• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 04-12-2017
  • المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
  • الناشر: الوفاء
  • عدد الصفحات:425
  • عدد الاستماع للحلقة: 75
  • هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: نزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحيّ من ربه فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبيّن له خطة الرد على قريش: فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. وكان ..
    31
    يوليو
  • 99: ذكريات - الجزء الثاني
  • كتب في: 31-07-2017
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: المنارة
  • عدد الصفحات:319
  • هذه صفحة جديدة من كتاب الذكريات، لا أنقل لكم كل ما فيها، بل أنقل عناوينها ورؤوس فقراتها– أي أنني أُجْمل ولا أُفصّل – هي صفحة احترافي الصحافة. أما من حيث قُرب هذه المهنة من نفسي، فهي أحبُ إليّ من كل مهنة مارستها، ولو خُيّرت الآن لاخترتها دون سواها، بشرط أن أكون أنا وحدي المشرف على المجلة، وأن أكون حراً لا رأي فوق رأيي، ولا مكره لي على نشر ما لا أُريده، أو طي ما أُريده، وأن يكون معي ما أتاه الله من المعرفة والإدراك ما يُعينني به على عملي فيها، وأن يكون موافقاً لي لا مخالفاً، لا أريد أن يرى الخطأ مني ويسكت عنه مجاملة لي، بل أن ينبه إليه بالأسلوب المناسب في الوقت المناسب، وأن يمنّ عليّ بالمُصحح الحاذق فإن مصيبة المطبوعات بمصححيّ المطبعة، ولو أن الخطأ كان تصحيفاً أو تحريفاً لهان الأ

    هذه صفحة جديدة من كتاب الذكريات، لا أنقل لكم كل ما فيها، بل أنقل عناوينها ورؤوس فقراتها– أي أنني أُجْمل ولا أُفصّل – هي صفحة احترافي الصحافة.

    أما من حيث قُرب هذه المهنة من نفسي، فهي أحبُ إليّ من كل مهنة مارستها، ولو خُيّرت الآن لاخترتها دون سواها، بشرط أن أكون أنا وحدي المشرف على المجلة، وأن أكون حراً لا رأي فوق رأيي، ولا مكره لي على نشر ما لا أُريده، أو طي ما أُريده، وأن يكون معي ما أتاه الله من المعرفة والإدراك ما يُعينني به على عملي فيها، وأن يكون موافقاً لي لا مخالفاً، لا أريد أن يرى الخطأ مني ويسكت عنه مجاملة لي، بل أن ينبه إليه بالأسلوب المناسب في الوقت المناسب، وأن يمنّ عليّ بالمُصحح الحاذق فإن مصيبة المطبوعات بمصححيّ المطبعة، ولو أن الخطأ كان تصحيفاً أو تحريفاً لهان الأمر، ولكن البليّة حين يُبدل كلمة في الأصل لم يفهمها بكلمة من عنده أو يزيد على النص كلمة ليست فيه، أو يُنقص منه كلمة هي فيه، ولو قعدتُ أُحصي ما قاسيت من المصححين لجاء معي رسالة كبيرة أو كتابٍ صغير.

    أول اتصالي بالصحافة كان سنة 1926 لما نشرت مقالة في المقتبس، ثم ذهبت إلى مصر بدعوة من خالي محب الدين الخطيب، فشاركت في تحرير مجلتيه: الفتح والزهراء.

    أما الفتح، فهي أول جريدة إسلامية، وكانت أسبوعية، ولكنها عالية الصوت، مسموعة الكلمة، معروفة في الأوساط الإسلامية في بلاد الإسلام جميعاً، وكانت تُعنى بأمور المسلمين كلها على السواء، وكانت تجري فيها أقوى الأقلام الإسلامية كقلم شكيب أرسلان، والرافعي، ومحب الدين.

    وأما الزهراء مجلة الأدب الإسلامي فكانت لما جئت مصر في دور النزع، صدر منها أربع مجلدات، فلما دخلت سنتها الخامسة نضب موردها، وقلّ مالها، وأفلست، وقد صدر منها بعد وصولي (عددان) فقط، كتبت أنا أكثر ما نُشر فيها، ولا أقول إن الذي كتبته كان من الأدب الجيد، ولكن أقول إنه كان فوق محاولات المبتدئين، ودون كتابة المطبوعين المجودين.

    كان هذا في مصر سنة 1928، فلما عدتُ إلى الشام، أخذني أخي أنور العطار إلى الأستاذ معروف الأرناؤوط، فربحتُ الكثير من أدبه، ولكني لم أصل إلى كثير ولا قليل من ماله.

    فمن جالس معروفاً فقد عرف الكاتب والأديب، ومن قرأ لمعروف ولم يجالسه لم يعرف إلا جانباً من هذا الأديب الكاتب، ومن لم يقرأ له، ولم يجالسه، فقد فاته حظ من الأدب العربي الحديث.

    كان قليل البضاعة في الأدب العربي، ولكنه كان مطلعاً على الأدب التركي، وكان آية في معرفة الأدب الفرنسي لا سيما شعر الحب والعاطفة، وكنت تسمع منه تلخيص قصيدة لموسه أو قطعة لشاتوبريان فتظنه أشعر من شاتوبريان ومن موسه، ولقد سمعت من قصة (جوسلان) لـــ لامارتين، ثم قرأتها فوجدتُ تلخيص معروف أحلى من شعر لامارتين!

    كان في دمشق يومئذ أي سنة 1930 أربع جرائد (المقتبس، وألف باء، والشعب، وفتى العرب) وجرائد أخرى ليست في منزلة هذه الجرائد ولا هي مطردة الصدور مثلها.

    كانت إدارة (فتى العرب) في العمارة الصغيرة التي كانت بين قصر الحكومة والبلدية وسينما غازي. وكانت تشتمل على دكانين فوقهما بهو واسع، وكانت هيئة التحرير، (وهي مؤلفة من الأستاذ معروف ومني...) في دكان، والإدارة والتوزيع في دكان يُشرف عليهما موظف واحد، وكان فوقه المطبعة وعُمّالها.

    وكان عُمّالها من الصفوة المختارة، لأن خط معروف كان أعجب خط رأيته، وكان الناظر إليه أول مرة لا يدري هل الذي يراه خرابيش ولد مبتدئ، أم نوع من الخط المسماري القديم. لذلك لم يكن يقدر على قراءته إلا من تعوّد عليه من مهرة العمال.

    كانت الجريدة في أربع صفحات، وكانت العادة أن يكون في الصفحة الأولى ثلاث مقالات، وقد ابتكر يوسف العيسى صاحب (ألف باء) زاوية سماها (مباءة نحل) لأنها تقرص قرص النحل، قلدها كثيرون، وكنتُ أنا ممن قلدها في (فتى العرب) فكتبت زاوية (مذكرات خنفشاري)، ولم يفلح أحدٌ في تقليدها لا أنا ولا غيري.

    لبثت مع معروف خمسة أشهر، استفدت فيها من أدبه، وإن (نسي...) أن يدفع لي حقي في ماله، على عملي عنده، واستحييت أن أُطالبه، ولقيت عنده كثيراً من الصحفيين والأدباء، ولكن لم أُخالطهم، ولم أندمج فيهم، وكان اجتماعي بهم في الجريدة في ساعات العمل، وكانوا يوقرونني على صغر سني. جاء شوقي (أمير الشعراء) دمشق مرة، فأغراني أنور العطار رحمه الله بأن أذهب معه لزيارته، فوجدنا بشارة الخوري، وشبلي الملاط، وشفيق جبري، وحليم دموس، ومجموعة من الشعراء من هذه الطبقة، وأمامهم مائدة عليها أواني الخمر، وكنتُ أحمِلُ عصا فمددتها ومشيّتُها على وجه المائدة فحذفت كل ما كان عليها، فكسرته! وتستطيعون أن تتخيلون ماذا صار!

    اختلطت بهم كاختلاط الزيت بالماء لا كاختلاط الماء بالخل.

    صدور رسائل الإصلاح: عندما ترون في كتب التراجم أن فلاناً من العلماء له مئة مصنف ومئتان وأكثر، تذكروا أنهم كانوا يعدّون الرسالة الصغيرة التي تكون في ورقات مع الكتاب الذي يبلغ ألفاً أو آلافاً من الصفحات، يجمعون ذلك كله في رقم واحد فإن أنا قست ما صدر لي بهذا المقياس جاوزت مصنفاتي (جاوزت كثيراً) المئة. الكتب منها (التي تُسمى كُتباً لا رسائل) أكثر من ثلاثين.

    أول هذه المصنفات "رسائل الإصلاح". من يقرؤها الآن لا يستطيع أن يُدرك الأثر الذي كان لها يوم صدورها. إنها كانت حجراً، أو قُلّ (حصاة) أُلقيت في بركة ساكنة.

    كان مجتمعنا يوم صدورها (سنة 1348هـ) مضطرباً هائجاً، في جانبه النضالي والسياسي، ولكنه كان هادئاً في جانبه الفكري.

    كان فيه مشايخ عاكفون على كتبهم، في حلقاتهم، يكررون (غالباً) قراءة الكتب التي قرؤوها على مشايخهم فجاؤوا يعيدون إقراءها تلامذتهم، فما كانوا يزيدون عليها، أو يزنون ما جدّ في عصرهم بميزانها، ولقد جدّت أفكار ومذاهب، وجدّت معاملات مالية، وأوضاع اجتماعية، لو كانت على أيام مؤلفي الكتب لبينوا حكم الله فيها، أيام كان العلماء يذكرون أن الإسلام لكل زمان ومكان، وأن هذه الكرات التي ركبها الله بين أكتافهم جعل فيها دماغاً هو أداة التفكير، لم يجعلها صندوقاً لشريط تسجيل، يدون فيه ما يسجل عليه. ما قصروا هم ولكن نحنُ المقصرون.

    و(أفندية) من المدرسين والطلاب، في مدارسهم أو في جامعاتهم، لا يعرضون للمشايخ ولا (يكاد) يعرض المشايخ لهم، ما حملوا على المدارس الرسمية ودعوا مقاطعتها، إلا عندما يئسوا من إصلاحها (من غير أن يحاولوا إصلاحها!) وذلك عندما قامت (نهضة المشايخ). كان المشايخ والأفندية كالخطين المتوازيين، فانعطف هذا قليلاً (أعني خط طلاب المدارس)، وذاك قليلاً (أعني تلاميذ المشايخ)، فتقاربا. وأنا أُقرر (للتاريخ لا للفخر) أن أول من ظهر في الشام من تلاميذ المدارس جامعاً مع دراسته القراءة على المشايخ هو عليّ الطنطاوي.

    كانت هذه الرسائل التي كتبتها، وكانت (حركة العقال) التي قمت بها، وسأتكلم عنها، مما شغل الناس في دمشق في تلك الأيام وملأ بذكري مجالسهم، ذكري بالخير تارة وبالشر تارات.

    كانت رسائل أربعاً، لم أجد عندي إلا الأولى منها، وهاكم صورة جلدتها مكتوباً عليها: إنها بقلم محمد علي الطنطاوي بكالوريوس في الآداب وفي الفلسفة. مطبعة الترقي في دمشق 1348هـ

    ومعنى هذا بالاصطلاح المصري أني محمد وأن أبي هو عليّ، أما نحن في الشام فنُضيف اسم محمد إلى اسم الرجل تبركاً وتشرفاً واسميّ هو (عليّ).

    قرأت هذه الرسالة فَرِحاً، لأني وجدت فيها صورة عن تفكيري ونسخة من أسلوب كتابتي قبل أربع وخمسين سنة.

    والذي سرّني أني وجدت الأفكار التي اشتملت عليها، هي نفسها أفكاري الآن، وما دعوت إليه يومئذ هو الذي أدعو إليه اليوم، ما بدله مرور أكثر من نصف قرن.

    وسأنقل فقرات من هذه الرسالة ليرى من هو في هذا السن من شباب اليوم كيف كان سنينهم من شباب الأمس.

    بدأت الرسالة ببيان أن لهذا الكون إلهاً، وأن الإنسان لا يعيش ويموت من غير إيمان...

    ثم تكلمت عن الإسلام وأنه لا يمكن أن يكون بين الثابت من أحكامه، وبين المحقق في العلم، تناف ولا تناقض لأن العقل منحة من الله، والدين وحيٌ من الله.

    ثم تكلمت عن بُعد أكثر المشايخ عن علوم العصر، وعن اختلافهم.

    ثم تكلمت عن خطبة الجمعة، ولماذا شرعها الله، وعن الخطباء الذين كانوا يقرؤون ما في دواوين الخطب، يلقونه (أسوأ إلقاء وأقبحه، فمن متغنٍ بخطبته، ومن متشدق بها، وكلهم يلزم السجع البارد المُستثقل، والمُحسنات البديعية المُستهجنة).

    إن الدين ليشكو إلى الله قوماً أضاعوه، والمنابر لتبكي من أُناس علوها وما هم من فرسانها. ثم كانت الهجمة على الأوقاف التي كانت الموكلة بالمساجد وخطبائها، ونقدت خطبة الجامع الأموي التي كانت تورّث كما تورّث الأموال، أي أن ابن الخطيب او الإمام، يرث إمامته وخطبته. وكان أعجب ما في القصة أني أردت أن أضرب المثل على دفع الرواتب لمن لا يعمل فقلت: كان لوالدي رحمه الله جزاء على جُزء من القرآن يقرؤه في جامع السنانية، ثم توفي فعُيّنت مكانه، ولقد مضى عليّ خمس أعوام ولم أقرأه مرة واحدة، والمعاش يأتيني (وأمثالي في هذا كثير)، والأوقاف لاهية لاعبة لم تسألني يوماً عن عملي، ولولا انتدبت جدةٌ لي نفسها لقراءته لأخذتُ المال حراماً، ولكنه حرامٌ على هذه الدائرة الـــ.... لا عليّ أنا وحديّ.

    وكان الجواب المُرتقب هو عزلي وقطعُ الراتب عني، كان هذا في الوقت الذي كُنتُ أحتاج فيه إلى الليرة الواحدة!

    أمي وأبي: يقول لي ناس: لماذا تُكثر الحديث عن نفسك؟ أتحدث عن نفسي لأني أديب، وهذا أسلوب من أساليب الأدباء، ومذهب من مذاهبهم، ولقد قلت في مقالة لي منشورة في الرسالة سنة 1937: "إني حين أتحدث عن نفسي أتحدث عن كل نفس، وحين أصفُ شعوري وعواطفي أصف عواطف كل من كان في مثل حالي وشعوره، كأستاذ التشريح لا يشق صدر كل حيوان من حيوانات المختبر، بل يشق الصدر والصدرين ليرى الطلاب مكان القلب، وحركته، ويشرح لهم عمله، لأن القلوب التي لم يروها، لا تختلف عن القلب الذي شق عنه فرأوه...

    وهذا من عجائب قدرة الله، ونظامه العجيب في خلقه، إذ جعل الناس مختلفين وهم متشابهون، ومتشابهين وهم مختلفون.

    بدأت حلقة اليوم من الذكريات بهذه الفقرة من مقالة لي نُشرت من أكثر من خمس وأربعين سنة، لئلا يقول قارئ من القُرّاء إني من حبي لنفسي أُشغل الناس بحديثها، وما لهم ولحديثها؟ حديثي عن نفسي حديثٌ عنكم ولكم وليس لي أنا وحدي.

    إني أكتبُ اليوم عن أمي، ولكن كل واحدٌ منكم سيقرأ فيه الحديث عن أمه هو.

    من كانت له أم أو كان له أب فقد فتح الله له باب الجنة، فمن الذي يمرّ بباب الجنة مفتوحاً فلا يدخلها؟ إني أكتب اليوم عن موت أمي، وقد كتبت من قبل عن موت أبي، وإن كنت أتمنى أن أخسر تسعة أعشار ما أملك من مال اقتنيه، وكتب ألفتها، (وشهرة) نلتها، ومناصب تقلّدتها، وأن تكون قد بقيت لي أمي، وبقي أبي.

    عاشت أمي سبع سنين بعد أبي، ما لها شاغل إلا أولادها، تطعمهم هي وتلبسهم، وتحثني على أن أُدارسهم دروسهم، وأُراجع معهم كتبهم. وقد زدتُ همها باشتغالي بالقضية، وإذا قيل القضية فالمراد قضية الاستقلال، ومحاربة الاحتلال، فكانت كلما ذهبتُ أخطبُ في اجتماع، أو سمعت أني قدت مظاهرة، أو دفعت الشباب إلى تحقيق إضراب، أو كتبتُ مقالة تهاجم الحاكمين، طار قلبها شعاعاً، خوفاً عليّ.

    وجاء اليوم الأسود، وكان يوم أربعاء أذكره تماماً، وكان في الثاني والعشرين من صفر 1350، عدتُ إلى الدار فوجدت أمي معصوبة القدم، وإذ هي تسر في أذني أن في رجلها جرحاً صغيراً من مقص سقط عليها، فهممت أن آتي بالطبيب فقالت: لا. لم ترد أن أتعبُ أنا بدعوة الطبيب ولم تحب أن تُزعج إخوتي بمعرفة الخبر، وهوّنت أمره فرأيتهُ هيناً. فلما اشتد الوجع إلى اليوم الثالث واشتد ولم تعد تستطع احتماله، خبرتني به، وحملتها إلى الطبيب، فشق الجلد لينظف الجرح، من غير أن يطهر المشرط، فوضع هو أسباب الداء من حيث كنا نرجو على يديه الشفاء.

    وأعدتها إلى الدار فإذا الألم يزداد، كان في القدم فارتفع إلى الساق، فدعوت صديقي صبري القباني وكان يعمل في مستشفى معهد الطب، فلما رأى ما بها قال: ماذا تنتظر؟ إلى المستشفى.

    وذهبنا وكان أستاذ الجراحة الدكتور نظمي القباني حاضراً، فأدخلها إلى غرفة العمليات، ووقفت أنتظر، كما يقف المتهم أمام محكمة الجنايات ليسمع الحكم له بالبراءة، أو عليه بالموت. وطال وقوفي، وثقلت الدقائق عليّ، إلى أن فُتح الباب وخرج الدكتور صبر، يقول: لا بد من بتر الساق، فاكتب هنا أنك موافق، فكتبت وأخذ الورقة ودخل، ولبثتُ مثل المشدوه، أفكر كيف تدخل بساقين وتخرجُ بساقٍ واحدة. وكبُر عليّ الأمر، ونسيت أن بعض الشر أهونُ من بعض.

    لقد تمنيت بتر الساق حين فُتح الباب، وظهر الدكتور صبري، ينطق وجهه، قبل أن ينطق لسانه، يُخبر أن أمي لن تخرج بساق ولا بساقين، لن تخرج إلا محمولة على الأعناق.

    لقد ماتت أميّ!

    ذكريات عن الجامعة والامتحانات: دخلتُ الجامعة ومالي مال أمد يدي إليه، ولا أبٌ ولا قريب أعتمد عليه، وكان عليّ فوق أداء (ثمن العلم) أن أعول نفسي وأهلي. فكنتُ طالباً في الجامعة ومعلماً في المدارس الأهلية، ومُدرساً حيناً في الكلية العلمية الوطنية، وأعمل محترفاً في الصحافة، أرتب المقالات، وأُصحح (البروفات)، واُرتب الأخبار وأُعلق عليها التعليقات، على حين كنت أخطبُ في الحفلات وفي المظاهرات، وأعمل مع لجنة الطلبة في إعداد الإضرابات، وأحضرُ مع -هذا– مجالس العلماء وأقعد في حلقات المشايخ، وأشارك في أعمال الجمعيات الإسلامية من غير أن أنتسب رسمياً إليها، وأخطب خطبة الجمعة، وأُلقي دروساً خصوصية.

    وكانوا يلزموننا بالدوام، أي بحضور عدد معين من دروس الأساتذة، فإن لم نستكمله لم يمكنونا من دخول الامتحان، وما ينبغي لطلاب الجامعة أن يُكرهوا على استماع دروسها، بل أن مرد ذلك إلى مقدرة المدرس، وتقدير الطالب. فمن كان من الأساتذة ذا علم يُشعر الطالب بالحاجة إليه، ويحس بالاستفادة منه، وكان ذا بيان يعرض به علمه: بحسن إلقائه، وجمال تعبيره، ولم يكن فظاً غليظ القلب، ولا مدعياً ولا مستكبراً، مثل هذا المُدرس يُقبل عليه الطلاب على درسه من غير أن تسوقهم عصا، أو يضطرهم إكراه، كما يقبلون على سماع الدروس النافعة في المسجد، والمحاضرات المفيدة في النادي، يتسابقون إليها، وما أجبرهم أحدٌ عليها.

    فلماذا لا تكون محاضرات الجامعة مفتوحاً بابها للطلاب جميعاً، من حضر فأهلاً وسهلاً، ومن غاب فلا لوم عليه ما دام النجاح بالامتحان.

    كانت المشكلة الكبرى لي، ولأكثر الطلاب معي، هي (الميمات) حتى تحدث بها الركبان، ونقل خبرها السلف من الطلاب إلى الخلف.

    وما الميمات؟ إن الأساتذة كانوا يقرؤون أسماء الطلاب في أول كل درس، ليعرفوا من حضره ممن غاب عنه، وكنت أنغمس فيما أُمارس من أعمال يكاد يضيق عنها وقتي، وأختلس من بينها ساعات، أروغ فيها إلى الكلية أُسرعُ الخُطا لآخذ (الميم) وأنسلُ هارباً، إلا أن كان الدرس لمثل أبي اليُسر عابدين، أو فارس الخوري، أو سعيد المحاسني، فلا أقدر على الهرب. ومن يقدر على الهرب من المائدة الحافلة وهو جوعان؟ أبقى على ذلك السنة إلا أقلها، وربما نسيت في غمرة أعمالي الكلية وما فيها، حتى إذا لم يبق بيني وبين الامتحان إلا شهرٌ واحد، تركتُ كل ما في يدي، واختفيتُ فلا يراني أحد ولا يُعرف مكاني، وعكفتُ على كتب الكلية ومذكراتها ومراجعها، لا أُفكرُ إلا فيها، ولا أُشغِلُ ذهني بغيرها. حتى إذا انقضى الشهر، وكمل إعداد سلاح المعركة، دخلت الامتحان، ولقد أديته في السنة الأولى فوفق الله وكنت (الأول).

     ولست أنصحُ الطلاب أن يعملوا مثلي، فهذا الشيء عملته مضطراً إليه، والطالب العاقل يُعدّ للامتحان من أول يوم، يمشي على مهل خطوة خطوة مثل سلحفاة لافونتين، فهذا أسلم من أن يُقلد (كما قلدتُ أنا) الأرنب، وكما أصنعُ دائماً، إن هذا من عيوبي، وعلى الكاتب أن يُجنب قُرّاءه عيوبه.

    في سَلَميّة: عطلت السلطة الصحيفة التي كنت أعمل فيها، واستمدُ قوتي وقوت عيالي منها، فَسُدّت أمامي المسالك وأُغلِقت الأبواب إلا باب الوظيفة الذي كنت أمر به من قبل فأُعرض عنه، ويفتحُ لي فآبى دخوله، ولكن:

    ذهبت إلى وزارة المعارف فتسلمت هذا الكتاب:

    حضرة السيد عليّ الطنطاوي المحترم: رأينا تعيينكم معلماً ملازماً في مدرسة سَلَميّة فنرغب إليكم أن تُباشروا وظيفتكم هذه والسلامُ عليكم.

    عمل جديد في بلد جديد. لا أعني بالعمل التعليم، فالتعليم عرفته وألفته، وأقول من باب التحدث بنعمة الله – أني نجحت فيه من أول ما مارسته، ولكني أعني حياة الموظف، فهل أقدرُ عليها؟ الموظف الصالح (عندهم) هو الذي يطيع كل أمر وهو صامت. يطلق يديه بالتنفيذ، ويمسك لسانه عن الاعتراض، يقيس الرجال بمراتبهم ورواتبهم، ويقيم تقديره لهم على أرجل كراسيهم، فهل أستطيع أن أرّوض نفسي على هذا السلوك لأكون الموظف الصالح؟ هل أمشي مُكباً على وجهي من شدة الانحناء، ليقولوا إني مثال الاعتدال؟

    إن أثمنَ ما اقتنيه في حياتي، حريتي وكرامتي، وأنا أبذل حياتي ليسلما لي، ولا أبذلهما لتسلم لي حياتي، فكيف أُقيّد حريتي بحبل الوظيفة، وأذل كرامتي بالخضوع للرؤساء؟

    لقد كانت أيامي في سَلَميّة قليلة، ولكنها جميلة، كانت كأنها حلم قصير تصحو وفي قلبك حلاوته.

    كانت المدرسة في ظاهر البلدة قائمة وحدها في خلاء الأرض، ووجدنا المعلمين واقفين لاستقبالنا، والتلاميذ يزيدون على الثلاثمئة مصطفين ليروا المعلم الجديد.

    دخلنا المدرسة، وعرض عليّ المعلمون ما أشاء من مواد لينزلوا لي عنها، فاخترت أقرب المواد إلى الأدب: الكتابة، والخطابة، والتاريخ، وكنت من حماستي ومما وجدت من ذكاء التلاميذ وحُسن استجابتهم ورغبتهم في الاستفادة والتحصيل، كنت أُريد أن أجعل منهم كُتّاباً وخُطباء، وجعلتُ من دروس التاريخ محاضرات وطنية، لا مجرد معرفة بأحداث الماضي وتحليل لها وبحث عن أسبابها واستفادة من نتائجها.

    لو كنت أعلم وأنا معلم في مدرسة (السَلَميّة) سنة 1932 أني سأُكلف الكتابة عنها سنة 1983، لقيّدت في دفتري أحداثها وسجلت مناظرها ولما تركتها تهرب، فماذا أصنعُ وقد هربت؟

    لم يبقَ لي من سَلَميّة إلا مشاهد معدود قد ارتبطت بحادثة أو بمكان او بنغمة. نعم إن من الذكريات ما يرتبط ببعض النغمات. كنت أسمع وأنا في الفندق أغنية لأم كلثوم لا أحفظ منها إلا كلمات (مين بحبه شاف هنا زيي أنا). لم يبقَ في ذهني إلا هذه الكلمات، ولم أُحب أن أبحث عنها وأعرف مطلعها لئلا أُفسد هذه الصورة الحلوة التي بقيت لها في ذاكرتي. أما النغمة فإن لي أذنٌ واعية، ما سمعت نغمة مرتين إلا حفظتها. قد لا أستطيع أن أؤديها ولكني أُميزها، لذلك قلت وأُصرّ الآن على ما قلت: إن لحن (بلادي بلادي منار الهدى) الذي يقول (فلان) إنه له هذا اللحن بذاته أحفظه من أكثر من نصف قرن، قلت هذا لكن ما أحب أحدٌ أن يُصدق ما قلت! وجاؤوا بشهود (عدول...!) فشهدوا أن اللحن الذي أحفظهُ من خمسين سنة هو لهذا الملحن الشاب... إلا أن الملحن الأول سرقه منه قبل أن يولد!

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:285
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:185
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك