• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 286
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    15
    اغسطس
  • 100: ذكريات الطنطاوي - الجزء الثالث
  • كتب في: 15-08-2017
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: دار المنارة
  • عدد الصفحات:320
  • ظهور مجلة الرسالة: كانت مصر في السنة التي أتكلم عنها (1933) كالأرض العالية ينزل الماء منها إلى ما دونها ولا يصعد مما تحتها إليها، فالمطبوعات في مصر (من كتب ومجلات) تُقرأ في الشام (أي في سوريا ولبنان وفلسطين) وفي العراق وفي جزيرة العرب، والمطبوعات في الشام تُقرأ في العراق والجزيرة، ولكن قلّما تُقرأ أو تُعرف في مصر، والمطبوعات في العراق لا تكاد (يومئذ) تصل إلى غيره، أما الجزيرة فلم تكن فيها مطبوعات تُذكر، أما المغرب فقد قطع المستعمرون صلتنا به فلا يصل إلينا شيء من مطبوعاته. ولقد أمضيت أنا أكثر سنيّ دراستي الابتدائية والمتوسطة وأنا عاكف على كتب الأدب القديم، ما عرفت من الجديد إلا المنفلوطي الذي نشأنا على (نظراته) أدمنت قراءتها حتى حفظتها، و(عبراته) وما تُرجم له فكتبه بقلمه من القصص الفرنسية.

    ظهور مجلة الرسالة: كانت مصر في السنة التي أتكلم عنها (1933) كالأرض العالية ينزل الماء منها إلى ما دونها ولا يصعد مما تحتها إليها، فالمطبوعات في مصر (من كتب ومجلات) تُقرأ في الشام (أي في سوريا ولبنان وفلسطين) وفي العراق وفي جزيرة العرب، والمطبوعات في الشام تُقرأ في العراق والجزيرة، ولكن قلّما تُقرأ أو تُعرف في مصر، والمطبوعات في العراق لا تكاد (يومئذ) تصل إلى غيره، أما الجزيرة فلم تكن فيها مطبوعات تُذكر، أما المغرب فقد قطع المستعمرون صلتنا به فلا يصل إلينا شيء من مطبوعاته.

    ولقد أمضيت أنا أكثر سنيّ دراستي الابتدائية والمتوسطة وأنا عاكف على كتب الأدب القديم، ما عرفت من الجديد إلا المنفلوطي الذي نشأنا على (نظراته) أدمنت قراءتها حتى حفظتها، و(عبراته) وما تُرجم له فكتبه بقلمه من القصص الفرنسية.

    ثم فُتح أمامي الباب على مصراعيه، فعرفتُ (الهلال) وأخواتها ومن بناتها ومن السياسة الأسبوعية، ومن غيرهما أكثر أدباء مصر، وقرأت كل كتب العقاد يومئذ (المطالعات وساعات بين الكتب والديوان وغيرها) وكنت وأنا طالب أُعجب بفكره وأستفيد من سعة اطلاعه، ولكن لا أطربُ كثيراً لأسلوبه. وقرأت كتب المازني (حصاد الهشيم وقبض الريح) ورواية (ابن الطبيعة) التي ترجمها عن الإنكليزية لا عن أصلها الروسي، وكادت تؤثر في ديني، وتُفسد فكري، لولا أن أنقذني الله من شرها. أحببت المازني، وكنتُ أطرب لأسلوبه وفكاهته وسخريته وتأثرتُ به حيناً، وحاولتُ تقليده، ولكن من أين لي خفة روحه؟ وإن كان يؤذيني منه تهاونه بأمر دينه، وكلامه عن شرب الخمر كأنه يتكلم عن شرب الشاي، وسواء لديّ أشربها أم كان على طريقة الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فالمهم عندي أثر ما يكتب الكاتب، في نفوس القُرّاء، وعليه أن يذكر أن الله سائله عنه.

    وقد كان الحدث الذي عرّف مصر بأدباء الأقطار العربية، وزادهم معرفة بأدبائها، هو إنشاء مجلة الرسالة، ولقد كتب كثيرون عن الرسالة، ولكن لم يُكتب بعد التاريخ المرجو لها.

    لم آت (الرسالة) مبتدئاً، بل لقد كنت لما جئتها كاتباً معروفاً في بلدي، نشرت مئات من المقالات في السياسة وفي الحماسة وفي النقد وفي القصص التاريخي وفي المناظرات وحتى في المسرح، ولستُ أُنكر فضلها عليّ: ولكن لا أُحب أن أبخس نفسي حقها.

    ما كنت أول من نشر في الرسالة من أدباء الشام الشباب، لقد كتب فيها قبلي من إخواننا سامي الدهان، وأنور العطار، وحلمي اللحام وأخي ناجي نشر فيها قبلي ترجمة شعرية لقصيدة للشاعر الفرنسي (اندره شينيه) عنوانها اللقاء العجيب.

    ولا تؤاخذوني إن ذكرت حقيقة فيها مدح لنفسي، فأنا أعلم أن أثقل كلام على أذن السامع ما فيه ثناء من المتكلم على نفسه، ولكني أُسجل حقائق مكتوبة منشورة.

    ذلك أن الزيات رحمه الله بأستاذيته وخبرته، كان يجعل لمن يكتب في الرسالة درجات، فمنهم من ينشر اسمه مجرداً بلا لقب، ومن يُلقبه بالأديب، ومن يقول عنه الأستاذ، وكل الذين نشروا قبلي في الرسالة كتب أسماءهم مجردة، إلا أنور العطار لقبه حيناً بشاعر الشباب السوري، ثم أعاده إلى الاسم المجرد، وأنا كتب عني (ولا مؤاخذة) من أول يوم (للأستاذ فلان)، وكان يضع مقالتي بعد الطبقة الأولى من الكُتاب الكبار مباشرة، وأول من أخذ من الرسالة مكافأة مالية على مقالاته بعد الرافعي والعقاد وطه حسين وأمثالهم هو كاتب هذه الذكريات.

    ذكريات عن رمضان: قالوا: ألا تكتب عن ذكريات رمضان؟ قلت: أي رمضان؟ أهو رمضان واحد حتى أكتب عن ذكرياته؟

    لقد كنا في دمشق، قبل الحرب العالمية الأولى، نُصلي العشاء وننام فتخلو الطرق إلا من أعقاب السابلة، أو من أهل الليل، وما أهل الليل إلا الفُسّاق والعُشّاق واللصوص.

    ننام بعد العشاء لنصحو قبل الفجر، ما كنا قد ألفنا السهر، وكنا ننام على الأرض، ما كنت السرر إلا عند الأغنياء.

    فأحسستُ يوماً وأنا نائم حركة عند فراشي، وكان عمري خمس سنين، سنة 1332. فنهضت فإذا خوان الطعام، فعجبت أشد العجب، وأحسستُ بمثل ما يحس به من يكشف شيئاً جديداً لم يكن معروفاً، ما لهم يستبدلون بالمنام الطعام؟ ما لهم يأكلون ليلاً وعهدي بالفطور أنه في النهار؟

    وطار نومي من شدة العجب، وسمعت المؤذن، لكن بم يكن يؤذن كما أسمعه كل يوم، بل كان يسرع. وكثرت عليّ العجائب تلك الليلة، فسمعت الباب يقرع! الباب يُقرع في هذه الساعة من الليل؟ وسمعت رجلاً يضرب بالقضيب على طبلة معه، وينادي: يا شيخ أحمد أفندي، يا شيخ مصطفى أفندي (وهما اسما جدي وأبي) قوموا لسحوركم... ولم يشأ أهلي أن يدعوني في حيرتي، ففسروا لي ما خفي عني، قالوا إن هذا هو "المسحر" يدعو الناس للقيام للسحور، لأنه قد جاء رمضان، وإن هذا الأذان العجيب بنغمته هو أذان السحور، فما دام صوت المؤذن مسموعاً فإن الأكل يجوز، فإن انتهى فهو "الإمساك" أما أذان الفجر للصلاة، فيؤذن به داخل المسجد.

    قالوا ولكني لم أفهم شيئاً، ما السحور؟ وما الصيام؟ وما رمضان؟ إن للأطفال يا أيها القُرّاء قاموساً خاصاً بهم. وأكثر – إن لم أقل كل – الذين يحدثون الأطفال في الإذاعة، وفي الرائي، أو يكتبون لهم في المجلات، أو يؤلفون لهم الكتب لا يدرون ما هو قاموس الأطفال، فيكلمونهم بما ليس في معجمهم.

    سمعت مرة في الرائي مذيعة تزعم أنها تحدث الأطفال، فَتُلقي عليهم كلاماً غريباً عنهم، بعيداً منهم، ثم تُرقق صوتها وتتلطف في كلامها وتقول: فهمتم يا أعزائي الأطفال. وأنا واثق أن أعزاءها الأطفال لم يفهموا شيئاً!

    قالوا جاء رمضان فلم نعد نستطيع الأكل بالنهار! أفتدرون ما الذي فهمته – سنة (1332) – وأنا طفل من هذا الكلام؟ فهمت أن رمضان هذا مخيف يمنع الناس من الأكل، فلا يأكلون إلا ليلاً لئلا يراهم.

    أذّن المغرب، فأبيح لنا ما كان محرماً علينا، كنا نرى الطعام الشهي أمامنا ونحن نشتهيه، والشراب البارد بين أيدينا ونحن نتمناه ونرغب فيه، فلا نمد إليه يداً، نكف النفس عنه، ومناها الوصول إليه، لا يمنعنا منه أحد، ولا يرانا لو أصبنا منه أحد، ولكنه خوف الله...

    كان أكثر أئمة المساجد في دمشق ينقرون التراويح نقراً، يتبارون فيها سرعة، يقرؤون الفاتحة بنفس واحد، ثم يتلون (الرحمن علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان) ويكبرون ويركعون، ومثل ذلك في الركعات كلها. إلا نفراً منهم كانوا يصلونها على مهل، ويناجون الله لا يعدون الركعات، ومنهم من كان يقرأ كل ليلة جزءاً من القرآن يرتله ترتيلاً. أما التراويح في الجامع الأموي فكانت ونحنُ صغار عجباً من العجب: أربعة أئمة من أتباع المذاهب الأربعة يصلون في وقت واحد، ووراء كل إمام مُبلّغ من أصحاب الحناجر القويّة والأصوات الندية، فتختلط أصواتهم، فيسمع المقتدي بتكبيرة الانتقال من غير إمامه فيسجد وإمامه لا يزال قائماً، حتى جاء مدير للأوقاف نسيت اسمه، ولكن الله لا ينسى له فعله، فوحّد الجماعات، وجعل الإمامة كل ليلة لإمام، وهذا الذي لا يرضى غيره الإسلام.

    ذكريات عن القوة والرياضة: هذه ذكريات عن القوة والرياضة، أعرضها منثورة لا يجمعها نظام أسوقها كما تخطر على بالي، لا أُراعي فيها التاريخ.

    والذي أثارها في نفسي صورة قديمة وجدته بين أوراقي لرفيقنا محمود البحرة الذي كان بطل سورية في (الجمناز) وكان من أبطال رياضة كمال الأجسام، وكثير من ألعاب القوى.

    كان رحمه الله رفيقي في المدرسة في (مكتب عنبر) وكنا صديقين إلا أننا إذا جاء الامتحان تصدع ما بيننا من ود، فقد كان يريد أن أعاونه في الامتحان وكنتُ طول عمري لا أُعين أحداً في الامتحان ولا أستعينُ بأحد.

    أتدرون من الذي أخرج هذا البطل؟

    الله طبعاً خالق كل شيء، ولكن أسأل عمّن كان السبب في ظهوره وظهور طائفة من الأبطال في عهد لم تكن للناس فيه عناية بالرياضة ولا مال مع أهلها للنهوض بها؟

    إنه الأستاذ (أحمد عزة الرفاعي). كنا في مكتب عنبر وهو الثانوية الرسمية الوحيدة في دمشق، وكان المدرسون فيها إما من المشايخ، وإما من الضباط الذين سُرّحوا من الجيش العثماني، وكان من هؤلاء الضباط، ضابط صغير اسمه (أحمد عزة الرفاعي)، وكان ناظراً ولم يكن مدرساً، أي أن عمله صف الطلاب وإدخالهم الفصول وإخراجهم منها، وكان معلم الرياضة.

    كانت مدرستنا في دار من الدور الشامية المترفة الأنيقة ذات الصحن والإيوان، تُغطي جدرانها النقوش والألوان. ففي أي مكان في هذه الدار نضعُ الملعب؟ فتشنا أرجاءها فوجدنا وراءها عرصة خربة مهملة، فأقبل الأستاذ، وأقبلنا جميعاً نعمل في تنظيفها وكنسها وتسويتها، ثم أقمنا فيها أجهزة التدريب: الثابت، والمتوازيين، والحصان الخشبي، واشترينا الأثقال المناسبة للتمرين.

    من هذا الملعب البدائي خرج محمود البحرة، وحسن الهاشمي بطل ألعاب الخفة والرشاقة، وسامي السمان بطل القفز العالي، وآخرون غيرهم لا تعرفونهم، وما أقول هذا لأعرفكم بهم، بل لأبيّن لكم أن الرجل الواحد إذا كان متحمساً يعمل مخلصاً يريد الخير للناس احتساباً للأجر لا للفخر، يستطيع أن يصنع الكثير على قلة المال وضعف الوسائل.

    ثم أنشأنا نادي قاسيون، يُقابل نادي بردى الذي كان قبله، فكَثُر رواده وكَبُر أثره، وأنشأ فرقاً لكرة القدم، وكرة اليد، وألعاب القوى.

    أما أنا فكنتُ أعشق الرياضة من صغري، وأهوى القوة، ولو عرضت عليّ وأنا شاب عزب صورة فتاة فاتنة، وصورة رياضي قويُّ العضلات متناسق الأعضاء مكتمل القوة، لكان منظره أشهى إليّ، وأحبُ إلى نفسي من منظرها. ولكني كنتُ من صغري بالغ الحرص على كرامتي، أضن بها أن أفتح لأحدٍ باب المساس بها، فكنت أخاف إن أديت الحركة المطلوبة أن أُسيء فيها فيسخروا مني، لهذا لم أكن أعملها، ولكنني كنتُ أُراقب وأُدقق، فإذا انتهت الساعة وخرج الطلاب، رجعتُ وحدي إلى الملعب، فجرّبت أداء الحركات كلها.

    وجمعت على مدى الأيام في رفين من مكتبتي كل ما وصل إليّ من كتب الرياضة فكنتُ أدرسها وأُجرّبها، وكان صديقنا الأستاذ واصل الحلواني من صغار تلاميذ صائب بك قد نشر فينا طريقة الرياضي الأميركي (ماك فادن)، وهي القيام بالحركة مع تركيز الذهن عليها، فكنت أُمارس كل حركة وحدي أمام المرآة مرة واثنتين وستاً وعشراً حتى أُحس أني أتقنتها أو قاربت.

    وبعد خروجي من المدرسة بأكثر من ربع قرن، كنتُ قاضياً في دمشق، أتغدى في المحكمة وأشرب الشاي وأستريح ثم أذهب بعد ساعتين إلى دار محمود بحرة، فنتدرب، أعمل كل حركة يعملها ولكنني لا أُتقنها مثل إتقانه. وكنتُ ذاهباً إليه يوماً فرأيت الأستاذ الرفاعي فسلمتُ عليه تسليم تلميذ على أستاذه، وسألني عن حالي فقلت له: أنا ذاهب إلى موعد، إذا تكرّمت يا سيدي فرافقتني إليه، رأيتَ شيئاً تعجبُ منه، وتُسَرُ به فذهب معي. فلما خلعتُ ثيابي، ولبستُ ثياب الرياضة، ورأى جسدي، وعندي مقاييسه من سنة 1940 إلى ما قبل خمس عشرة سنة، وهي المقاييس النموذجية عندهم إلا أن صدري أضيقُ بثلاثة معاشير، ثم لما رأى حركاتي دهش.

    فقلتُ له: يا سيدي أين الذين كنت تُقدمهم وتُثني عليهم، وتذمنا نحن وتُعرّضُ بِنا؟ إنهم اكتهلوا وترهلوا، وبقيتُ أنا كما ترى، وقد جاوزت من عمري الأربعين.

    ولحديث الرياضة وقصتي معها، بقايا وبقايا، ولولا أني تركت التمرين من نحو سبع سنيين لما شخت، فقد كنتُ أتدرب على الأثقال، وعلى كيس الملاكمة، وعلى السندو، وعلى الدولاب الذي لم تخترع أداة رياضة، أخف منه حِملاً ولا أعظم فائدة للبطن ولا أسهلُ استعمالاً.

    فيا أيها الشباب: عليكم بالرياضة، فهي قوة، والقوة زينةُ الرجال.

    في وداع عام فات ...  واستقبال عامٍ آت: رفعتُ رأسي فجأة إلى التقويم فنظرتُ فيه وجمد بصري عليه. أمن الممكن هذا؟ أيحدث هذا كله في هدوء: يموتُ في هذه الليلة عام، ويولدُ عام، يمضي الراحلُ بذكرياتنا وآلامنا وآمالنا إلى حيثُ لا يعود أبداً، ويُقبل القادم فاتحاً ذراعيه ليأخذ قطعة من نفوسنا، وجزءاً من حياتنا، ولا يُعطينا بدلاً منها شيئاً؟

    استمررتُ طول هذه السنين أكتبُ في مطلعِ كل سنة، أسمو في بعض ما أكتب وآتي بالمعجبِ المطرب، وأهبِطُ في بعضه فأقول كلاماً يمس آذان سامعه، ولا يصلُ إلى قلبه، أُقرّ بهذا بلساني قبل أن يصمني به غيري. ومن ذا الذي يجوّدُ دائماً؟

    في مستهل عام 1938 كنتُ مدرساً في الكلية الشرعية في بيروت، التي تُدعى الآن "أزهر لبنان"، فكتبت مقالة طويلة فيها فلسفة وفيها فكر وفيها شعور وفيها كلامٌ جميلٌ فارغ من الشعور والفكر.

    وصفتُ فيها كيف دقت الساعة آخر دقاتها في عام 37، وانتهت بانتهائها الدروس في ذلك اليوم، فابتدر الطلاب الأبواب، وبقيتُ وحدي أُصغي إلى خرير نهر الزمان، من وراء جدار الصمت. وكانت كلية الشرعية في عمارتين آخر البسطة، وكنت أنام وحدي، فطال سهري تلك الليلة، وضاق صدري، فخرجت وركبت الترام إلى ساحة البرج.

    مشيت وحدي في ساحة البرج نصف الليل فلم أجد إلا أعقاب السابلة ولم أجد إلا السكارى وأنصاف السكارى، فضجرت وضاق صدري، وملأ نفسي الشعورُ بالوحشة، وأحسستُ فراغاً مُخيفاً، فتركت ميدان البرج، ويممت شطر البحر، أمشي في الطرق المنعزلة الخالية، لعلي حين فقدتُ الأُنس بالناس أجدُ الأُنس بالطبيعة.

    إن العام يتصرم وليس حولي صديق أطمئنُ إليه، وأحمل معه أعباء الوداع، وأشاركه دمعة يذرفها معي على الفقيد الراحل، وبسمة يمنحها هذا المولود الجديد، لقد انتظرت أن تشعر الطبيعة بي، وأين – لَعَمْري -مكان الشعور من الطبيعة؟

    ونظرت إلى البحر فقلت: ما البحر؟ ما الطبيعة؟ أنا لا أرى إلا هذا العالم المادي، ولكن ماذا وراء المادة من عوالم؟ إن الروح أول محطة في طريق هذه العوالم، فهل استطعنا أن نبلغها؟ إن العقل البشري يمشي إليها منذ بدأ صناعة التفكير، لاو يزال في الطريق، لم تبن له معالمها. إنني أعرف أشياء كثيرة تملأ المكان، ولكن ما هو المكان؟ وحوادث كثيرة على مدى الزمان، ولكن ما هو الزمان؟ فإن كنتُ لا أعرف روحي التي أعيشُ بها، لا أدري ما هي، ولا أدري ما الزمان الذي هو رأس مالي، ولا المكان. فما أدبنا، وما كتاباتنا، وما سعينا وما عملنا؟

    طلبت المجد الأدبي وسعيت له سعيه، وأذهبت في المطالعة حدة بصري، وملأت بها ساعات عمري، وصرمت الليالي الطوال أقرأ وأُطالع، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتباً، من أدباء اليوم من لم يفتحها مرة واحدة لينظر فيها.

    وكنتُ أرجو أن أكون خطيباً يهز المنابر، وكاتباً يمشي بآثاره البريد، وكنت أحسب ذلك غاية المنى وأقصى المطالب، فلما نلته، أو نلتُ بعضه، زهدت فيه وذهبت مني حلاوته، ولم أعد أجد فيه ما يُشتهى ويُتمنى.

    وما المجد الأدبي؟ أهو أن يذكرك الناس في كل مكان، وأن يتسابقوا إلى قراءة ما تكتب، وسماع ما تُذيع، وأن تتوارد عليك كتب الإعجاب، وتُقام لك حفلات التكريم؟ لقد رأيت ذلك كله، فهل تُحبون أن أقول لكم ماذا رأيت فيه.

    سرابٌ، قبض الريح، أغلق يدك على الريح ثم افتحها لا تلق فيها شيئاً.

    أنا من خمسين سنة أعلو هذه المنابر، وأحتلُ صدور المجلات والصحف، وأنا أُكلم الناس في الإذاعة من يوم أُنشئت الإذاعة، ويسمعونني ويرونني في الرائي من يوم جاءنا الرائي، ولطالما خطبتُ في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وأندونيسيا وكثير من بلاد أوروبا خُطباً زلزلت القلوب، ومحاضرات شغلت الناس، وكتبتُ مقالات كانت أحاديث مجالسهم. ولطالما مرت أيام كان اسمي فيها على كل لسان في بلدي، وفي كل بلدٍ عشتُ فيه، وسمعت تصفيق الإعجاب، وتلقيت خُطب الثناء في حفلات التكريم، وقرأتُ في الكلام عني، ليّ وعليّ، مقالات ورسائل. فما الذي بقي في يدي من ذلك كله؟ لا شيء. صدقوني إن قلت لكم: لا شيء، وإني إن لم يُكتبُ لي بعض الثواب من الله على بعض هذا أخرجُ صفر اليدين. إنني أقفُ في مطلع العام لأُحاسب الحياة على ما أعطتني، وعلى ما أخذت مني، فأجدُ أنها أخذت مني عمري الذي هو رأس مالي، فإن لم أخرج من هذا العمر بعملٍ صالح، ومغفرة من الله، أكن قد خسرت كل شيء.

    إن كل ما في الدنيا يذهبُ إن ذهبت، لا يبقى لي إلا ما قدمت لآخرتي بسم الله الرحمن الرحيم: (والعصر، إن الإنسان لفي خُسر، إلا الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

    دروس الأدب في بغداد: أيامي التي مضت ولن تعود. أحنُّ إليها، ولا أدري لماذا الحنينإليها؟ أنا الآن أوسعُ – بحمد الله – دنيا، وأكبرُ اسماً، وأكثرُ مالاً، لا أشكو من مرض، وما بي حاجة إلى أحد. ولكنه الإنسان يزهدُ فيما وجد، ويشتهي ما فقد. فأنا أحنُّ إليها لأني فقدتها. أياميّ في مصر سنة 1928 أياميّ في بغداد سنة 1936، أياميّ في بيروت سنة 1937. وقبل ذلك أياميّ في دمشق، بلدي الحبيب الذي أتمنى أن أقضي في ربوعه ما بقي لي من العمر، وهو قليل، بين أهلي فيه وبين أصحابي. ولكن أين أهلي؟ وأين أصحابي؟ ما بقي منهم إلا أقل من القليل، فلو ذهبت الآن إلى الشام لغدوت فيها غريباً.

    بل أين دمشق؟ أين البلد الذي شهدته صبياً وشهد صباي، لقد تبدل فيه كل شيء. وهيهات فلا الماضي يرجع ولا الشباب يعود، ولا من جعل الله أمر الناس في يديه يتركني أكحل العين برؤية بلدي قبل الممات.

    كنتُ أجلس في دار العلوم في الأعظمية كل مساء بإذن من المدير، في هذا الصحن المشرق تُظللنا الأشجار قد أثقلتها ثمارها، وتحف بنا الأزهار، قد ملأت صدورنا عطورها، ومن فوقنا زقزقة العصافير، كأنها موسيقى بارعة.

    وكان الفرّاش يُعدّ الشاي، وكان الباب مفتوحاً، فليس تخلو عشية من أساتذة كِرام يزوروننا، أو طائفة من الطلاب يجيئون إلينا. نبقى بين أحاديث تدور: أحاديث في العلم وفي الأدب، ومناظرات تتخللها مراجعات في الكتب، وفي المدرسة مكتبة كبيرة، فيها كُتب قيّمة، حتى نسمع داعي الله للصلاة فندخل المسجد من باب بينه وبين المدرسة فنُصليّ.

    كنتُ أُدرّسُ الأدب لا على أنهُ واجبُ مدرسيّ، بل على أنه إمتاعٌ نفسي. كنتُ أُشعرُ الطلاب لذتهُ وجماله، وإن لم أُقصرّ في إكمال المنهج، وإعداد أسباب النجاح في الامتحان.

    وكنتُ مع طلاب أُوليّ ذكاء وفطنة، وأدبٌ وتقدير للمُدرّس، ففتح اللهُ عليّ بأشياء أُلهمتُها وما سُبقت إليها.

    لقد درست معهم الأدب على اعتبار أنهُ فنّ من الفنون، بعد أن بيّنت لهم فرق ما بين العلم والفنّ. وأن العلم غايته الحقيقة، ووسيلته الفكر، وأداته المنطق، وأن الفن غايته الجمال ووسيلته الشعور، وأداته الذوق.

    وأن الأدب لونٌ من ألوان الفن، أو أسلوبٌ من أساليب التعبير عنه.

    بيتهوفن مثلاً، ذهب يُعزّي صديقاً له بولده الذي مات فعجز لسانه عن الكلام، فعبّر بأصابعه على أوتار البيان (البيانو)، فكانت مقطوعة الحزن المعروفة.

    فالشعر والصورة والنغمة كلها تعبيرٌ واحد عن الشعور الواحد، ولكن اختلف اللسان، فالشاعر يُعبّر بالألفاظ والأوزان، والمصورُّ بالخطوط والألوان، والموسيقي بالأصوات والألحان.

    وعلمتهم أنك حين تكتب أو تُنظم تأتي بشيء جميل، فأنت قد أوجدت وأبدعت، فيأتي آخر فيُقوّم ما جئت به، ويزنه بميزانه، ويُحدد سعره في سوق الأدب. فأنت حين تكتب أو تُنظم أديب، وهذا الذي يُقوّم ويزن ناقد، فالأدب إبداع، والنقدُ وزن وتقويم.

    وأن للناقد مقياساً، والمقياس إما أن يكون مقياساً ثابتاً، مُعترفاً به مُتفقاً عليه، كقواعد النحو وأسس اللغة، فيكون النقد في هذه الحال علماً أو أدنى إلى العلم. وإن كان مقياساً شخصياً عُمدتهُ إدراك الجمال، كان النقد فناً أو أقربُ إلى الفن.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:242
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:190
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك