• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 20-02-2018
  • المؤلف: مالك بن نبي
  • الناشر: دار الفكر
  • عدد الصفحات:186
  • عدد الاستماع للحلقة: 26
  • إنسان ما بعد الموحدين:عندما نقوم بتحليل نشاط الأفراد وأذواقهم في بيئة معينة، نجد عوائد سائدة، تنتقل فيما بينهم كابراً عن كابر، فهناك وراثة اجتماعية، كما أن هناك وراثة جسمية. إن ألوان نشاط الفرد وأفكاره في كل مجتمع تُنسج دائماً على منوال الوراثة، ..
    22
    يناير
  • 110: ذكريات - الجزء الخامس
  • كتب في: 22-01-2018
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: دار المنارة
  • عدد الصفحات:300
  • كتابٌ مفتوح إلى الأستاذ أحمد أمين: هذه رسالة بعثتُ بها إلى لأستاذ أحمد أمين رحمه الله مطويّة، فنشرها في "الثقافة" وعلّق عليها. وهذا نص الرسالة: كان هنا شاعر لم يعرفه الناس حتى عرّفتهمْ به هدآت الأسحار، إذ كان يطوف فيها على مرابع حبه، وكان ينادي الليل الراحل بأرق أسمائه، فيتلفتُ الليل ويقف لحظة ويُصغي إليه، وتُنصت إليه قلوب العاشقين، فإن غنى بــــ "يا ليل" هاج بها الشجن، فأجابت من لوعتها بــــ "آه". وعرّفتهم به الضمائر المؤمنة، إذ كان يهتف بها مع الفجر بالنشيد العلوي الذي يوقظ في نفس الإنسان الذي يسمعه "الملك"، فإذا استيقظ فيه الملك، خنس الشيطان، فتعرف بنشيده لذة الإيمان، وما في الأرض لذة كلذة الإيمان. أُعجب به الناس لما عرفوه، ثم اطمأنوا

    كتابٌ مفتوح إلى الأستاذ أحمد أمين:

    هذه رسالة بعثتُ بها إلى لأستاذ أحمد أمين رحمه الله مطويّة، فنشرها في "الثقافة" وعلّق عليها. وهذا نص الرسالة:

    كان هنا شاعر لم يعرفه الناس حتى عرّفتهمْ به هدآت الأسحار، إذ كان يطوف فيها على مرابع حبه، وكان ينادي الليل الراحل بأرق أسمائه، فيتلفتُ الليل ويقف لحظة ويُصغي إليه، وتُنصت إليه قلوب العاشقين، فإن غنى بــــ "يا ليل" هاج بها الشجن، فأجابت من لوعتها بــــ "آه".

    وعرّفتهم به الضمائر المؤمنة، إذ كان يهتف بها مع الفجر بالنشيد العلوي الذي يوقظ في نفس الإنسان الذي يسمعه "الملك"، فإذا استيقظ فيه الملك، خنس الشيطان، فتعرف بنشيده لذة الإيمان، وما في الأرض لذة كلذة الإيمان.

    أُعجب به الناس لما عرفوه، ثم اطمأنوا إليه وألفوه، ثم تعودوا أن يروه ويسمعوه، فأضعفت العادة شعورهم به، فكانوا لا يدرون به إن حضر، ولكنهم يفتقدونه إذا غاب... ثم أصبحوا لا يعنيهم فقده، ولا يعز عليهم غيابه.

    وطرق الحي شعراء يضربون على الطبول الكبيرة، ويصرخون بأغانٍ فارغة، مدوية كطبولهم، لا تدعوا إلى فضيلة، ولا تهز عاطفة، ولا تمس من النفس موضع الإيمان، ولكنها تدعو إلى الشهوة، وتثيرها في الأعصاب.

    لا تعرفهم هدآت الأسحار ولا يدري بهم فتون الفجر، ولا شعاع القمر، ولكن تعرفهم أضواء الكهرباء الساطعة في معابد الشيطان.

    عند ذلك كسر الشاعر ربابه وانسل خارجاً من الحيّ بسكون، وأمَّ الجبل ليتخذ لنفسه من الجادة السادسة (أعني جبل قاسيون) ملتجأ، يعصمه علوه من أن يسمع قرع هذه الطبول.

    أجل يا سيدي لقد مات الشاعر، ودفن في جبة القاضي، ولو جاء أمرك إياهُ بالكتابة لـــ "الثقافة" وفي عاطفته ذلك التوقد، وفي أعصابه تلك النار، يوم كانت تنثال عليه المعاني، وتجيش في نفسه بالصور، ويتحرك لسانه بالبيان من غير أن يحركه، لوجدته أسرع إلى طاعتك من السيل الدفّاع إلى مستقره، بل أسرع من الطرب إلى نفس الكريم، والحب إلى قلب الأديب.

    يوم كان يعيش في دنيا الناس وكأن له دنيا وحده، يرى فيها ما لا يرون، ويسمعُ ما لا يسمعون، يرى كل مشهد جمالاً، وفي كل جمال حلماً فاتناً، يستغرق فيه مسحوراً، ويُدرك من لذاذته ومتعه ما لا يعرفه إلا من سمع حديث الجمال ووعاه بأُذنِ قلبه، وأمضى لياليه حالماً، سادراً في أحلامه، فإذا صحا لم يجد ما يُترجم به عن نفسه إلا لغة ضيقة قاصرة، هي لغات البشر، التي خُلقت للتعبير عن حاجات الأرض لا لوصف أحلام السماء.

    والرسالة طويلة، إلى أن قلت فيها:

    هذا الشاب الذي كان يتدفق حياة ويتوثب نشاطاً، والذي كان له في كل ميدان جولة، وكان في كل معمعة فارسها المعلم، والذي عَمِل للأدب، وللإصلاح وللسياسة وللتعليم وللتصنيف، والذي عرفته العراق وعرفها، وأحبها وأحبهُ تلاميذه فيها، وبقي فيهم من يفي له ويذكر عهده، وبقي هو وفياً للعراق ذاكراً عهدها، وكان شأنه في لبنان شأنه في العراق، والذي مشى إلى الحجاز، وكان له في كل بلد أثر في نفوس أصدقائه وفي قلوب الآلاف المؤلفة من تلاميذه، الذي ما انفك يوليهم من نفسه وقلبه، حتى لم يبقَ له نفس ولا قلب.

    هذا الفتى أعادته الأيام بعد هذا شيخاً ولم يبلغ الأربعين، ميتاً يمشي مكفناً في جبة القاضي، وضيّقت رحاب نفسه حتى أحاطت بها مواد القانون، وحطمت قلمه فتعثر فهو لا يجري إلا في حيثيات القرارات وصيغ المعاملات، وصغرت دنياه حتى صارت تحدها جدران المحكمة الأربعة...

    فماذا يا سيدي يُرجى منه بعد هذا؟

    قضى عليه بلده الذي أحبه، وفارق من حبه مصر بعدما بَسِمَ لهُ فيها المستقبل عن ثنايا بوارق، ولو أنه بقيَّ في مصر، ومصر (موطن أسرته الأول) تعرِفُ للأدب حقه، وللأديب منزلته، لكان منه اليوم شيء – على أن مصر – إن أردت الحق – لا تحب إلا أبناءها، ولا تبسم إلا لهم، وترى واحد الأديب المصري مئة، ومئة غيره تساوي عندها واحداً. وإلا فخبرني يا سيدي بالله لم يحتفل نقادها بأصغر كِتاب يصدر فيها، ويشتغلون بالكلام عنه الأيام الطوال، ولا يخطون كلمة ثناء أو كلمة نقد للكتاب القيّم يصدر في بر الشام أو في العراق؟

    ولئن كتب الله لهذا الميت ولادة أخرى، والمرء يولد فيه كل يوم رجلٌ جديد ليموت رجلٌ قديم، وأعاده إلى الحياة فليضربن إن شاء الله في سماء الأدب بجناحين مبسوطين، وليطلعن على آفاق لم يرها من قبل، وليحدثن قُرّاء "الثقافة" حديثاً هو أحلى من مناجاة الحب، وحديث القلب، وإلا يكتب له ذلك، فعليه رحمة الله، وما ضر الناس بفقده شيئاً.

    وعلّق الأستاذ أحمد أمين على هذه الرسالة في "الثقافة" سنة 1943 فقال: أرسلت الثقافة إلى الأستاذ ترجوه الخروج عن صمته، والعودة إلى تلحينه، وقد عرفت منه كاتباً قديراً، وأديباً متفنناً، فبعث بهذا الكتاب وأباح لنا نشره، ولعل هذا يكون سبباً باعثاً للأستاذ أن يُنفس عن نفسه ويستعيد قلمه، ويُمتع القُرّاء بآثاره، ويتحرر من الدنيا الضيقة التي يعيش فيها بين القضايا وكتب القانون وحيثيات الأحكام إلى الدنيا الواسعة، دنيا العواطف، دنيا الناس ومنافعهم ومشاكلهم وإصلاحهم، فم خُلق الأديب وقفاً على مثل هذه الدنيا الضيقة.

     

    أنا والقلم:

    لا تمنعني فضيلة التواضع من ذكر حقيقة معروفة، لستُ أدعيها دعوى ولكنني أُقررها تقريراً، هي أنني اتبعت في الكتابة أسلوباً يكاد يكون جديداً، عُرِف بي وعُرِفتُ به، وما كان في أساتذتي الذين قرأت عليهم، ولا في الأدباء الذين قرأت لهم، وأفدت منهم، من له مثله، حتى أقلده فيه وأتبع أثره وإن كان فيهم من هو أبلغ مني، وأعلى درجة في سُلّم البيان.

    فمن أين جئت بهذا الأسلوب؟ أعترف أنه ليس عندي جاب حاسم على هذا السؤال. فأنا لا أعرف ممن أخذته ولا عمّن نقلته، إن أساتذتي الذين قرأت عليهم ليس فيهم من ترك أثراً أدبياً يحشره في زمرة الكُتّاب، حتى العلماء منهم الذين أثرت جُلّ علمي بالعربية وفنونها عنهم، كالجندي والمبارك.

    فمن أين قبست هذا الأسلوب الذي أكتبُ به؟ لم آتِ به ثمرة بلا شجرة، فما تكون الثمار إلا من الأشجار، ولا أوجدت شيئاً من غير شيء، فما كان موجود من معدوم إلا إن قال له الله كن فيكون. وما منا إلا من تأثر بغيره وأثّر في غيره، والدنيا أخذٌ وعطاء. وما قرأت كتاباً، ولا جالستُ عالماً ولا أديباً، ولا سمعتُ خبراً، ولا رأيتُ سروراً ولا كدراً، ولا نزلتُ بلداً، ولا قابلتُ أحداً، إلا ترك في نفسي أثراً.

     فهل أقدر أن أُحصي كم قرأت من الصحف، وكم لقيت من الناس، وكم رأيت من المسرات والأحزان، وكم قصدت من الأقاليم والبلدان؟

    كان لكل ذلك أثرٌ في تفكيري، وفي مشاعري، وفي أسلوبي.

    وإن لأسلوب كل كاتب سماتٌ عامة نستدل عليه بها، فبين سطورها وفي تضاعيف جملها وكلماتها، وطريقة صفها ورصفها، وطول جُملها أو قصرها، وسهولتها أو وعورتها، في كل ذلك إمضاؤه واسمه.

    لذلك كان أفضلُ ما كتبتُ في رأيي ما كنت انطقُ به على سجيتي، وأُساير طبعي، فأكتب بلا تكلف، ويقرأ الناس ذلك بلا تعب، وأسوأ ما كتبته ما كنت أتصنع فيه، وأحتشد له، وأريد أن آتي بما أحسبه رائعاً، فأتعب أنا بكتابته، ويتعب القارئ بقراءته.

    ولما جئت أجمعُ مقالاتي، أضم النظائر والأشباه، أؤلف من كل زمرة كتاباً، كان من أقرب كتبي إلى الطبع، وأبعدها عن التصنع، وأكثرها غلياناً كتاب "هتاف المجد".

    ولا تقولوا إن جمع المقالات في كتاب يُفقد الكتاب معناه، ويُذهب وحدة موضوعه، فإن هذا الكلام على صحته لم يأخذ به أحد. ها هم أولاء الكُتّاب الذين سبقونا، وكانوا قبلنا، وقرأنا ما كتبوا، واستفدنا منه، كلهم جمع مقالاته في كُتب، من أمثال العقاد والمازني وطه حسين والرافعي والزيّات، الذين كانوا أئمة الأدب، وكانوا قادته، كل منهم جمع مقالاته في كتب، وإلا فخبروني ماذا يصنع بها؟ يرميها؟ يُمزقها؟ يحرقها؟ حتى تضيع فيضيع معها أدبٌ كثير، ويفقد بفقدها نفعٌ كثير.

    ولو أن كاتب المقالات حين يجمعها، يقص مع كل مقالة قصتها، ويُبيّن ظروف كتابتها، لو فعل ذلك لجاء منه كتاب ينفي ما ينكرونه عليه من فقد الوحدة في الموضوع.

    قصتي مع رقص السماح:

    لي مع رقص السماح هذا، قصة هزت دمشق هزاً، وشغلت صحفها، وكان لوزارة العدل نصيب فيها، وللمجلس النيابي، واستجوبت الحكومة بشأنها.

    وأبطال هذه القصة مدرسة "دوحة الأدب" في دمشق، وشيوخ الموسيقى في حلب، وفخري البارودي.

    أما مدرسة "دوحة الأدب" فهي ثانوية أهلية، أنشأها بعض من يدعوهم الناس بالزعيمات النسائيات، اللواتي يغلقن عيناً وينظرن بالأخرى وحدها، كما يفعل الصياد قبل أن يضغط على الزناد.

    ينظرن إلى الغرب وعاداته بعين الرضى ويُغمضن العين عن عيوبه، وعن مفاسده، كما يُغمضنها فلا يُبصرن بها جمال ما في الشرق المُسلم، من فضائل ومكرمات.

    استدعت هذه المدرسة من دمشق "أكابر مُترفيها ففسقوا فيها"، أوليس من الفسوق في نظر الشرع، أن يُرسل أبٌ ابنته البالغة متكشفة مُبديّة زينتها، إلى حيث تختلط برجال أجانب عنها ليسوا بمحارمها؟ ولو كانوا أساتذة لها!

    وأما حلب فقد كانت بمثابة الفن العربي، فيها أساطينه ودهاقينه، وكان مما تفردت به فرعٌ من هذا الفن عنوانه "أسق العِطاش"، مشهورٌ معروف، مختلفٌ في أصله، فقائل أنه قديم منسوبٌ للشيخ أبي الوفاء المصري الصوفي، وأن الشيخ عبد الغني النابلسي عارضه وهو فقيه دمشقي عالمٌ متمكن، لكنه من القائلين بوحدة الوجود، على مذهب ابن عربي، وهي مقالة مقتبسة عن الأفلاطونية الحديثة، منافية للتوحيد الذي جاء به محمد والرسل من قبله عليهم صلواته وسلامه.

    والكلام الآن على النغمة والمقام، لا على صحة أو بطلان الكلام.

    وكان هؤلاء المشايخ إذا أنشدوا الموشحات وما يماثلها وقفوا وعبروا بدقات أقدامهم عن الإيقاع الموسيقي، وبأيديهم عن حركات النغمة، على أسلوب يعرفونه ولا شك انه بدعة سيئة، وأسوأ منه وأقبح وأولى بالإنكار، ما يسمى عندهم بالذكر، وما هو من الذكر، لكنه في لغة العرب، وفي اصطلاح العلماء يدعى الرقص.

    وأما فخري البارودي فهو أبرز الزعماء الوطنيين الشعبيين في دمشق، غنيٌ واسع الغِنى، كريمٌ شديد الكرم، خفيف الروح، ساحر الحديث.

    كان فخري البارودي وطنياً مخلصاً وأميناً على المال، ولكن ولعه بالموسيقى وحبه للفن أوصله إلى فكرة شيطانية، ما أحسب أنها خطرت في بال إبليس نفسه، هي أن ينقل رقص السماح هذا من المشايخ والكهول ذوي اللحى إلى الغيد الأماليد، والصبايا الجميلات، من بنات دوحة الأدب، التي دعوتها من يومئذ دوحة الغضب.

    وأُقيمت الحفلة، وحضرها رئيس الوزراء وأظن أنه كان خالد بك العظم، وحضرها قوم ممن يدعون بوجوه الناس وكبارهم.

    وعرفنا خبرها من الجرائد ومن الإذاعة، ولم يكن قد جاءنا هذا الرائي أي التلفزيون.

    وأنا من عادتي إذا سمعت بمنكر أو رأيته، أُدخله ذهني كما تدخل المعلومات في المحساب (الكمبيوتر)، فأنام عنه كما أنام كل ليلة كأن شيئاً لم يلج فكري، فإذا كان قبل موعد قيامي لصلاة الفجر، استيقظت من نومي فوجدت الفكرة قد ملأت نفسي، وغلبت على فكري، وتملكت أعصابي، فأتحمس لها، وأعد في ذهني ما أكتبه أو أقوله عنها ويطير النوم من عيني فألبث متيقظاً أترقب طلوع النهار.

    وكنت يومئذ القاضي الممتاز في دمشق، وكنت أخطب في مسجد الجامعة، وكان من عادتي حين أصعد المنبر لأخطب خطبة الجمعة أن أعدّ الموضوع في ذهني، لا أكتبه، ولم أكن أنوي التعرض للحفلة لأنني تكلمت فيها وكتبت، وحسبتُ أني أعذرت بذلك إلى ربي، ولكني لما بلغت الدعاء في آخر الخطبة، خطرت على بالي الحفلة وما فيها، فخفتُ من الله أن يراني ساكتاً عن إنكارها، وأن أكون شيطاناً أخرس، وأنا لا أرضى لنفسي أن أكون شيطاناً ناطقاً بليغاً، أفأرضى أن أكون شيطاناً وأخرس؟

    وأحسستُ أن شيئاً قد نبض في قلبي، فهزه مثل هزة الكهرباء، وسرى في أعصابي وعروقي، وحين أحسُ بذلك أعلم أني إن تكلمت كان كلامي لله، وأن الله لا يخذلني. وقع لي ذلك عشرات المرات، ما تخلى الله عني في واحدة منها.

    لما بلغت الدعاء قلتُ كلاماً صدقوا أنني لا أحفظه لأنني لم أعده، ولم أرصفه، وإنما تكلم به إيماني على لساني.

    ومشت كلمتي في الناس مشي الكهرباء، تنتقل من أقصى البلد إلى أقصاها في لحظة، فلم يمس المساء حتى كانت حديث الناس.

    أما الحكومة فعلمتُ أنه فوجئت وغضبت، ولكن لم تجد سبيلاً عليّ، فأنا أتمتع بحصانات: بحصانة القضاء، وحصانة الدين لأني أخطب خطبة الجمعة في بيت الله، ومن ورائي الأمة المسلمة وآلاف من الشباب يدافعون عمن ينصر دين الله.

    فلم تجد الحكومة إلا أن تصب غضبها على رأس مذيعة ما لها ذنب، لما سألوها قالت لهم: ماذا كنتم تريدون أن أصنع؟ هل أقطعُ البث؟ (ونسيتُ أن أقول لكم إن الخطبة كانت تُذاع من الإذاعة على الهواء). هل أقطع الخطبة والخطيب من رجال الدين؟ ثم إنه قاضي البلد، وماذا يقول سامعو الإذاعة؟ ثم إن الأمر كله لم يمتد إلا أقل من دقيقتين، لم أفق فيهما من دهشتي حتى أرجع إلى عقلي وأُقدّرُ ما ينبغي عليّ أن أفعل؟

    وعلى هذا الدفاع المُخلص أوقعوا عليها العقاب.

    حديث يوم الجلاء عن سوريا:

    ربع الشآم أعامر أم خالي

    اليوم عيدك عيد الاستقلال

    هذا البيت مطلعُ قصيدة للأستاذ العقاد في يوم الجلاء، أَخْطَرَهُ على باليَّ الآن أني أكتبُ عن هذا اليوم.

    ولستُ أدري ما الذي زيّن للعقاد – غفر الله له – أن يفتتح به قصيدة في التهنئة، وهو لا يبعث في النفس شعور التهاني، بل أشجان العزاء. وإني لأتخيل هذا البيت في مطلع القصيدة كالنائحة في العرس، أو الضاحكة في المأتم. وأتصورُ أن الأستاذ حَسِبَ الشام خلت من سُكانها، أو أنهم نسوا أيام انتصارهم، وموطن فخارهم، فهو يُذكرهم بها.

    وربما اقترنت الذكرى أحياناً، بمشهد تراه العين، أو نغمة تسمعها الأذن، أو رائحة يشمها الأنف، أو لفحة حر. وأنا رجلٌ ذاكرته بصرية لا سمعية، ولكن بعض النغمات ترتبط عندي ببعض الذكريات، فأنا لا أسمع الأغنية التي تشدو بها أم كلثوم والتي فيها "مين في حبه شاف هنا زيي أنا" إلا كرّت بي الأيام راجعة، فرأيت نفسي في سلمية سنة 1931 لما أُرسلت إليها معلماً في مدرستها، ولا أسمع قصيدة "يا شام" تغنيها فيروز إلا عدت إلى أيام الانفصال.

    لذلك يرن في ذهني كلما سمعت هذا البيت للأستاذ العقاد رحمه الله صدى الأغنية المشهورة، التي ولدت بعدها آلاف الأغاني وماتت وهي تدور على ألسنة الناس تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد. أغنية: "الحنّة الحنّة يا قطر الندى" وأنتم تعرفون أن يوم الحناء كان من الأيام الحلوة التي تسبق يوم العرس، فتكون كالتمهيد له، والمقدمة بين يديه.

    وبعد فهل سمعتم يا أيها القُرّاء بالذي يمشي في نومه؟ أنا ذلك الرجل. لقد مشيت وراء فكرة لاحت لي، فتركت طريقي وابتعدت عن غايتي، فعفوكم عني وسامحوني.

    كنت أتكلم عن يوم الجلاء، يوم 17 إبريل (نيسان).

    يسأل العقاد عن ربع الشام هل هو عامر أم هو خالٍ؟

    أن الشام يا أستاذ ما خلا من أهله، ولكن خلا ممن يعرف حقاً ما يوم الجلاء. تحت يديّ الآن عدد يوم الاثنين الرابع من جمادي الآخرة سنة 1365 من مجلة "الرسالة". في هذا العدد وفي الذي بعده مقالتان لي عن يوم الجلاء. فأنا أقرؤهما وأُسائل نفسي: ماذا يحس الشباب الذين لم يُدركوا تلك الأيام، حين قراءتهما؟ أنهم يقرؤونهما كما يقرؤون قطعة أدبية، كل ما يهمهم منها نقد أسلوبها، وكشف محاسنها وعيوبها، ثم لا تقرع في قلوبهم وتراً حياً، ولا تبعث في نفوسهم ذكرى، إلا ذكرى ما سمعوه وما قرؤوه، وهم ما عاشوه ولا شهدوه، إنما يعرفه من كان هذا اليوم أقصى أمانيه، وكان أبعد مراميه، نعرفه نحن إذ مشينا حتى وصلنا إليه خمساً وعشرين سنة وتسعة أشهر. لا نمشي في طريق مزفت تتخلله الأشجار، وتحف به الأوراد والأزهار، بل كنا نقحم فيه لهب النار، النار التي أشعلها الفرنسيون في دورنا ومساكننا، ونخوض في برك الدم، الذي أساله الفرنسيون من عروقنا، نطأُ فيه على أجساد الشهداء من أبنائنا وإخواننا، لا نمشي على وقع الطبول العسكرية والمزامير، بل على أصوات الأمهات الثاكلات، أو بكاء الأولاد الذين أودت بآبائهم وأمهاتهم قنابل المتحضرين الذين انتدبوا علينا ليلقنونا دروس الحضارة، فإذا هي ثلاثة دروس: درس في الإلحاد، ودرس في الفساد، ودرسٌ في تخريب البلاد ونهب ثروات العباد.

    ما كان أهل الشام قبلهم كالصحابة الأولين، ولا كانوا كالتابعين، وكان قد دخل عليهم في دينهم كثير من البدع والمُحدثات، ولكن ما كان فيهم ملحد يُظهر إلحاده، ولا سافرة تعلن سفورها، ولا عاصٍ يُجاهر بمعصيته، فضلاً عن أن يُفاخر بها، أو "يفلسفها" ويدافع عنها.

    وكانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام، يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات الساترات كالمسلمات، وكل ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه ويمشين سافرات، أذكر ذلك وأنا صغير.

    وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة، فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين، حتى روعوا الحكومة فأمرتها بالحجاب، وأوقعت عليها العقاب، مع أنها لم تكشف إلا وجهها، ومع أن أباها كان وزيراً وعالماً جليلاً، وكان أستاذاً لنا.

    ومرت الأيام، وجئت هذه المدرسة أُلقي فيها دروساً إضافية، وأنا قاضي دمشق، سنة 1949. وكان يُدرّسُ فيها شيخنا محمد بهجة البيطار فسمعتُ صوتاً من ساحة المدرسة، فتلفّت أنظرُ من النافذة، فرأيتُ مشهداً ما كنتُ أتصور أن يكون في ملهى، فضلاً عن مدرسة، وهو أن طالبات أحد الفصول، وكلهن كبيرات بالغات، قد استلقين على ظهورهن، في درس الرياضة ورفعن أرجلهن...

    وكتبت في إنكار ذلك مقالة، وعرضتُ له في أحاديثي في الإذاعة، واجتمع رأي الشيخ ورأيي على أن بقاءنا في المدرسة بعد هذا لا يجوز، وكان ذلك آخر يوم من السنة المدرسية فلم أعد إليها السنة التي بعدها.

    ألقى المنتدبون ما حملوه من الشوك في طرقنا، ثم لم يكفهم ذلك حتى أوحى لهم شيطانهم بما هو أدهى منه وأمرّ، فألقوه بذوره في أرضنا، فلما نبت ملأ بلدنا، ودخل بيوتنا، وأصاب أذى شوكه أبناء وبناتنا، فكان هذا الاستعمار الجديد شراً من الاستعمار القديم. لأن ذلك يُمثله قومٌ ليسوا منا، ولا دينهم من ديننا، ولا لسانهم من لساننا، وهذا يقوم عليه ويدعمه ويحرسه أبناؤنا.

    ورجعت إلى عدديّ "الرسالة". أقرأ من جديد مقالتيّ المنشورتين فيها من أربعين سنة، فأحس كأني أدرت إبرة المسجل فظهر أمامي فيلم كامل فيه فصولٌ كثيرة: مسلسلٌ كله مآسٍ وفواجع، وبطولات وتضحيات، بدأ يوم دفنا استقلالنا الوليد في وادي ميسلون، ورجعنا كما يرجع الأب الثاكل من جنازة ابنه الوحيد، قد ذهب من يديه كل شيء.

    ولكنا ما قعدنا، ما استلقينا على كراسينا، ولا هجعنا في سررنا، فنمنا نحلم بالجلاء، ثم صحونا، فإذا الحلم قد صار حقيقة، ولكن جالدنا وجاهدنا، على ضعفنا وقلتنا وقوة عدونا وكثرة جنده ووفرة عتاده.

    يا أيها الذين عادوا من ميسلون بقلوب كسيرة، ونظروا إلى موكب الغاصب بعيون دامعة، وحملوا الظلم بأعصاب صابرة، وشاهدوا جبروت المحتل وطغيانه ووحشيته، والصرح الذي أقاموه على عزائم سواعدهم، وسقوه دماء قلوبهم...

    إننا نحمد الله إليكم، تبارك اسمه، وجل جلاله، فقد أكمل نعمته، وأتمّ منته، وأخرج الفرنسيين من الشام كله فلم يبقَ منهم أحد.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:240
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:66
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك