• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 04-12-2017
  • المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
  • الناشر: الوفاء
  • عدد الصفحات:425
  • عدد الاستماع للحلقة: 75
  • هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحيّ من ربه فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبيّن له خطة الرد على قريش: فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. وكان ..
    23
    يوليو
  • 98: مكتوب على الجبين
  • كتب في: 23-07-2017
  • المؤلف: جلال أمين
  • الناشر: الكرمة
  • عدد الصفحات:286
  • من عاش مثلي ثمانين عاماً، لا بد أن يكون قد تعرّف في حياته على عدد كبير من الناس، رجال ونساء، أغنياء وفقراء، من المتعلمين وغير المتعلمين الخ وعندما أستعيد في ذهني ما رسخ لديّ من انطباعات عن هذا الشخص أو ذاك، فيمن تعرّفت عليهم على مر السنين، يعتريني العجب من أنه لا يكاد أن يكون من بينهم شخصٌ واحد لا يبدو لي الآن أنه "لُغزٌ من الألغاز". إني أقصد بالطبع من عرفتهم عن قُرب، فالمعرفة العارضة لا تُثير عادة الحيرة أو التساؤل. وجدتُ مُعظمَ هؤلاء (بل أكاد أقول كلهم) من الألغاز المستعصة على الفهم. لقد أحببتُ كثيرين منهم حُباً جما، واعتراني نفورٌ شديد من كثيرين غيرهم، ولكنني وجدتهم جميعا، "ألغازاً بشرية"، لا أستطيع أن أفهم كيف اجتمعت في الواحد منهم هذه الصفات المتعارضة، بل إني لاحظت أنن

    من عاش مثلي ثمانين عاماً، لا بد أن يكون قد تعرّف في حياته على عدد كبير من الناس، رجال ونساء، أغنياء وفقراء، من المتعلمين وغير المتعلمين الخ وعندما أستعيد في ذهني ما رسخ لديّ من انطباعات عن هذا الشخص أو ذاك، فيمن تعرّفت عليهم على مر السنين، يعتريني العجب من أنه لا يكاد أن يكون من بينهم شخصٌ واحد لا يبدو لي الآن أنه "لُغزٌ من الألغاز". إني أقصد بالطبع من عرفتهم عن قُرب، فالمعرفة العارضة لا تُثير عادة الحيرة أو التساؤل. وجدتُ مُعظمَ هؤلاء (بل أكاد أقول كلهم) من الألغاز المستعصة على الفهم. لقد أحببتُ كثيرين منهم حُباً جما، واعتراني نفورٌ شديد من كثيرين غيرهم، ولكنني وجدتهم جميعا، "ألغازاً بشرية"، لا أستطيع أن أفهم كيف اجتمعت في الواحد منهم هذه الصفات المتعارضة، بل إني لاحظت أنني حتى مع الأشخاص الذين ظللت مدة طويلة أعتبرهم واضحين تماماً لي، ومُتسقين تماماً مع أنفسهم، أُفاجأ بعد هذا بتصرفات منهم غير مفهومة، فيتحولون في نظري فجأة إلى ألغاز.

    في هذا الكتاب، حاولت أن أجمع أمثلة قليلة من كثير مما صادفته في حياتي من "ألغاز بشرية"، وتفسيري لبعضها، إذ رأيت أنه قد يكون من المفيد أن يطلع القارئ عليها ليضمها إلى ما لا بد أن صادفه بدوره في حياته من ألغاز، قد يتعرّف في ألغازي على أشباه لألغازه، ولكني واثقٌ من أنه لن يعثر قط على لغزين متطابقين تماما التطابق.

    انهيار عصبي: كان أخي عبد الحميد، من بيننا نحن الإخوة الثمانية، أكثرنا شبهاً بأبي، في الشكل والذكاء والحسّ الأخلاقيّ. وعندما أذكر ذكاء عبد الحميد أقصد على الأخص ميله إلى الربط بين أشياء لا تبدو هناك لأول وهلة رابط بينهما، وبحثه الدائم عن نظرية عامة تربط وتُفسر. كان كثيراً ما يذهب إلى أبعد من اللازم في محاولاته للتنظير والتفسير، وقد تبدو بعض نظرياته مُفرطة في الخيال، لكنها كانت دائماً جذابة وشاحذة للفكر.

    أما حسه الأخلاقيّ، فحدث عنه ولا حرج؛ إذ ما أكثر الأمثلة الدالة على ذلك في أبسط الأمور وأهمها. كانت لديه حساسية طبيعية ضد الكذب، ومن ثم لم يعد يُخامر أحداً منا أي شك في أن ما يقوله عبد الحميد هو الحقيقة دائماً.

    كان عبد الحميد يتوقع من الناس أن يعاملوه معاملة مماثلة، ومن ثم كان يستاء بشدة إذا بدر من أحد إخوته أي تصرف ينطوي على استغلال أو سوء نية. ولكنه كان أيضا كثيرا ما يبدو عاجزاً عن الدفاع عن حقوقه. كان يبدو دائماً، ولا يزال يبدو لي كلما عدت التفكير فيه، أضعف إرادة وأقل تصميماً على تحقيق رغباته من بعض الإخوة الآخرين، بقدر ما كان هؤلاء أضعف من عبد الحميد في حسهم الأخلاقي. وأعترف للقارئ بأني كثيراً ما أتساءل عمّا إذا كانت ثمة علاقة بين الصفتين: ضعف الإرادة وقوة الحس الأخلاقيّ. نعم، لقد صادفت في حياتي أشخاصاً، أو قرأتُ عن أشخاص يجمعون بين الصفتين الطيبتين: قوة الإرادة وقوة الحسّ الخلقي، ولكنهم كانوا فيما يبدو لي قلة نادرة، والأكثر شيوعاً هو أن تأتي إحدى هاتين الصفتين الطيبتين على حساب الأخرى.

    أظن أن قوة حسه الأخلاقي هي التي جعلته أقربُ إلى قلب أبي من معظم الإخوة. كان يبدر منه، سواءٌ في حياة أبي أو بعد وفاته، ما يدل على أنه كان يفهم ما يدور بذهن أبي أكثر مما يفهمه بقية الإخوة، وكثيراً ما كنت أراه جالساً مع أبي وحده، وهما يتبادلان حديثاً جاداً مما كان يندر أن أراه من أحدٍ منا غيره. ولكن لا بد أن ذكاءه كان أيضاً مما قربه من أبي. إذ لا أعرف في أخٍ أو أخت، ما كان لدى عبد الحميد من استعداد لرؤية العلاقات غير الظاهرة بين الأشياء، مما كان يتوافر قطعاً في أبي بدرجة عالية.

    رجل يتحدى العالم كله: كان أخي حسين دائماً أقرب إخوتي إليّ، ليس في السن فقط، بل في نوع الاهتمامات أيضاً. وعلى الأخص الشغف بالكتابة والاهتمام بالثقافة بوجه عام. ومع ذلك ومع أني قضيت معه من الوقت في تبادل الحديث والخطابات أكثر بكثير مما فعلت مع أي أخٍ آخر أو أخت، فإني لا زلت حتى الآن أستطيع أن أُجزم بأني لم أفهمه حق الفهم، ولا زلت لا أعرف سره الحقيقي. كان حسين لغزاً كبيراً من ألغاز العائلة؛ تتعاقب عليه فترات من السعادة الفائقة والشقاء الشديد، مما لا أظن أن أحداً من الإخوة الباقين كان يمر به.

    من بين الصور الفوتوغرافية الأثيرة لدي (وقد استخدمتها كصور الغلاف لكتابي "ماذا علمتني الحياة"؟)، صورة تعود لبداية الأربعينيات، إذ يبدو عليّ أني كنت بين الخامسة والسادسة وحسين بين السابعة والثامنة، كنا في نزهة في حدائق القناطر الخيرية. كانت الجدية التامة ترتسم على وجوهنا، باستثناء فاطمة التي كانت تبتسم للمصور، أما نظرة حسين، فهي بالضبط ما أريد وصفه الآن: تقطيبٌ شديد بين الحاجبين، وحملقة حادة، وكأنه يحاول أن يُخيف الواقف أمامه. لقد عرفت مع مرور الوقت كم كانت تُسيطر على حسين دائماً فكرة تفرّده واختلافه عن بقية الناس. ولا شك عندي الآن أن هذه الفكرة كان لها علاقة بهذه النظرة الغريبة التي يظهر بها في الصورة.

    ما الذي يمكن أن يجعل فكرة غريبة كهذه (فكرة التفرّد والتميّز إلى هذا الحد) تُسيطر على ذهن صبي في السابعة أو الثامنة؟ بل إني أُرجح الآن أنها قد بدأت معه في وقتٍ مبكر عن هذا، كما أعرف أنها استمرت معه معظم عمره، وإن كانت قد اتخذت أشكالاً مختلفة في الأعمار المختلفة، وتقلبت أيضاً قوة وضعفاً.

    كتب حسين بعد وفاة أبي كتاباً جميلاً اسمه "في بيت أحمد أمين". وهو يذكر في الكتاب بضعة أحداث تؤكد سيطرة هذه الفكرة، التي ذكرتها الآن، على ذهنه منذ وقتٍ مبكر، وإن كانت لا تُفيد في تفسيرها.

    يقول وهو يصف نفسه عندما كان تلميذاً في المدرسة الابتدائية: "كان خليقاً بي، وقد أثبتُ تفوقي في الدروس، وأرضيتُ غريزة السيطرة في بدايتها، أن أترك لغيري من الصبية فرصة أن يبرزوا في غيرها من الميادين، فيكون ثمة توازن يُخفف من حنقهم عليّ. ولكن عبثاً! ففي قاعة الموسيقى أنا المغني وهم بعدي يرددون، وفي جماعة التمثيل أنا الممثل الأول وهم التالون، وأنا في الملعب قائد أحد الجيشين فرعون الذي به يأتمرون، كل هذا دون أن تكون لديّ موهبة خاصة لا في الغناء ولا في التمثيل ولا في الحرب والضرب...".

    إذا سيطرت فكرة كهذه على ذهن طفل صغير، فما الذي يمكن أن يصنعه لكي يثبت لنفسه وللآخرين صحتها؟ من الممكن أن يصبح صبياً مشاكساً، ثم شاباً متمرداً على الدوام، وقد كان حسين كذلك لدرجة ما. كان من الممكن أيضاً أن يشتغل بالسياسة ليصبح زعيماً خطيراً، ولكنه لم يفعل، أو أن يشتغل بفن من الفنون فيحقق شهرة فائقة، ولكنه لم يفعل ذلك أيضاً. الذي حدث هو أنه اتخذ قراراً بالعمل الدؤوب على تثقيف نفسه، على أمل أن يصبح ليس فقط أكثر ثقافة من أي شخص في مصر (وربما أيضاً في خارجها)، ولكن أيضاً أديباً أو كاتباً مشهوراً تزيد شهرته على شهرة أي أديب أو كاتب آخر.

    هكذا أصبح حسين بالفعل من أكبر مثقفي مصر، كما حقق درجة كبيرة من الشهرة، ووصف بأنه كاتب فحل، جريء، وذو أفكار هامة وثاقبة وثورية. وصاحب أسلوب بالغ الجمال.

    مثقف لوجه الله: كان زميلاً لأخي حسين في كلية الحقوق، تعرّفتُ عليه من خلال أخي حسين فأصبحنا صديقين. بعد أن توثقت معرفتي به توصلتُ إلى قرار لا شك فيه هو أنه "المثقف بامتياز". إني أجدُ صعوبة في تعريف المثقف، ولكني كلما فكرتُ في هذا الصديق أتساءل: هل أعرف أحداً ينطبق عليه وصف المثقف أكثرَ مما ينطبق على صديقي هذا؟

    كان واسع المعرفة بلا شك، وفي مختلف فروع الثقافة، من التاريخ إلى الأدب، إلى السياسة والاقتصاد الخ، بل ويفاجئني أحياناً بمناسبة الكلام عن مرض ألم بي أو به، بأن يصدر منه كلامٌ علميّ مستخدماً بعض المصطلحات الطبية التي أجدُ صعوبةً في تذكرها. ولكن ليس لهذا السبب أصفهُ بأنه "المثقف بامتياز"، ولا لأنه قارئ نهم، يقضي الساعات في بيته، وحتى على سريره بمجرد الاستيقاظ، يقرأ في كتاب أو مجلة أو صحيفة، وفي المكتبات مكتشفاً لأحدث الكتب أو باحثاً عن كتاب. الأهم في رأيي من هذا وذاك أن عقله دائم النشاط بحثاً عن الموقف الأمثل في قضية فكرية أو أخرى، وما أسرع ما يحول أي موضوع يُذكر أمامه إلى قضية فكرية، بنفس السرعة التي يحوّل بها معظم الناس أي قضية فكرية إلى موضوع عادي.

    اكتشفت أيضاً أنه لا يقرأ ليكتب، كما يفعل كثير من المثقفين، بل يقرأ ليعرف، وهذا شيء أندر بكثير مما نظن؛ فالمعرفة في نظره هدف في حد ذاته وليست وسيلة لشيء آخر.

    راعني أن أعرف أن هذا الصديق لم تطأ قدمه قط أي بلد خارج مصر، وهو الذي يكاد يعرف الشوارع الرئيسة في لندن وباريس دون أن يراهما، من كثرة ما قرأ من روايات تدور أحداثها هناك. كان من الواضح لي أنه ليس من السهل عليه توفير المبلغ اللازم للسفر. لذ عرضت عليه قرضاً بالجنيه الإسترليني يُمكّنهُ من السفر إلى إنجلترا أثناء وجودي هناك، فقَبِلَ مسروراً، وسرّني أن أُشاهد ذهوله وعدم تصديقه وهو يرى كليات جمعة كامبردج ومعمارها البديع. وأذكر أني استعجلته مرة وهو يتأمل كنيسة كلية الملك التي بناها "هنري الثامن"، مبهوراً بجمالها، محاولاً لفت نظره إلى أنه لا يزال أمامنا الكثير مما تجب رؤيته، فأجابني بإجابة ظلت عالقة بذهني حتى الآن لأن بها قدراً من الحقيقة: "ليه أنت دائماً بتلهث بالشكل ده؟" كانت زيارته الأولى هذه لإنجلترا بداية لرحلات لا تنتهي إلى بلدٍ بعد آخر.

    كل هذا وهو لا يكاد يكتب شيئا. قد تطرأ عليه رغبة في الكتابة عن حقبة معينة من تاريخ الأدب الروسي، أو عن تطور موقف المثقفين المصريين من الحضارة الغربية منذ الطهطاوي، وقد يكتبُ بالفعل مقالاً طويلاً عن هذا وذاك، ولكنه لم يفعل مثل هذا كثيراً، إذ إن مستوى الدقة والاستقصاء الذي كان يعتبره ضرورياً لكي يصبح المقال ذا قيمة، كان عالياً لدرجة تتطلب منه درجة كبيرة من التأني والبطء في الكتابة، فإذا به قبل أن يفرغ من المقال قد جذبته مشكلة أخرى تستحق التفرغ لها فينسى المقال الذي بدأه.

    زوجة دائماً الشباب: سألني مرة أستاذي الإنجليزي "ليونيل روبنز"، الذي كان يُشرف على دراستي للماجستير، عما أنوي عمله بعد عودتي إلى مصر، فقلت له إن الحكومة المصرية أرسلتني في بعثة لكي أعود بعدها للتدريس في الجامعة، فقال لي ما معناه إن التدريس مهنة عظيمة، ثم وصفها بأنها تشبه الزواج من امرأة دائمة الشباب.

    ظللت أذكر هذا التشبيه مع مرور الزمن عليّ وأنا أشتغل بالتدريس، ووجدت أني فعلاً بينما تتقدم بي السن يظل تلاميذي في الثامنة عشرة من العمر أو أكثر قليلاً. وكان يزداد شعوري بفارق السن كلما كانت بين تلاميذي فتاة جميلة. لا بد أن أعترف بأن وجود تلميذات جميلات كان من بواعث سروري بهذه المهنة حتى حدث الحادث التالي:

    كنت قد جاوزت السبعين من العمر، إذ جاءتني طالبة جميلة لتقول إنها تريد محادثتي بعد انتهاء المحاضرة. كان شيئاً ساراً بالطبع أن تطلب فتاة مثلها أن تتحدث إليّ، ولكني فوجئت باكتشافي السبب الحقيقي الذي دفعها للحديث إليّ؛ إذ جاءت إليّ بعد المحاضرة لتقول إن أخت جدتها ترسل لي السلام! سألتها بشيء من خيبة الأمل عمن تكون أخت جدتها، فقالت إنها كانت تلميذة لي. ألهذا الحد إذن تقدمت بي السن؟ فما الجدوى إذن من أن تظل تلميذاتي في شبابٍ دائم؟

    ولكن التقدم في السن لم يكن هو السبب في اتخاذي فجأة لقرار التوقف عن التدريس. كما أن صحتي كانت تسمح لي بذلك. لقد شعرت مع ذلك، في الشهر أو الشهرين السابقين مباشرة لتوقفي عن التدريس، بأني لا بد أن أتوقف.

    كذلك فإني كنت إذا ذهبت إلى الجامعة لأي سببٍ آخر غير التدريس، وقابلت بعض المدرسين الشبان (الذين كان بعضهم في وقتٍ ما تلاميذ لي) وهم يستعدون لدخول أحد الفصول، وسألت أحدهم، بغرض استرجاع بعض ذكريات الماضي، عن موضوع المحاضرة التي سوف يشرع في إلقائها، وقال لي مثلاً إنه "مرونة الطلب" أو "التوازن في سوق المنافسة الحرة" اعتراني شعور بالاستغراب الشديد من أن يكون مثل هذا لا يزال يحدث؛ أي أن يكون من الممكن أن يأتي عدد من الطلاب من مختلف أنحاء القاهرة، وقد يستيقظون مبكراً لهذا الغرض، فيجلسون في الفصل ليستمعوا لمحاضرة في مثل هذه الموضوعات.

    كيف بدأت هذه التساؤلات تمر بذهني فجأة بعد ما يقرب من أربعين عاماً من التدريس، لم يخطر خلالها مثل هذه التساؤلات على ذهني قط؟

    حاولت أن أجد بعض المساعدة، للوصول إلى تفسير، في استعادة ذكرياتي عن أساتذتي القدامى، والمحاضرات التي استمعت إليها في فترات سابقة من حياتي في مصر أو خارجها. كان هناك عدد قليل من الأساتذة الذين لا زلت أتذكرهم مع شعور بالحب والتقدير، وعدد قليل جداً من المحاضرات العامة التي تركت أثراً باقياً في نفسي. حاولت أن أتذكر شيئاً مشتركاً في هؤلاء الأساتذة المفضلين، فلم أستطع أن أستخلص إلا شيئاً واحداً: قدرة المحاضر على المزج بين العام والخاص مزجاً فعّالاً. إني أقصد بـــ "المزج العام والخاص" تقديم الفكرة العامة مقترنة بحادثة شخصية تقوي الفكرة وتعطيها مغزى إنسانياً.

    سألت نفسي عما إذا كان هذا التفسير يصلح تفسيراً لما كنت أستمده من سرور من إعداد وإلقاء محاضراتي، فتبيّن لي أنه بدون المزج بين العام والخاص ما كنت لأحصل على مثل هذا السرور، وما ظللت أقوم بالتدريس طيلة كل هذه السنوات دون أن يعتريني الملل.

    لنفترض أن هذا هو السبب أو (أحد الأسباب) في أن بعض المحاضرات تترك أثراً في النفس أكثر من غيرها، فكيف أُفسر بهذا عزوفي المفاجئ عن الاستمرار في إلقاء المحاضرات واتخاذ قراري بتوقفي عن التدريس؟

    ربما كان السبب أنني مع تقدمي في السن تبين لي أمران: الأول أن حاجتي للربط بين العام والخاص قد زادت عما كانت عليه من قبل، بحيث أصبح من الصعب عليّ، أن أتكلم طويلاً في شرح نظريات أو قواعد عامة أو أفكار مجردة دون أن أُقحم تجارب خاصة بي أو مشاعر شخصية فيما أقول. والأمر الثاني: أنه أيّاً كان المقرر الذي أقوم بتدريسه، فإن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها لهذا المزج بين العام والخاص، وإلا أصبحت المحاضرة أقرب إلى الهزل منها إلى الجد. ربما كان هذا هو السبب في ذلك القرار الذي اتخذته بتفضيل السكوت على الكلام.

    المشروب الحلال: في سنة 1947، قرر أبي أن يبيع البيت الذي كنا نسكنه في مصر الجديدة، وأن ننتقل إلى السكن في الدقي حيث كان أبي قد اشترى فيلا أنيقة بالقرب من حديقة الأورمان والجامعة.

    احتجت إلى مدة طويلة لكي أكتشف أن ذلك الوقت الذي انتقلنا فيه من مصر الجديدة إلى الدقي، كان في الحقيقة بداية دخول مصر ما يمكن أن يسمى "العصر الأمريكي"، والذي ما زلنا نعيش فيه حتى الآن.

    لم يكن من الممكن أن نفطن في ذلك الوقت إلى أن الذي بدأ يتسلل إلينا من أمريكا، إذا دخل الجسم يصعب التخلص منه، وإذا تمكن من الجسم انتشر إلى باقي الأجزاء. كان الشيء نفسه يحدث في العالم كله. لم يكن الأمر قاصراً على مجرد دخول سلعة جديدة جذابة بعد أخرى، بل كانت هذه السلع الجديدة تحمل في طياتها نمطاً جديداً من الحياة.

    ظهر محلان جديدان في شارع فؤاد يحملان اسماً واحداً "الأمريكين" وقد تميزا، عدا الزي الذي يرتديه العاملون فيهما، بالمأكولات السريعة وبأصناف مبهرة من الحلوى والآيس كريم، كانت جديدة تماماً علينا، تجذبنا صورها الملونة المعلقة على الحوائط من قبل أن نذوقها، كان لبعض هذه المأكولات أسماء غير مألوفة لنا كأسماء بعض الممثلات الأمريكيات أو اسم "الخنازير الثلاثة الصغيرة"، يطلق على ثلاث من الكرات الصغيرة من الآيس كريم، تعلوها كمية من الكريمة التي تتدفق من ماكينة بديعة، ثم بعض المربى والمكسرات.

    في الوقت نفسه تقريباً ظهر ت إعلانات عن شيء جديد لم نرَ مثله من قبل. مشروب ذي لون داكن، يباع في زجاجات لها شكل غير مألوف. المظهر الجديد وحلاوة الطعم مع سهولة التعود عليه إلى درجة تقرب الإدمان مصحوباً بدعاية مستمرة، ضمن كل ذلك للمشروب الجديد انتشاراً واسعاً لم يهدده إلا ظهور منافس له يحمل نفس الصفات مع تغيير فقط في شكل الزجاجة وزيادة كمية السكر في المشروب. سرعان ما انتشر المشروبان الأمريكيان "الكوكاكولا" و"البيبسي كولا".

    لم يعجب شركة "الكوكاكولا" أن يظهر منافس، ولكن سرعان ما ظهرت فتوى، نشرتها إحدى الصحف، مضمونها أن مشروب "البيبسي كولا" تدخل في صنعه مادة مستخرجة من لحم الخنزير، وحيث أن أكل لحم الخنزير حرام، فقد قيل أن شرب "البيبسي كولا" حرام. كان هذا كافياً ليصرف ملايين المصريين عن تناول المشروب تجنباً للشبهات والتحول للمشروب المنافس. كان الأمر خطيراً في نظر "البيبسي كولا" ولكن سرعان ما ظهرت فتوى صغيرة أخرى وظهرت حملة إعلانية جديدة لــــ "البيبسي كولا" تصف المشروب بأنه "المشروب الحلال"، واضطرت "الكوكاكولا" إلى أن تدشن حملات دعائية أخرى تصف نفسها بأنها "هي الأصل".

    في نفس الوقت فوجئنا بظاهرة جديدة في الصحافة المصرية كان لها بعض الشبه بظهور هذين المشروبين. كان المصريون، في ذلك الوقت يقرأون كل يوم صحيفة عريقة، هي صحيفة "الأهرام"، إذ لا يُصدق خبر إلا إذا نشرته "الأهرام"، كانت "الأهرام" صحيفة وقوراً تعتمد على المصادر الموثوق بها لما تنشره من أخبار، كما كانت أخبارها تتعلق بالسياسيين والأدباء والفنانين، ومن ثم كانت الصور المنشورة بها قليلة جداً، وعناوين ما تنشر من أخبار تُكتب بخط صغير لا تُستخدم فيه الألوان، وتُعبر عن مضمون الخبر دون تعمد الإثارة.

    اكتشف رجلان ذكيان أنه ليس من الضروري أن يستمر حال الصحافة على هذا النحو؛ فالإثارة مطلوبة دائماً، والصور والألوان مرغوبة أيضاً، كانا هذان الرجلان شقيقين توأمين قاما بإنشاء دار صحفية جديدة اسمها "أخبار اليوم"، وأقاما لها بناء جديداً متعدد الطوابق، أذكر كيف كانت الأعداد الأولى من "أخبار اليوم" تنشر الخبر الأساسي باللون الأحمر والخط العريض، وإلى جواره صورة كبيرة لفنانة شهيرة، مثل تحية كاريوكا، وتحتها عنوان عريض يتضمن خبراً مثيراً عنها، ثم يتضح من القراءة أن الخبر المثير ليس وصفاً لما حدث في الواقع بل لما حدث في فيلم جديد لها.

    لم يكن من قبيل الصدفة بالطبع أن هذين الأخوين كانا قد عادا لتوهما من الولايات المتحدة، حيث شاهدا ما لاتساع السوق من مزايا، وما يجلبه من أرباح، ومن ثم ضرورة الاعتماد على مخاطبة أكثر الميول والنوازع الإنسانية انتشاراً دون أن يكون بالضرورة أرفعها شأناً. كما اكتشفنا أن هذه الميول والنوازع الأكثر انتشاراً، تخضع للمؤثرات العابرة التي قد لا تستمر طويلاً، ولكنها كافية لتحقيق الأثر المطلوب، وهو بيع أعداد كبيرة من الجريدة.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:356
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:159
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك