• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 311
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    26
    نوفمبر
  • 106: الرحيق المختوم
  • كتب في: 26-11-2017
  • المؤلف: صفي الرحمن المباركفوري
  • الناشر: الوفاء
  • عدد الصفحات:425
  • ديانات العرب: كان معظم العرب يدينون بدين إبراهيم عليه السلام منذ نشأت ذريته في مكة وانتشرت في جزيرة العرب، فكانوا يعبدون الله ويوحدونه ويلتزمون بشعائر دينه الحنيف، حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظاً مما ذُكروا به، إلا أنهم بقي فيهم التوحيد وعدة شعائر من هذا الدين، حتى جاء عمرو بن لُحيّ رئيس خزاعة، وكان قد نشأ على أمرٍ عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس ودانوا له، ظناً منهم أنه من أكابر العلماء وأفاضلُ الأولياء. ثم إنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقاً، لأن الشام محلّ الرسل والكتب، فَقَدِمَ معه بهبل وجعلهُ في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله فأجابوه، ثم لم يلبث أهل الحجاز أن تَبِعوا أهل مكة؛ لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم. ويُذكر أن عمر

    ديانات العرب: كان معظم العرب يدينون بدين إبراهيم عليه السلام منذ نشأت ذريته في مكة وانتشرت في جزيرة العرب، فكانوا يعبدون الله ويوحدونه ويلتزمون بشعائر دينه الحنيف، حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظاً مما ذُكروا به، إلا أنهم بقي فيهم التوحيد وعدة شعائر من هذا الدين، حتى جاء عمرو بن لُحيّ رئيس خزاعة، وكان قد نشأ على أمرٍ عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس ودانوا له، ظناً منهم أنه من أكابر العلماء وأفاضلُ الأولياء.

    ثم إنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقاً، لأن الشام محلّ الرسل والكتب، فَقَدِمَ معه بهبل وجعلهُ في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله فأجابوه، ثم لم يلبث أهل الحجاز أن تَبِعوا أهل مكة؛ لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم.

    ويُذكر أن عمرو بن لُحيّ كان له رئيٌ من الجن، فأخبره أن أصنام قوم نوح – وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً – مدفونة بجدة، فأتاها فاستثارها، ثم أوردها إلى تهامة، فلما جاء الحج دفعها إلى القبائل، فذهبت بها إلى أوطانها.

    وهكذا انتشرت الأصنام ودور الأصنام في جزيرة العرب، حتى صار لكل قبيلة ثم في كل بيت منها صنم.

    صورٌ من المجتمع العربي الجاهلي:

    -          الحالة الاجتماعية: كانت في العرب أوساطٌ متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض، فكانت علاقة الرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة من الرُقيّ والتقدم، وكان لها من حرية الإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر. أما في الأوساط الأخرى فكان هناك أنواعٌ من الاختلاط بين الرجل والمرأة، لا نستطيع أن نُعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة. وكان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد معروف ينتهي إليه حتى حددها القرآن في أربع، وكانوا يجمعون بين الأختين، ويتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها حتى نهى عنهما القرآن. وكانت علاقة الرجل مع أولاده على أنواعٍ شتى، فمنهم من يقول:

    إنما أولادنا بيننا

    أكبادنا تمشي على الأرض

    ومنهم من كان يئد البنات خشية العار والإنفاق، ويقتل الأولاد خشية الفقر والإملاق.

    أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه، وعشيرته فقد كانت موطدة قوية. أما العلاقة بين القبائل فقد كانت مفككة الأوصال تماماً، وكانت قواهم متفانية في الحروب.

    -          الحالة الاقتصادية: كانت التجارة أكبر وسيلة للحصول على حوائج الحياة، والجولة التجارية لا تتيسر إلا إذا ساد الأمن والسلام، وكان ذلك مفقوداً في جزيرة العرب إلا في الأشهر الحُرُم، وهذه هي الشهور التي كانت تُعقد فيها أسواق العرب الشهيرة من عُكاظ وذي المجاز ومجنّة وغيرها.

    -          الأخلاق: لا شك أن أهل الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم، ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة ما يفضي إلى الدهشة والعجب، فمن تلك الأخلاق: الكرم – الوفاء بالعهد – عزة النفس والإباء عن قبول الخسف والضيم – المضي في العزائم – الحُلُم والأناة والتؤدة.

    نسبُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأسرته: نسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: جزءٌ اتفق عليه كافة أهل السير والأنساب، وهو الجزء الذي يبدأ منه وينتهي إلى عدنان.

    وجزء آخر كَثُر فيه الاختلاف، حتى جاوز حد الجمع والائتلاف، وهو الجزء الذي يبدأ بعد عدنان، وينتهي إلى إبراهيم عليه السلام، أما الجزء الثالث فهو يبدأ من بعد إبراهيم وينتهي إلى آدم عليهما السلام، وجُلّ الاعتماد فيه على نقل أهل الكتاب.

    الأسرة النبويّة: تُعرف أسرته صلى الله عليه وسلم بالأسرة الهاشمية – نسبة إلى جده هاشم بن عبد مناف.

    1. هاشم: هو الذي تولى السقاية والرفادة من بني عبد مناف حين تصالح بنو عبد مناف وبنو عبد الدار على اقتسام المناصب فيما بينهما، وكان موسراً ذا شرف.

    2. عبد المطلب: صار إليه السقاية والرفادة بعد هاشم، وكانت تُسميه قريش بالفياض لسخائه.

    3. عبد الله والد الرسول صلى الله عليه وسلم: كان أحسن أولاد عبد المطلب وأعفهم وأحبهم إليه، اختار له والده آمنة بنت وهب بن عبد مناف وهي يومئذ تُعد أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، وأبوها سيد بني زهرة نسباً وشرفاً، فزوجه بها، فبنى بها عبد الله في مكة، وبعد قليل أرسله عبد المطلب إلى المدينة يمتار لهم تمراً، فمات بها.

    المولد وأربعون عاماً قبل النبوة:

    المولد: ولد سيد المرسلين بشعب بني هاشم بمكة صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول، لأول عامٍ من حادثة الفيل. ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تُبشره بحفيده، فجاء مستبشراً ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له. واختار له اسم محمد – وهذا الاسم لم يكن معروفاً في العرب – وأول من أرضعته من المراضع – وذلك بعد أمه بأسبوع – ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابنٍ لها يُقال له مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.

    في بني سعد: كانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعاداً لهم عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى أجسادهم، وتشتد أعصابهم ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول الله المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد ابن بكر وهي حليمة السعدية. وقد رأت حليمة من بركته صلى الله عليه وسلم ما قضت منه العجب.

    شق الصدر: في السنة الرابعة من مولده وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عنقلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لمه – أي جمعه وضم بعضه إلى بعض – ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني ظئره – فقالوا: إن محمداً قد قُتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون – أي مُتغير اللون – قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.

    إلى أمه الحنون:وخشيت عليه حليمة بعد هذه الواقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين. ورأت آمنة – وفاء لذكرى زوجها الراحل – أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم وخادمتها أم أيمن، فمكثت شهراً ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة.

    حياة الكدح: لم يكن له عليه الصلاة والسلام عمل معين في أول شبابه، إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنماً، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب، فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له. وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجراً إلى الشام في مال خديجة بنت خويلد وكانت امرأة ذات شرفٍ ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالٍ لها إلى الشام تاجراً، مع غلامٍ لها يقال له ميسرة، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج في مالها ذلك.

    ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم ترَ قبل هذا وأخبرها غلامها بما رأى من رسول الله من خِلالٍ عذبة، وشمائل كريمة وفكرٍ راجح، وجدت ضالتها المنشودة فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه عليه الصلاة والسلام تفاتحه ان يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلّم أعمامه فخطبوها له، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين.

    حياة النبوة والرسالة والدعوة:

    في غار حراء: لما تقاربت سنة صلى الله عليه وسلم الأربعين، حُبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء، ويذهب إلى غار حراء في جبل النور، فيُقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة.

    جبريل ينزل بالوحي: ولما تكامل له أربعون سنة، بدأت طلائع النبوة تلوح، فمن ذلك أن حجراً بمكة يُسلّم عليه، ومنها أنه كن يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر، فلما كن رمضان من السنة الثالثة، من عزلته صلى الله عليه وسلم بغار حراء أكرمه الله بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.

    جهاد الدعوة إلى الله:

    ثلاث سنوات من الدعوة السرية: كان من الطبيعي أن يعرض الرسول عليه الصلاة والسلام الإسلام أولاً على ألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، فأجابه من هؤلاء زوجه خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب، وكان صبياً يعيش في كفالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق. أسلم هؤلاء في أول يوم من الدعوة.

    ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلاً محبباً سهلاً ذا خُلق ومعروف، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فكانوا هؤلاء النفر الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام.

    الدعوة جهاراً:

    الدعوة في الأقربين: دعا رسول الله عشيرته بني هاشم بعد نزول الآية الكريمة: (وأنذر عشيرتك الأقربين) فقال: (الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له". ثم قال: (إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً".

    فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقاً لحديثك وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تُحب، فامضِ لما أُمرت به. فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فِراق دين عبد المطلب.

    فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا.

    أساليب شتى لمجابهة الدعوة:

    فكرت قريش في أساليب تقضي بها على الدعوة في مهدها وتتلخص هذه الأساليب فيما يلي:

    1. السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك.

    2. إثارة الشبهات وتكثيف الدعايات الكاذبة.

    3. الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين.

    الاضطهادات: لما رأى كفار قريش أن هذه الأساليب لم تُجدِ نفعاً في إحباط الدعوة الإسلامية، قرروا القيام بتعذيب المسلمين وفتنتهم عن دينهم، فأخذ كل رئيس يُعذب من دان من قبيلته بالإسلام، وانقض كل سيد على من اختار من عبيده طريق الإيمان.

    أما بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان رجلاً شهماً وقوراً ذا شخصية فذة، تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء بحيث لا يقابل مثله إلا بالإجلال والتشريف، ولا يجترئ على اقتراف الدنايا ضده إلا أراذل الناس، ومع ذلك كان في منعة أبي طالب، وأبو طالب مُعظّم في أصله، فكان من الصعب أن يجسر أحد على إخفار ذمته.

    ولما رأت قريش أن رسول الله ماضٍ في عمله عرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبوا إليه بعمارة بن الوليد ابن المغيرة وقالوا له: يا أبا طالب، إن هذا الفتى أنهدَ فتى في قريش وأجمله، فخذه، واتخذه ولداً، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، فنقتله، فإنما هو رجلٌ برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأُعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لايكون أبداً.

    ولما فشلت قريش في المفاوضات، ولم توفق في إقناع أبي طالب بمنع رسول الله وكفه عن الدعوة إلى الله، قررت أن تختار سبيلا حاولت تجنبه والابتعاد منه مخافة مغبته، وهو سبيل الاعتداء على ذات الرسول صلى الله عليه وسلم.

    المقاطعة العامة: زادت حيرة المشركين ونفدت بهم الحيل، فاجتمعوا في خيف بني كنانة فتحالفوا على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا يناكحوهم، ولا يبايعونهم، ولا يجالسوهم، ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم حتى يُسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل. وكتبوا بذلك صحيفة وعُلِقت في جوف الكعبة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم – إلا أبا لهب – وحُبِسوا في شعب أبي طالب.

    مر عامان أو ثلاثة والأمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوة ُقضت الصحيفة وفُك الحصار؛ وذلك أن قُريشاً كانت بين راضٍ بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهاً لها.

    وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي – وكان يصل بني هاشم في الشعب مُستخفياً بالليل بالطعام.

    خرج رسول الله من الشعب، وجعل يعمل على شاكلته، وقريش وإن كانوا قد تركوا القطيعة، لكنهم لم يزالوا عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين والصد عن سبيل الله. وبعد ستة أشهر من الخروج من الشعب وافت المنية أبي طالب، وبعد وفاته بنحو شهرين أو ثلاثة أيام – على اختلاف القولين -  توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.

    وقعت هاتان الحادثتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه، فإنهم تجرأوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غمّاً على غمّ، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أن يستجيبوا لدعوته، أو يؤوه وينصروه على قومه، فلم يرَ من يؤوي ولم يرَ من ناصراً، بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله من قومه.

    عرض الإسلام على القبائل والأفراد: في ذي القعدة سنة عشر من النبوة عاد الرسول إلى مكة؛ ليستأنف عرض الإسلام على القبائل والأفراد، ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة رجالا، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلومات، فانتهز رسول الله هذه الفرصة، فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إليه، كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة، وقد بدأ يطلب منهم من هذه السنة العاشرة أن يؤوه وينصروه ويمنعوه حتى يُبلّغ ما بعثه الله به.

    وكما عرض رسول الله الإسلام على القبائل والوفود، عرض على الأفراد والأشخاص، وحصل من بعضهم على ردود صالحة، وآمن به عدة رجال بعد هذا الموسم بقليل.

    وفي موسم الحج سنة 11 من النبوة وجدت الدعوة الإسلامية بذوراً صالحة، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات، اتقى المسلمون في ظلالها لفحات الظلم والعدوان حتى تغير مجرى الأحداث وتحول خط التاريخ. فقد أسلم ستة نفر من أهل يثرب ووعدوا رسول الله بإبلاغ رسالته في قومهم.

    وكان من جرّاء ذلك أن جاء في الموسم التالي – موسم الحج سنة 12 من النبوة – اثنا عشر رجلاً، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد التقوا برسول الله في العام السابق. التقى هؤلاء برسول الله عند العقبة بمنى فبايعوه. وبعد أن تمت البيعة وانتهى موسم الحج بعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم أول سفير في يثرب؛ ليُعلّم المسلمين فيها شرائع الإسلام، ويُفقههم في الدين ولينشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختار لهذه السفارة من شباب الإسلام السابقين الأولين وهو مصعب بن عمير.

    وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر للحج بضع وسبعون نفساً من المسلمين من أهل يثرب، جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم – وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق: حتى متى نترك رسول الله يطوف ويُطرد في جبال مكة ويخاف؟

    فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق بين الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة، وأن يتم الاجتماع في سريّة تامة في ظلام الليل.

    ولنترك أحد قادة الأنصار يصفُ لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام، يقول كعب بن مالك الأنصاري: .....فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القَطَا، مُستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، وامرأتان من نسائنا؛ نُسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو.

    فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب – وهو يومئذ على دين قومه – إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول مُتكلم.

    بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة المسئولية: وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف الديني والعسكري، وكان أول المتحدثين هو العباس عم الرسول، قال: يا معشر الخزرج إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، فهو في عزٍ من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مُسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه. فإنه في عزٍ ومنعه من قومه وبلده.

    قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

    وألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بيانه، ثم تمت البيعة.

    طلائع الهجرة: وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة أذن رسول الله للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن.

    ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مُستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مُستقبلٍ مُبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان.

    في دار الندوة، برلمان قريش: ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذراري والأموال إلى الأوس والخزرج أصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهم، فقد تجسد أمامهم خطرٌ حقيقيٌ عظيم، أخذ يُهدد كيانهم الوثني والاقتصادي.

    فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد من غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والإرشاد، وما في أصحابه من العزيمة والاستقامة والفداء في سبيله، ثم ما في قبائل الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما في عُقلاء هاتين القبيلتين من عواطف السلم والصلاح.

    كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجة التجارية التي تمر بساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام.

    فاجتمعوا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً، ثم يعطوه سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فيتفرق دمه بذلك في القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. فيرضوا منهم بالعقل، فيعقلوا لهم.

     

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:1027
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:471
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك