هو ما خَبِرته – من يهرب من التاريخ ليعيش في الفردوس؛ ينتهي به الأمر إلى الجحيم. فالإنسان الذي يهرب من معرفة قانون الضرورة، ويرفض فكرة الحدود التاريخية ليمرح في فردوس اللا حدود، سينتهي به الأمر في عالم الصدفة العبثي الذي لا يحكمه قانون – والجحيم هو الصدفة والعبث – تماماً مثل إنسان روسو الفَرِح، الذي يتحول بالضرورة إلى إنسان داروين الذي تأكله الذئاب من الحيوانات الطبيعية أو من البشر الطبيعيين. إن الإنسان وجودٌ جدليّ: جسدٌ وروح؛ "فاعمل لدنياك (وجسدك) كأنك تعيشُ أبداً، واعمل لآخرتك (روحك) كأنك تموتُ غداً". والمجتمعات الاستهلاكية التي تظن أنها قادرةٌ على إشباع جميع رغبات الإنسان، والتي تُعرّف هذه الرغبات بشكلٍ كميّ، مُسقطة احتياجاته الروحية من الاعتبار؛ هذه المجتمعات تتجاهل ازدواجية الإنسان وتُسبب البؤس للبشر.

     

    (البراجماتية الأمريكية والبراجماتية التلمودية)

    صهيون الجديدة في الولايات المتحدة وإسرائيل: لا يملك الدارس للوجدان الأمريكي والصهيوني إلا أن يُلاحظ التشابه، بل والتطابق بينهما؛ على الرغم من أن الحضارة الأمريكية لا يزيد عمرها على بضعة قرون، بينما تتباهى الحضارة اليهودية الإسرائيلية بتاريخ قديم قِدَم الإنسان. ولعل أهم أوجه التشابه بين الوجدانين أن كليهما يرفض التاريخ بعنادٍ وإصرار، أو على الأقل يحوله إلى أسطورة متناهية في البساطة. ولعل وجه الشبه الرئيس بين الوجدانين الأمريكي والصهيوني الإسرائيلي هو العنف العنصري؛ فرفض التاريخ نتج عنه تعامٍ عن الواقع وتجاهل لكل تفاصيله. ولذلك وقع البيوريتانيون والصهاينة في تناقضات رؤياهم المثالية القبيحة؛ رؤيا عالم جديد بريء بسيط لا يمكن أن يُشيد إلا عن طريق العنف والإبادة، إبادة الهنود الحمر والفلسطينيين؛ الفردوس والجحيم في آنٍ واحد.

    وليس من قبيل المصادفة أن شعار "أرضٌ بلا شعب، وشعبٌ بلا أرض" قد تبناه كل من البيوريتانيين والصهاينة، وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن المجتمعين الإسرائيلي والأمريكي من أكثر المجتمعات عنصرية سواءً من ناحية الواقع الاقتصادي أو البُنيّة الحضارية. وقد يكون مما له دلالته وطرافته، أن مؤسسي الجمهورية الأمريكية بعد إعلان الاستقلال قد فكّروا في جعل اللغة العبرية لغة الدولة الرسمية، باعتبار أن الجمهورية الوليدة هي صهيون الجديدة؛ ولكن الاعتبارات العملية جعلتهم يعدلون عن تهيؤاتهم.

    فابريكة الإنسان الجديد: من أوجه التشابه الرئيسة بين المجتمعين الإسرائيلي والأمريكي؛ أن كليهما مجتمعٌ استيطانيٌّ يتكون من المهاجرين الذين عليهم أن يطرحوا عن أنفسهم هويتهم القديمة، ليكتسبوا هوية قومية جديدة بمجرد وصولهم إلى نيويورك أو حيفا.

    واكتساب الهوية الجديدة هو مشكلة المشاكل بالنسبة لكل المجتمعات الاستيطانية الرافضة للتاريخ وللتراث، والتي تفبرك "تراثاً جديداً" يدور حول أسطورة بسيطة يؤمن بها "الإنسان الجديد". فأمريكا استحدثت أسطورة "آدم الديمقراطي الجديد"، الذي يأتي إلى الأرض أو الجنة العذراء ليُقيم فيها، ويستلهم كل ما في التراث العالميّ من إيجابيات وينفتح على كل الحضارات. والصهاينة فبركوا أسطورة "اليهودي الخالص" المنفتح على الحضارة اليهودية الخالصة، والذي يُهاجر إلى أرض الميعاد اليهودية ليُحارب في جيش يهودي، ويزرع في حقل يهودي، ويقرأ في كتاب يهودي (وربما يُحب على الطريقة اليهودية، ويقتل بالطريقة نفسها).

    ولكن هل نجحت الفابريكة الحضارية في كل من إسرائيل وأمريكا؟ ومرة أخرى يمكننا أن نستخلص من دراستنا للوضع الحضاري في أمريكا الدروس والعِبَر التي قد تهدي خُطانا في دراستنا للمجتمع الإسرائيلي. ونظرة واحدة على المشهد الأمريكي وعلى أسطورة بوتقة الصهر الحضارية، حيث ينصهر المهاجرون الجدد في كل أمريكيًّ واحد جديد؛ نظرةٌ واحدةٌ تُبيّن أن البوتقة لم تُحقق المتوقع منها.

    لغة التعامل مع الواقع: حينما يتناول المصريّ طعامه، فهو يتناول وجبةً ساهمت آلاف السنين من التاريخ المصريّ في طهوها. ولهذا السبب لا نُقدم الكوسا المسلوقة إلا للمرضى، أما الأصحاء فهم يأكلونها إما بالبشملة، أو محشية بالأرز أو اللحمة أو كليهما. على العكس من ذلك؛ حينما يُقرر المواطن الأمريكي تناول طعام العشاء (الوجبة الرئيسة في الولايات المتحدة)، فزوجته عادة ما تُقدم له كميّة لا بأس بها من البطاطس المسلوقة أو المقلية مع شريحة كبيرة من اللحم المشوي على الفحم. فإذا أراد الأمريكي التنويع فإنه قد يأكل الهامبرجر، وحين يسأم رتابة حياته الغذائية ويُفكر في تناول طعام جيد له مذاقٌ خاص؛ فهو عادة يتناول وجبة أجنبية (صينية أو فرنسية) نِتاج تاريخ بلدٍ آخر، ولذلك فمن أيسر الأمور تناول طعامٍ أجنبي، بل وشراء مواده خام في أي مدينة أمريكية.

    وإذا ما نظرنا إلى علاقة الرجل بالمرأة وبالأسرة في المجتمعين المصري والأمريكي، للاحظنا نفس الاختلاف؛ فالرجل الأمريكي حينما ينظر إلى امرأةٍ فإنه يرى امرأة وحسب. فإذا أراد التعرف عليها فلا داعي للمؤامرات والمناورات، وإذا قرر الزواج منها فهو يتزوجها – إن هي وافقت – دون ضجيج (ويُطلقها بنفس البساطة). وهو عادة ما يذكر هذا الأمر لأسرته، وقد يدعوهم لحفل زفافه، لكن هذا لا يتم إلا من باب العلم بالشيء وحسب. أما المصري فإنه حينما ينظر إلى امرأة فهو يرى امرأة ويرى طبقة اجتماعية وتاريخاً طويلاً. فإذا قرر التعرف على المرأة – الطبقة، فيجب عليه أن يعرف خلفيتها العائلية، لأن هذا سيُحدد تكتيك واستراتيجية الهجوم. وإن قرر الزواج، فالزواج لا يتم على سنة الله ورسوله فحسب، بل وفق ما تقتضيه الطقوس الاجتماعية، من شبكة ومهر ومقابلات بين الأُسر للتعارف والتباهي. وهذا المصري بعد تزوجه يُبقيّ على علاقته بأمه وأبيه وأخيه وبأم زوجته وأبيها وأخيها. فإذا أراد المصري أن يُطلق زوجته – لا قدر الله – فإنه يكتشف أن الطلاق هو أبغض الحلال عند الله، وأن المجتمع لن يتركه وشأنه قبل أو بعد الطلاق؛ فَرُسُل الصُلح وفاعلو الخير كثيرون ولله الحمد. إن الفرد المصري لا وجود له خارج هذه الشبكة الهائلة من الطقوس الاجتماعية والقيم الدينية؛ فوجوده اجتماعي تاريخي بالدرجة الأولى، ووجود فردي بالدرجة الثانية.

    وإذا قارنا سلوك الأمريكي بسلوك المصري، للاحظنا الفروق الواضحة مرة أخرى، فطموح الإنسان المصري يتلخص في أن يقطن بالقرب من أهله وعشيرته وأسرته، ويا حبذا لو كان الجميع في القاهرة: قلب العروبة النابض!

    ولأن الوجدان الأمريكي يمرح في براءته الأولى غير مثقل بالتاريخ؛ نجد أن الأمريكي لا يؤمن بأية مقدسات أو حرمات أو طقوس، فكل شيء بالنسبة له خاضعٌ للبحث بل والتجزؤ، كأن الكل الحي يُعادل جِماع أجزائه الميتة. بل إن التاريخ نفسه (أو ما هو موجود منه) يتحول إلى شيء أو موضوع للتأمل أو إلى لحظاتٍ زمنية متتالية، وليس كياناً حيّاً مُركباً يمتزج فيه الحاضر بالماضي بالمستقبل؛ ولعل هذا يُفسر ولع الأمريكيين بالتصنيف وتقسيم التاريخ إلى مراحل متمايزة أو خانات ضيّقة. فالقرن العشرون يُقسم إلى أوائل القرن، ثم العشرينيات الرومانتيكية، فالثلاثينيات الثورية، فمرحلة الحرب العالمية الثانية، فعصر أيزنهاور والماركسية، فعصر كاميلوت (بلاط الملك آرثر المشهور بجون كيندي)، بل إنني فوجئت حينما شاهدت فيلم "القط فريتز" في زيارتي الأخيرة؛ أن الفيلم يُعالج أواخر الستينيات وكأنها جزءٌ من الماضي السحيق الذي انقطعت كل وشائجه بالحاضر.

    إن الوجدان الأمريكي هو حقاً وجدان الرفض للتاريخ والتراث، بل وأي فكرٍ مُسبق عن الواقع؛ وجدانٌ تُسيطر عليه الفلسفة البراجماتية أو الذرائعية سيطرةٌ كاملة.

    (عالم السِّلع الفردوسي)

    الخلاص بالسلعة: أفرز المجتمع الرأسمالي عديداً من الفلسفات من بينها الفلسفة البراجماتية، التي كُتب لها الشيوع وذيوع الصيت دون غيرها؛ لأنها أثبتت أنها خير وسيلة تحافظ بها الرأسمالية الأمريكية على اتزان المجتمع وثباته، ففي مقدور الإنسان البراجماتي محدود الرؤية أن يستهلك دون تساؤل، وأن يُغيّر السلع التي يستهلكها، وأن يُقلل ويزيد من كميتها دون احتجاج. وهو لا يستفسر أبداً عما إذا كان هذا الاستهلاك الغبي سيؤدي إلى سعادته الفردية أم لا، فالسعادة الإنسانية، ليست هي الهدف. إنما الهدف هو النجاح في التعامل مع الواقع الذي تخلقه وتحدده وتغلفه الاحتكارات، ثم تبيعه للمواطن الأمريكي عن طريق الإذاعة والتلفزيون اللذين لا يرحمان!

    وقبل أن نعرض لهذا الحديث عن الحضارة الأمريكية، قد يكون من المفيد أن نذكر بعض الجوانب المميزة لنمط الحياة الأمريكية، التي تجعل الأمريكي فريسة سهلة لــ "الاستهلاكية الأمريكية". فبناء الضاحية الأمريكية يجعل الإنسان الأمريكي يعيش وحيداً، فيما يُشبه الفردوس الأرضي؛ في منزل من طابقين، وعليه أن يقود سيارته ساعة على الأقل كل يوم ليصل إلى محل عمله، وساعة أخرى ليعود منه. وهو حينما يعود إلى منزله الذي يملكه لن يجلس مع الجيران ليتحدث عن همومه اليومية، وإنما سيكون مشغولاً بإعداد العشاء مع زوجته، كما أنه لا توجد علاقة قوية بين الجيران؛ لأن هؤلاء الجيران يتغيّرون كل خمس سنوات، فمجتمع الكفاءة والسيولة البراجماتية مبنيٌ على التغيّر الدائم، ولذلك يتغير كل سكان أي جماعة أمريكية بمعدل مرة كل خمس سنوات!

    هذا الأمريكي ضحية سمسار العقارات، والذي لا جيران له ولا معارف ولا أقارب؛ عادة ما يستمع إلى إذاعة محلية مقصورة على مدينة أو ضاحية، وهي إذاعةٌ تذكر له أنباء الشرق الأوسط في دقيقة، ثم النشرة الجوية في أربع دقائق، ثم الأوكازيونات المحليّة في خمسِ عشرة دقيقة. وهو إن قرأ جريدة يومية، فسيقرأ أيضاً جريدة محليّة تذكر له أنباء العالم في الصفحة الأولى حتى يُرضي ضميره، ثم يقرأ في بقيّة الجريدة عن الأخبار الحيوية مثل من تزوج من مؤخراً، ومن حصل على شهادة البكالوريا من أبناء هذه المدينة الأمريكية الفاضلة! وهذه الجرائد ومحطات الإذاعة المحليّة خاضعةٌ خضوعاً كاملاً للرأسمالي المحلي.

    هذا الإطار الحضاري قد جعل من الأمريكي فريسة سهلة للسُعار الاستهلاكي.

    وعالم السلع لا يغزو الإنسان الأمريكي من الخارج فحسب، بل يغزوه، ويقمع إنسانيته من الداخل. والغزو الداخلي يتمثل في مظاهر عديدة أهمها مُصادرة الجنس لحساب الاحتكارات الرأسمالية. وأنا هنا لا أوجه نقداً لما يسمى "إباحية المجتمع الأمريكي"، فهو في تصوري ليس مجتمعاً إباحياً مُنحلاً بالمعنى التقليدي. كما أنني لا أُشير إلى انتشار أفلام الجنس التي تُعرض في كل مكان، وإنما أُشير إلى إباحية من نوع جديد وخطير، إباحية ديموقراطية "علمية"؛ تفترض أن الجنس طاقة محايدة يمكن استخدامها للتحكم في الوحدة الاستهلاكية التي كانت الفلسفة القديمة تطلق عليها اصطلاح "إنسان". واختيار الجنس كوسيلة للتحكم في الإنسان يدل على ذكاء وفطنة، فالجنس نشاطٌ بيولوجي حتميّ، ولكنه في الوقت ذاته له بُعد اجتماعيّ. وبتأكيد الجانب البيولوجي على حساب الجانب الاجتماعي (دون إلغائه كليةً)؛ يخلق المجتمع الرأسمالي الخلطة السحرية والتوازن المنشود. فأنت قد تسلك سلوكاً اجتماعياً، ولكن سلوكك ستُحدده اعتبارات بيولوجية بسيطة ومحددة. مثلاً كريم الحلاقة ماركة كذا، إن استخدمته وقعت كل الفاتنات في شبكاك، أما كريم الشعر فهذا سحره لا يُقاوم...الخ

    اختر ما تشاء من السلع وكله في سبيل الحيوية والبعث الجنسي، ولكنه بعث جنسي لا علاقة له بالحياة أو الحب أو الزواج أو الطلاق، أو حتى إبليس، فهو بعثٌ بيولوجي مجرد يدور في فراغ حتميّ لا نهائيّ.

    الحضارة الأمريكية إذن حضارة ناجحة للغاية على المستوى الإنتاجي والمادي؛ حققت السيطرة الكاملة على الإنسان الأمريكي من الداخل والخارج، ووصلت إلى الاتزان الذي يضمن لها الاستمرار والاتساع المنضبط. وهي حضارةٌ قد يُقدر لها السيطرة على المجتمعات الرأسمالية الأخرى ذات التاريخ العريق والتراث القومي والديني الفعال. بل إن المجتمعات الاشتراكية مهددة بالغزو الحضاري الأمريكي أكثر من غيرها، لأنها مجتمعات قطعت صلتها بتراثها القومي والديني، وخلقت فراغاً حضارياً لا يمكن أن تزدهر فيه سوى القيم المادية الأمريكية. خاصة أن هذه المجتمعات الاشتراكية تُقوِّم نجاحها وإنجازاتها بمعايير مادية ميكانيكية غير إنسانية؛ مثل زيادة حجم الإنتاج، وزيادة إنتاج الصلب والفحم والصابون.

    إن الحضارة الرأسمالية الأمريكية هي حضارة الماديين والنفعيين، لوك وهوبز وبنتام وديوي؛ حضارة ترى الإنسان على أنه كميّة من الاحتياجات السهل إرضاؤها.

    والحضارات الاشتراكية باستمرارها في التركيز على الإنتاج دون ذكر للهدف الإنساني منه، وبإهمالها خلق وعي تاريخي عند المواطنين، وبحرمانهم من المشاركة الفعليّة في إدارة المجتمع؛ قد تقع في براثن هذه الرؤية النفعيّة المعادية للفكر والإنسان، وقد تظل قابعة في عالم الضرورة والكمّ.

    وقد تنبه اليسار الجديد لخطورة الرأسمالية الأمريكية، فهو في نقده لها لا يُركز على استغلاليتها أو عدم كفاءتها الإنتاجية؛ لأنها ليست مُستغلة بالمعنى التقليدي كما أن كفاءتها مشهودٌ لها من الجميع، وإنما ينصبُّ التركيز على استهلاكيتها العمياء التي تُغرق الذات. بل إن بعض الجماعات اليسارية لم تعد تستخدم اصطلاح "الرأسمالية"، وتستخدم بدلاً منه اصطلاح "الاستهلاكية"؛ باعتبار أن ما يُهدد العامل الأمريكي الآن ليس قلة السلع بل وفرتها، والوعيّ الزائف الذي تُنتجه هذه الوفرة.

    (المرأة الأمريكية بين التاريخ والفردوس)

    تحرير المرأة الأمريكية والفردوس: رغم أن الناس سواسيةٌ كأسنان المشط، ورغم أنه لا فضل لعربيٍّ على أعجميّ أمام الله إلا بالتقوى؛ إلا أنه يوجد العربي، والأعجمي، والأبيض والأسود، والطويل والقصير والصبور والطموح، ومن يُحب دراسة العلم ومن يُفضل التأمل...الخ

    لقد خلقنا الله جميعاً كما خلق الذكور والإناث، وهي ليست تفرقةً ذات مضمون اجتماعي واقتصادي، وإنما مجرد تمييز بين سمات الواقع المختلفة المتساوية، واعتراف بأن مكونات الواقع ليست متشابهة وإنما متعددة ومتنوعة. إن التنوع هو سمة الوجود الإنساني التاريخي، وأي محاولة لإلغاء التنوع أو تجاهله، هي محاولة فردوسية تدور في إطار الأساطير أو البدائل المستحيلة!

    ومع الأسف، فالتفكير الفردوسي يُسيطر سيطرة كاملة على بعض القطاعات في حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة، ورغم وضوح جذور المشكلة وإمكان الوصول لبعض الحلول، إلا أن التيار الفردوسي يتخطى كل حدود التاريخ وإمكانياته الحقيقية، وينحدر بحركة تحرير المرأة إلى المهاترات والشذوذ والتجريب اللاعقلاني.

    وكما بينت من قبل؛ فعدم وجود وعيٌ بالتاريخ في الولايات المتحدة هو الذي يؤدي بكل حركات السخط إلى ذلك الاتجاه الفردوسي؛ فهم حينما يتصورون الخير يتصورونه خالصاً ويحلمون بالفردوس الأرضي، وحينما يتصورون الشر فهم يتصورونه هو الآخر خالصاً.

    هذه البراءة هي التي تؤدي بالأمريكيين إلى التطرف، وهي براءةٌ يُشجعها النظام الاقتصادي؛ لأنها تُبقي الإنسان بمعزلٍ عن التفكير الجماعي السياسي الأيديولوجي، وتُفتت الواقع السياسي إلى قضايا معزولة بعضها عن بعض. فهذه قضية جماعات المقامرة في بلدة كذا، وهذه قضية رشوة البوليس في نيويورك، وتلك مشكلة عصابات المافيا، أو مشكلة الزنوج، وهكذا؛ بدلاً من رؤية كل الإشكاليات باعتبارها تعبيراً متنوعاً عن ظاهرة واحدةٍ، وهي الرأسمالية الإمبريالية الاستهلاكية.

    هذه البراءة وعدم التحدد التاريخي، هي التي تخلق مشكلة هوية لكل الأمريكيين؛ فالأمريكي يقضي حياته يسأل نفسه: من أنا؟ لأن المجتمع لم يضع له تعريفاً، بل تركه حراً غير منتمٍ في مجتمع مفتوح. وتعاني المرأة الأمريكية أزمة نفسية وهوية لنفس السبب فهي الأخرى تسأل نفسها ذات السؤال الميتافيزيقي: من أنا؟ وهو ميتافيزيقي لأنه سؤال مجرد لا إجابة له. لأن الإنسان أي إنسان؛ ليس شخصاً واحداً، وإنما هو عدة أشخاص؛ مواطن وفردٌ وزوجٌ وأبٌ ومدرسٌ. إن طريقة طرح السؤال تضع المرأة الأمريكية في طريق مسدود، لأنها تجردها من أي سياقٍ تاريخي. ولذلك ينزلق الكثير من مُفكري تحرير المرأة إلى تعميماتٍ مضحكةٍ في تجريدها.

    ويلاحظ تكرار موضوع الطلاق في كتابات مفكري حركة تحرير المرأة؛ فجلوريا ستانيم ترفض الزواج، وتشير إلى أن أبويها اليهوديين قد طُلقا وهي بعدُ في سن العاشرة. أما آن فريدمان، التي نشأت في عائلة يهودية، وشبهت كتاباتها بكتابات أنبياء العهد القديم، فهي الأخرى قد طُلقت من زوجها. وروبي مورجان تُقرر أن تُصبح إنساناً كاملاً فتُطلق زوجها، وهكذا. إن هذه ليست مجرد إشارات لأحداث خاصة لا يصح الخوض فيها، وإنما هي إشارات أيديولوجية تُشير إلى رفض جذري لفكرة الزواج، لأن هذه المؤسسة، حسب تصورهن؛ خُلقت لنصف إنسانٍ فحسب. وحينما يتحول الإنسان النصف إلى الإنسان الكامل؛ تبدأ المؤسسة في التحلل.

    إن رفض الزواج هو في نهاية الأمر رفضٌ لإنجاب الأطفال، ورفضٌ للدخول في أي علاقةٍ إنسانيةٍ ذات عمقٍ، والاكتفاء باللحظات العاطفية العابرة. وفي ذلك فشلٌ في إدراك طبيعة الزواج؛ هذه التجربة المستمرة ذات العمق المعين. وربما كان ذلك ما عنته جلوريا ستانيم حين صرحت بأنها لا تؤمن بالحب، فنحنُ لا نؤمن بالحب إلا إذا آمنا بالإنسان، وبإمكانية الثقة في الآخرين والاحتماء بهم والاعتماد عليهم. أما إذا كنا بورجوازيين، أفراداً مستغلين منفصلين، فنحن نعيش في حالة قلق من الأغيار، نفترسهم أو يفترسوننا؛ وإذا ما دخلنا علاقة حب، فستكون علاقة افتراسٍ ونهم أيضاً، علاقة تمنحنا أكبر قدرٍ من اللذة دون أي ألم.

    ولعل هذا البحث عن اللذة الجنسية الفردوسية الخالصة، هو الذي يُفسر انتشار الشذوذ الجنسي في المجتمعات الرأسمالية الغربية، فهي ظاهرةٌ لا يمكن تفسيرها إلا على أساس أيديولوجي. فكل مجتمع له شواذه، لكن الشذوذ في المجتمعات الغربية قد زاد إلى درجة أنه صار يُشكل ظاهرة (يوجد في الولايات المتحدة الآن ما يزيد عن أربعة ملايين من الشواذ، بل يوجد لهم بعض الكنائس التي يديرها وعاظ شاذون جنسياً مثل كنيسة لوس أنجلوس، وقد أُنشئ مؤخراً معبدٌ يهودي للشواذ).

    وحينما كنت في نيويورك لاحظت أن الشواذ من النساء أصبح لهن وجودٌ ملحوظ، وهذا تطورٌ جديد، لأنه قبل ذلك كان الشواذ من الرجال وحدهم هم المُصرح لهم بالظهور. وسبب هذا "التطور" أو "التقدم" يعود بلا شك لحركة تحرير المرأة، التي ينادي بعض زعمائها بأن المرأة الشاذة جنسياً هي المرأة التي استغنت كليةً عن الرجال؛ لذا فهي أكثر النساء تحرراً، وهي المرأة التي حققت المساواة البيولوجية الكاملة مع الرجال، وحققت بذلك الاكتفاء الذاتي داخل التاريخ. حتى لقد قالت إحدى مفكرات الحركة: حركة تحرير المرأة هي النظرية، والمساحقة هي التطبيق.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:219
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:124
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك