• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 286
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    11
    سبتمبر
  • 101: الفيزياء ووجود الخالق
  • كتب في: 11-09-2017
  • المؤلف: جعفر شيخ إدريس
  • الناشر: مركز البيان للبحوث والدراسات
  • عدد الصفحات:191
  • لماذا هذا البحث؟ ولماذا هذه النقاشات مع أن الملحدين في العالم قلة قليلة من الناس؟ لأن هؤلاء الملحدين وإن كانوا قلة إلا أنهم قلة مؤثرة، والعبرة في الأفكار ليست بكثرة عدد من يعتنقها ويُدافع عنها ولكن بعدد من يتأثر بهم، ولو تأثراً جُزئياً. ولأن كثيراً من المؤمنين – ولا سيما في البلاد الغربية – يشعرون بأنهم في موقف ضعيف من الناحية الفكرية وهذا يجعلهم لا يجرؤون على مناقشتهم والدفاع عن معتقداتهم إلا القلة القليلة من بعض مفكريهم. ولأن هذا الموقف الضعيف من جانب المؤمنين بوجود الخالق جعل إيمانهم هذا أمراً ذاتياً معزولاً عن الحياة، الحياة الاجتماعية والحياة الفكرية والحياة العلمية، فغلب الفكر المادي الإلحادي على هذه الجوانب كلها، وعن طريقها بدأ يبث المواقف الإلحادية خلسة بين المؤ

    لماذا هذا البحث؟ ولماذا هذه النقاشات مع أن الملحدين في العالم قلة قليلة من الناس؟

    لأن هؤلاء الملحدين وإن كانوا قلة إلا أنهم قلة مؤثرة، والعبرة في الأفكار ليست بكثرة عدد من يعتنقها ويُدافع عنها ولكن بعدد من يتأثر بهم، ولو تأثراً جُزئياً.

    ولأن كثيراً من المؤمنين – ولا سيما في البلاد الغربية – يشعرون بأنهم في موقف ضعيف من الناحية الفكرية وهذا يجعلهم لا يجرؤون على مناقشتهم والدفاع عن معتقداتهم إلا القلة القليلة من بعض مفكريهم.

    ولأن هذا الموقف الضعيف من جانب المؤمنين بوجود الخالق جعل إيمانهم هذا أمراً ذاتياً معزولاً عن الحياة، الحياة الاجتماعية والحياة الفكرية والحياة العلمية، فغلب الفكر المادي الإلحادي على هذه الجوانب كلها، وعن طريقها بدأ يبث المواقف الإلحادية خلسة بين المؤمنين في البلاد غير الغربية بما في ذلك البلاد الإسلامية.

    ولأنهم يوهمون الناس بأن إلحادهم لازم عن العلم الطبيعي أو أن هذا العلم مُناصرٍ له، والناس مفتونون بالعلوم الطبيعية لما رأوا من صدق كثير من دعاواها، ولما رأوا من فوائدها في جميع مرافق حياتهم. فإذا قيل لهم إن الإلحاد لازم عن هذه العلوم الجليلة القدر عندهم كان هذا فتنة لبعضهم، إما بتشكيكهم في إيمانهم، وإما بتكذيبهم لحقائق هذه العلوم، والتصديق بأنها خصم لدينهم.

    ولأن كثيراً من أبناء المسلمين يتعرضون للفكر الإلحادي هذا بطريق مباشر أو غير مباشر، في بلادهم أو في بلاد الغرب التي يذهبون إليها دارسين أو مقيمين، وكثيراً ما يُحزن ذوي الدين منهم أن يجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على تحديات الملحدين.

    وقد وجدت من التجربة من مقالات قليلة كتبتها أنهم يستفيدون من أمثال هذه المناقشات.

     

    ظاهرة الإلحاد: كان الناس في العصور الماضية يعتقدون اعتقاداً جازماً بوجود خالق مدبر للكون، وكان الإلحاد – بمعناه الحديث الذي هو إنكار وجود الخالق – أمراً شاذاً لا يقول به إلا فرد بعد فرد من الناس.

    وظل الأمر كذلك حتى القرن الثامن عشر الميلادي، ثم بدأ الإلحاد يحل محل الإيمان، ولما كانت الحضارة الغربية هي الحضارة السائدة في عصرنا؛ فقد انتشر الإلحاد، وانتشرت أكثر منه لوازمه في أرجاء المعمورة انتشاراً لم يعهد له مثيل فيما مضى من الزمان.

    وكان من نتائج ذلك:

    أن صار الإلحاد – من الناحية العلمية والعقلية – هو الموقف الطبيعي الذي لا يحتاج إلى دليل ولا برهان، وصار المؤمن هو المطالب بمثل هذا الدليل.

    وأن صار الملحد هو الذي يتحدى المؤمن ويتهمه بعدم العلمية، وعدم العقلانية، وبالتقليد، والانسياق وراء العواطف.

    وأن صار إظهار الاهتمام بالدين – ولا سيما في وسائل الإعلام العامة – أمراً مُستغرباً بل مُنكراً.

    وأن صار الدين هو (الظاهرة الاجتماعية) التي تحتاج إلى تفسير، وأما عدم التدين فهو الأمر الطبيعي الذي لا يستدعي دراسة ولا بحثاً ولا تنقيباً.

     

    وأن صار الإلحاد هو القاعدة – المعلنة أو المضمرة – التي تقوم عليها فلسفة العلوم، طبيعية كانت أم اجتماعية أم إنسانية، فصار الإلحاد لذلك جزءاً من مفهوم العلم؛ ومن هنا جاءت المقابلة بين ما يسمى بالتفسير العلمي والتفسير الديني.

     

    ما الذي حدث فقلب الأمور هكذا رأساً على عقب؟

    لماذا تحول كثير من الناس في الغرب هذا التحول العجيب من الاعتراف بربوبية الخالق إلى إنكار وجوده، بل إلى محاربة المؤمنين بوجوده حرباً ضارية بالأقلام، وأحياناً بحد اللسان، كما حدث في البلاد الشيوعية؟

    لقد حاول كثير من الغربيين أنفسهم تفسير هذه الظاهرة، والإجابة عن مثل هذه الأسئلة، وكتبوا في ذلك كتباً كثيرة.

    ويمكن أن نُجمل ما ذكروه في الأسباب الآتية:

    1. التناقض الشديد بين كثير من دعاوى الدين الذي ورثوه والعلم التجريبي الذي اكتشفوه.

    2. خوض كثير من علماء الدين وغيرهم من المثقفين المتدينين في المسائل الغيبية، والحديث عنها بمجرد الرأي الذي لا سند له من كتابهم ولا دليل عليه من غيره.

    3. الخلاف بين العلم والدين لم يقتصر على مسائل الدين الفرعية، بل شمل مسائله الأصولية.

    4. من المسائل التي يتكرر ذكرها في كتابات الغربيين تعليلاً لنفورهم من الدين: كثرة الحروب والمآسي التي حدثت في تاريخهم بسبب الخلافات الدينية.

    5. نجح العلمانيون في إيهام كثير من الناس بأن الحقائق العلمية تُبطل الدعاوى الدينية وتؤيد النظريات الإلحادية، بل نجحوا في إيهامهم بأن النظرة الإلحادية إلى الوجود هي وحدها النظرة العلمية؛ فصار ت العلمانية أو الإلحاد جزءاً من مفهوم العلم نفسه.

    وقد ظفروا بهذا الذي أرادوه بوسائل عدة أهمها:

    -          تفسير الحقائق العلمية بنظريات إلحادية، ثم تصوير هذه النظريات على أنها هي وحدها القادرة على تفسير تلك الحقائق، واستبعاد كل نظرية يمكن أن يُشم منها رائحة تأييد للدين.

    -          ثم نشر هذه النظريات الإلحادية، والدفاع عنها، وتدريسها للطلاب حتى ينشؤوا على اعتقاد أنها جزء من الحقائق العلمية.

     

    أدلة وجود الخالق: الأدلة على وجود الخالق كثيرة، لكن المتعلق منها بدلالة الكون المشهود على خالقه ثلاثة، هي: البرهان الكوني، ودلالة الآيات، ودليل العناية.

    1. البرهان الكوني: البرهان في اللغة ما يدل على حقيقة، فإذا قلت لإنسان: في المكان الفلاني شجرة، فسألني ما برهاني على ذلك؟ فقد أقول إني أرى خضرة ألوانها أو أسمع حفيف أوراقها. أو قد أقول إنني لم أرها لكن فلاناً – وهو عندي وعندك ثقة – قد أخبرني بوجودها، أو غير ذلك مما يعده الناس في حياتهم اليومية أدلة.

    أما في الاستعمال الاصطلاحي المنطقي فإن البرهان هو أيضاً ما يدلك على حقيقة، لكن دلالته محصورة في نوع معين تخرج عنه دلالة الحواس ودلالة الأخبار وغيرها.

    البرهان بالمعنى الاصطلاحي: هو أن تستخلص أو تستنتج الحقيقة المراد برهانها من حقيقة أو حقائق أخرى هي مقدمات البرهان، بحيث يلزم كل من يُسلّم بها أن يُسلّم بالنتيجة التي تؤدي إليها، وإلا ناقض نفسه.

    وأنا أزعم أن البرهان الكوني – في صيغه التي سأذكرها بعد – هو برهان منطقي بالمعنى الاصطلاحي، أي أنه يلزم كل من يسلم بمقدماته أن يسلم بنتيجته، وهي أن للكون خالقاً، وإلا ناقض نفسه. ليس هذا فحسب بل إنني أزعم أن المقدمات التي تقود إلى تلك النتيجة هي مقدمات لا يسع العاقل إلا التصديق بها؛ لأنها إما من الحقائق الحسية أو من البدائه العقلية.

    أكرر القول بأن التدليل على وجود الخالق بهذه الطريقة المنطقية لا يعني أنه لا يمكن أن يُعرف بغيرها، أو لا يمكن أن يُعرف مباشرة، كأن يكون الإيمان به أمراً فطرياً.

    يسير برهاننا على مراحل لكل منها مقدمات تؤدي إلى نتيجة، ثم تلك النتيجة تؤدي – مع مقدمات أخرى – إلى نتيجة ثانية، وهكذا حتى نصل إلى ما نبتغي.

    فنقول: إن في هذا الكون حوادث، فغيث ينزل، وزهر يتفتح، وطفلٌ يولد، وإنسانٌ ينمو ويكبر، وآخر يمرض ثم يهلك...

    (كواركات) هي لبنات كُوّن منها الأوليات ثم الذرات، ومن الذرات تتكون الجزيئات، ومنها تتكون العناصر ثم المركبات ثم الأجسام المادية المشاهدة. ومن الغازات الأولية تتكون مجرات تتكون منها نجوم، ومن المجرات مجموعات مجرات، ولكل من هذه الكائنات ساعة ميلاد، ويوم هلاك.

    فمن الذي أوجدها ومن الذي يُفنيها؟

    هل جاءت من العدم؟ كلا... فإن هذا مستحيل عقلاً.

    لا بد لها إذن من سبب أحدثها.

    لكن هذا السبب لا يمكن أن يكون الشيء المحدث نفسه؛ إذ كيف يسوغ عقلاً أن يكون الحادث المعين سبباً في إحداث نفسه؟

    لا بد إذن أن يكون سببه شيئاً غيره.

    لكن إذا كان ذلك السبب الخارجي هو نفسه حادثاً كالأسباب الطبيعية التي نشاهدها؛ فإنه سيحتاج – كالحادث الأول – إلى سبب، وسيحتاج سببه إذا كان حادثاً إلى سبب، وهكذا.

    لكن هذا التسلسل في العلل والمؤثرات مستحيل عقلاً.

    لا بد إذن من أن يكون السبب الحقيقي للحوادث سبباً غير حادث.

    أي لا بد أن يكون شيئاً أزلياً ليس لوجوده ابتداءً.

    ولا يمكن أن يكون هذا السبب الأزلي شيئاً غير الله.

    برهان الآيات: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مُبيّناً الفرق بين برهان الآيات والبرهان الاستنباطي: "والفرق بين الآيات وبين القياس (ويعني به الاستنباط المنطقي) أن الآية هي العلامة، وهي الدليل الذي يستلزم عين المدلول، لا يكون مدلوله أمراً كليّاً مشتركاً بين المطلوب وغيره، بل نفس العلم به يوجب العلم بعين المدلول، كما أن الشمس آية النهار. قال تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)، فنفس العلم بطلوع الشمس يُوجب العلم بوجود النهار. وكذلك آيات الرب تعالى، نفس العلم بها يُوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى، لا يُوجب علماً كُليّاً مشتركاً بينه وبين غيره، والعلم بكون هذا مُستلزماً لهذا هو جهة الدليل. فكل دليل في الوجود لا بد أن يكون مستلزماً للمدلول، والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب أقربُ إلى الفطرة من العلم بأن كل معين من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة. والقضايا الكلية هذا شأنها".

    ويقول الشيخ ابن تيمية: "إن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطرياً ضرورياً في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة. وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة، وأحوال تُعرض لها".

    فكأن الآيات هي في حقيقتها تذكير للإنسان بأمر مستقر في فطرته، وهو مع ذلك لسبب من الأسباب يجحده، لكن مثل هذا لا يبدهه ما في الآيات من دلالة على وجود الخالق، بل لا بد من أن يبين له كونها آيات. وهذا ما نجده في بعض آيات القرآن مثل: (أم خُلِقوا من غيرِ شيءٍ أم هُمُ الخَالِقُون (35) أم خَلَقُوا السماواتِ والأرضَ بل لا يُوقنون).

    إن خلق الإنسان آية دالة على وجود خالقه، فالقرآن الكريم يدعو المُنكِر لوجود الخالق أن يُفكر في هذه الحقيقة التي يعرفها أكثر من معرفته لغيرها.

    دليل العناية: في دليل العناية الصفة التي نستدل بها على وجود الخالق هي في علاقة هذه المخلوقات بعضها ببعض، أو في علاقة أجزاء الواحد منها ببقية الأجزاء. إن كل متأملٍ للمخلوقات يرى أنها ليست كوماً عشوائياً من الموجودات، بل هي مرتبة ترتيباً ومصممة تصميماً وراءه غاية تدل على أن لها صانعاً عالماً حكيماً.

    الدليل الخُلُقي:إذا لم يكن هنالك من خالق يرى ويسمع ما يفعل البشر، وإذا لم يكن هنالك من دار أخرى يُثيب الله فيها المحسن على إحسانه، ويُعاقب المسيء على إساءته، وكان الكسب المادي في هذه الحياة الدنيوية هو وحده الكسب المعتبر؛ لكان الصادقون الأمناء هم المغفلين الذين لا عقل لهم، ولكان الكذابون الخونة هم العقلاء. لكن العقل يقول إن الأمر لا يمكن أن يكون كذلك، ما من عاقل يمكن أن يقبل نتيجة كهذه؛ لأن فيها تقويضاً لأهم مبدأ تقوم عليه علومنا الكونية كلها، إن هذه العلوم كلها تقوم على افتراض المبدأ المسمى بتناسق الطبيعة، المبدأ الذي يقول أن قوانين الطبيعة لا تتخلف، وإنه لذلك يمكن أن تُدرس دراسة علمية بل رياضية؛ فكيف يكون هذا الكون في جانبه المادي عقلانياً، وفي جانبه البشري متناقضاً مع المبادئ العقلية؟!

    الفيزياء وأصل الكون: إذا كانت كل هذه الأجرام الكبيرة من شمس وأرض وسائر النجوم والكواكب ليست أزلية بل إن لها تاريخاً – ولها بالضرورة نهاية؛ فما هو الأزلي إذن؟

    أهي العناصر التي تتكون منها هذه الأجسام؟ لكن العلم في تطوره اكتشف أن هذه العناصر هي بدورها مركبة من ذرات.

    فهل الأزلي هو هذه الذرات؟

    القول بأن كل ما في الكون من أشياء مكون من ذرات قول قديم يعتقد أن أول من قال به الفيلسوف اليوناني (ديمقريطس)، وقد تبنى هذا القول بعض الفرق الإسلامية. لكنهم كانوا يعتقدون أن الله تعالى هو الذي خلق الذرات ثم خلق منها الكون.

    ثم جاء نيوتن فأعطى هذا القول صبغة علمية، وكان تصوره للذرات كتصور المسلمين لها من حيث اعتقاده أن الله تعالى خلقها وقدر ما يتعلق بها. فليس إذن حتى في فيزياء نيوتن ما يثبت أن الذرات التي تتكون منها المادة أزلية، وإنما القول بأزليتها كان مجرد افتراض لم يلبث تطور علم الفيزياء أن أبطله.

    الفيزياء الحديثة: هل الذرة هي المادة الأزلية؟ كلا! فقد تبيّن أن الذرة نفسها مركبة من أجزاء أخرى عرفنا منها أولاً: الإلكترون والنيوترون والبروتون، ثم تبيّن أن هذه المكونات هي نفسها مركبة من أجزاء، آخر ما عرفه الفيزيائيون منها هو ما يسمى بــــ (الكوارك).

    قد يقول قائل: وإذن فقد وصلنا أخيراً إلى المادة الأزلية، إلى الجزء الذي لا يتجزأ: إنه هذه الكواركات.

    والرد على هذا من ناحيتين:

    أولاً: أنه قول بغير علم؛ إذ ليس في هذه الكواركات ما يدل على أزليتها، وعدم تكونها هي الأخرى من أجزاء أصغر منها.

    ثانياً: إذا كان الشيء أزلياً لا بداية له فهو بالضرورة مستغنٍ عن غيره. أعني أنه لا يعتمد في وجوده ولا استمراره على غيره.

    وإذا كان الشيء قائماً بنفسه مستغنياً في وجوده عن غيره فإنه لا يفنى ولا يتغير ولا يتبدل.

    لماذا؟

    لكي نجيب عن هذا السؤال يحسن أن نسأل سؤالاً آخر هو: متى يفنى الشيء وينتهي من الوجود؟

    والجواب: إنه يفنى إذا تخلف شرط من شروط وجوده.

    ولكن هذا يعني أن الشيء الذي يفنى هو بالضرورة شيء يعتمد في وجوده على غيره؛ فهو إذن غير مستغن بنفسه. ولكنا قلنا إن الشيء الأزلي من الضروري أن يكون مستغنياً بنفسه؛ وإذن فكل شيء جاز عليه الفناء استحالت عليه الأزلية، وإذن فإذا أردنا أن نختبر شيئاً ما لنعرف ما إذا كان أزلياً أو لا؛ فما علينا إلا أن نتساءل: أهو شيء يمكن أن يفنى وينقضي؟ فإذا كان الجواب: نعم؛ فالنتيجة أنه غير أزلي.

    والآن هل نعرف مادة معينة يصدق عليها القول بأنها لا تفنى؟

    من الخالق؟

    أوصلنا الدليل العقلي إلى وجود خالق للكون؛ فمن هو هذا الخالق؟ إنه لا يمكن عقلاً أن يكون شيئاً غير الخالق الحق الذي تدركه الفطرة والذي دعت إلى عبادته رسل الله، أي أن الخالق الذي أوصلنا إليه الدليل العقلي هو الخالق نفسه الذي يحدثنا عنه النص الديني. لأن الله الذي خلق الكون وجعله دليلاً على وجوده؛ هو الذي أنزل الكتاب مصدقاً لشهادة الكون ومفصلاً لها وإليك أدلة ذلك:

    أولاً: صفة الخالقية نفسها، وهي التي وردت في مثل قوله تعالى: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل).

    ثانياً: كونه أزلياً.

    ثالثاً: صفة الأبدية. (هو الأول والآخر). وإليه يشير قول الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء".

    رابعاً: إذا كان كل ما في الوجود – ما عدا الموجود الأزلي – حادثاً، وكان هو سبباً لكل حادث؛ فلا حادث يعتمد اعتماداً كلياً على حادث غيره، لا في مجيئه إلى عالم الوجود، ولا في استمراره موجوداً. وإذ فكما أن الموجود الأزلي خالق الحوادث وموجدها، فهو حافظها وراعيها؛ وهذا هو معنى الربوبية.

    خامساً: الأحدية. الخالق الأزلي الأبدي القيوم لا بد أن يكون واحداً، واحداً في ذاته وصفاته، فلا ثاني له يماثله، وواحداً في أفعاله، لا يشركه في فعلها شيء.

    سادساً: نأتي الآن إلى صفة عظيمة الشأن لأنها ستكون المفتاح لما يليها من صفات، والبرهان الحاسم على أن الموجود الأزلي الذي قادنا إليه البرهان هو الإله الذي يحدثنا عنه القرآن.

    كيف تصدر المخلوقات عن ذلك الخالق الأزلي؟

    إننا نعرف من تجربتنا طريقتين لصدور الحوادث: فالأشياء الجامدة، وبعض الأشياء الحية تصدر عنها آثارها صدوراً طبيعياً أو قل قسرياً، وأما بعض الأشياء الحية الأخرى – وأرقاها الإنسان – فإن بعض آثارها تصدر عنها صدوراً إرادياً؛ فهل تصدر الحوادث عن الخالق صدوراً قسرياً يقتضيه طبعه من غير شعور منه ولا تدبير، أو أنها تصدر عنه بإرادته إن شاء فعل وإن شاء ترك؟

    كيف يمكن لهذه الحوادث المختلفة التي نشاهدها أن تصدر عن الخالق صدوراً يقتضيه طبعه من غير شعور منه ولا قصد ولا إرادة؟ دعنا نحاول فهم ذلك بأن نأخذ مخلوقاً واحداً – وليكن الإنسان – ولنتساءل: كيف أوجده الخالق؟ إذا قلنا أن وجود الإنسان أمر تقتضيه طبيعة الخالق، فيلزمنا القول بأن الإنسان أزلي مع الخالق؛ لأنه من المستحيل عقلاً أن يوجد الشيء ولا يوجد معه الشيء الذي تقتضيه طبيعته. لكننا نعرف أن عمر الإنسان ليس من الأزلية في شيء، بل هو عمر لا يتجاوز بضع آلاف من السنين؛ فكيف تأخر عن الخالق شيء تقتضي طبيعته وجوده؟

    وإذا لم نقل إنه أمرٌ يقتضيه طبعه؛ فماذا نقول؟ أنقول إنه يُحدث آثاره كما تُحدث المخلوقات الطبيعية آثارها، كالمطر الذي يُنبت الزرع، والزرع الذي يخرج الثمر... وهكذا. لكنك إذ تأملت هذه الأسباب الطبيعية وجدتها لا تستقل بفعل؛ بل إن أفعالها كلها تعتمد على توفر شروط خارجة عنها. فالمطر لا ينبت الزرع إلا إذا كان السحاب قد ساقه إليه، وإلا إذا كانت درجة الحرارة مناسبة لتحول السحاب إلى قطرات ماء...وهكذا إلى ما لا يكاد يُحصر من هذه الشروط أو الأسباب الخارجة عن نطاق الماء النازل من السماء.

    فإذا قلنا أيضاً لا يخلق إلا بمثل هذه الشروط والأسباب الخارجة عن قدرته؛ لم يعد هو الخالق الذي ساقنا إليه دليلنا؛ لأن الدليل ساقنا إلى خالق هو خالق كل شيء.

    إذا لم يكن الخالق خالقاً بالطبع بالمعنيين اللذين ذكرناهما؛ فلم يبقَ إلا أن يكون خالقاً بالإرادة؛ وإذن فهذا الخالق مريد. وهذا هو الوصف الذي ورد وصفه به القرآن الكريم:

    (إنما أمرهُ إذا أراد شيئاً أن يقولَ لهُ كُن فيكون).

    سابعاً: إذا كان مريداً فيلزم أن يكون عالماً؛ لأن الإرادة تستلزم العلم. كيف تريد ما لا تعلم؟

    (ألا يعلمُ من خَلقَ وهو اللطيفُ الخبير).

    ثامناً: وعلمه بما في مخلوقاته من أشكال وألوان وأحوال يقتضي أن يكون سميعاً بصيراً؛ ولذلك فكثيراً ما يقرن في القرآن بين صفتيّ العلم والسمع والبصر.

    (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مُبدل لكلماته وهو السميع العليم).

    تاسعاً: إذا كان عالماً سميعاً بصيراً، فلا بد أن يكون حياً؛ لأن صفة الحياة من لوازم هذه الصفات، أعني أن الشيء لا يمكن أن يكون مريداً عالماً سميعاً بصيراً، ويكون مع ذلك ميتاً أو جماداً، بل لا بد أن يكون حياً وأن تكون حياته أرقى أنواع الحياة.

    (وتوكل على الحيّ الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا)

    هذا القدر من الصفات يكفي لبيان أن الخالق الذي دلنا العقل على وجوده هو الخالق الذي دعانا الشرع للإيمان به وعبادته مع أن صفات غيرها كثيرة مذكورة في الكتاب والسنة الصحيحة؛ وعليه فإن كل محاولة لجعله مادة من المواد أو كائناً من هذه الكائنات إنما هو شططٌ من القول.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:218
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:99
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك