• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 15-08-2018
  • المؤلف: محمد آيت حنا
  • الناشر: توبقال للنشر
  • عدد الصفحات:144
  • عدد الاستماع للحلقة: 30
  • الفلاّحون لا يضعون الكتب في المكتبات: سواء اختار الباحثُ طريقَ صعوده غرباً باتجاه سلالة أمي أو شرقاً باتجاه أجدادي لأبي، لن يكون بمقدوره أن يهتدي بغير حاسة الشمّ، ولن يشمّ إلا التراب: الجميع فلاحون. ولا أحد منهم يذكر بالتحديد أوّل من قرأ أو ..
    05
    فبراير
  • 111: أعترف بأنني قد عشت
  • كتب في: 05-02-2018
  • المؤلف: بابلو نيرودا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:426
  • إن هذه المذكرات أو الذكريات متقطعة تتناوب على فترات كثيرة السهو، النسيان، لأنه هكذا سُنّة الحياة. إن تعاقب الحلم يجعلنا نقوى على تحمل مشقات العمل. حين أستحضر الذكريات أجدُ أن كثيراً منها قد امّحى وعفا وغدا غُباراً ليس يهدأ كمثل زجاج جريح ليس يبرأ. إن مذكرات كاتب المذكرات ليست مذكرات الشاعر، ذلك ربما لأنه عاش أقل من الشاعر، لكنه التقط صوراً أكثر منه، فهو لذلك يمتعنا بالجزئيات المتقنة المهذبة، بينما الشاعر يمنحنا معرضاً من الأشباح المهتزة المتراوحة بين النار والظل كانعكاس لعصر الشاعر. ربما أني لم أعش في ذاتي، ربما عشت حيوات الآخرين. حياتي هي حياة صيغت من كل الحيوات: حيوات الشاعر. طفولة وشعر: سوف أشرع في الكلام عن أيام طفولتي وأعوامها قائلاً، إن المطر كان لي الشخصية الوحيدة التي لا أنساها

    إن هذه المذكرات أو الذكريات متقطعة تتناوب على فترات كثيرة السهو، النسيان، لأنه هكذا سُنّة الحياة. إن تعاقب الحلم يجعلنا نقوى على تحمل مشقات العمل. حين أستحضر الذكريات أجدُ أن كثيراً منها قد امّحى وعفا وغدا غُباراً ليس يهدأ كمثل زجاج جريح ليس يبرأ.

    إن مذكرات كاتب المذكرات ليست مذكرات الشاعر، ذلك ربما لأنه عاش أقل من الشاعر، لكنه التقط صوراً أكثر منه، فهو لذلك يمتعنا بالجزئيات المتقنة المهذبة، بينما الشاعر يمنحنا معرضاً من الأشباح المهتزة المتراوحة بين النار والظل كانعكاس لعصر الشاعر. ربما أني لم أعش في ذاتي، ربما عشت حيوات الآخرين. حياتي هي حياة صيغت من كل الحيوات: حيوات الشاعر.

    طفولة وشعر: سوف أشرع في الكلام عن أيام طفولتي وأعوامها قائلاً، إن المطر كان لي الشخصية الوحيدة التي لا أنساها. مطر القطب الجنوبي الغزير الذي يهطل مثل شلال من قطب "بولو"

    تجاه داري، الشارع أمسى بحراً هائلاً من الوحول. أرى عبر النافذة ومن خلال المطر عربة قد أوحلت في وسط الشارع. وهناك فلاحٌ ملتف بعباءة سوداء يسوط الثيران التي لم تعد تقوى على المضي بين المطر والوحل.

    والداي هما من بلدة "بارال" حيث ولدت أنا، هناك، وسط تشيلي، ماتت أمي بعد ولادتي بشهر، هلكت أمي بمرض السل، أمي لم تعد توجد.

    تزوج والدي للمرة الثانية بالسيدة (ترينداد كانديا)، فغدت بهذا خالتي زوجة أبي. يبدو لي شيئاً مستحيلاً قبيحاً أن يُطلق هذا الاسم على الملاك الذي كفل طفولتي وحدب عليها. لقد كانت امرأة نشيطة عذبة، كان لها روح الدعابة الريفية وكان لها طيبة حيوية متجددة فيّاضة.

    كنت آخذُ بالنمو جسماً وعقلاً، وراحت تُثير اهتمامي الكتب وراحت تجول روحي عبر مناطق الحلم في حماسة. أما أوائل الحب النقيّة جداً فقد كانت تفيض في رسائل موجهة على (بلانكا ويلسون). وكانت هذه الفتاة هي ابنة حداد البلدة الشهير، وبناء على طلب أحد الفتيان التائهين في حُبها كنت أكتب باسمه هذه الرسائل الغرامية إليها. لم أعد أذكر كيف كانت هذه الرسائل، لكن ربما أنها كانت باكورة أعمالي الأدبية، إذا إنه، ذات مرة، سألتني زميلتي الفتاة المعنية عمّا إذا كنتُ أنا هو من كان يصوغ هذه الرسائل الغرامية التي كانت ينتحلها عاشقها حين يحشرها في يدها، ما كُنتُ لأجرؤ على إنكار أعماليّ الأدبية، وبتلكؤ أجبتها أن أجل. إذ ذاك ناولتني سفرجلة لم أشأ أن أقضمها فاحتفظت بها وكأنها كنزٌ ثمين، وهكذا، وقد أَجْلَتْ عن قلبها صاحبي، حللتُ موضعه فمضيتُ أدبج لها رسائل غرامية لا تنضب ولا تنتهي ورحت أكنزُ سفرجلة إثر سفرجلة.

    ما كان صبيان المدرسة يعرفون أني شاعر، وإن عرفوا ما كانوا يُقدّرون لي هذه الموهبة.

    لقد سُئلت مرات عديدة متى كتبت أولى قصائدي، متى وِلد فيّ الشعر.

    سأحاول أن أتذكر ذلك. في مهتبل طفولتي وفي بداية تعلّمي الكتابة، شعرت ذات مرة بعالج عارم فسطرت بضع كلمات شبه مسجوعة، عَجبتُ لها ومنها فقد كانت مختلفة متميزة عن الحديث اليوميّ والكلمات الأليفة. أعدتُ نسخها في خطٍ أنيق بعد أن شذبتها، كنت حينذاك أسيرُ جِوىٌ عميق، سجينُ شعورٍ ما كنتُ شعرت به من قبل البتة، نوعٌ من الكآبة والأسى. كانت قصيدة موجهة إلى أُميّ، أي إلى المرأة التي كنتُ أدعوها أمي، إلى خالتي زوجة أبي الملائكية التي حمى ظلها الخفيف اللطيف طفولتي. ما كنت بقادر على تقييم قصيدتي، أخذتها إلى والديّ، كانا في غرفة الطعام غارقين في حديث من أحاديثهما هذه التي كانا يهمسان بها همساً خفيضٌ جداً. مددتُ لهما الورقة ذات السطور، وكنت ما زلت أرتعد من هول زيارة الوحي الأولى، تناولها والدي وهوه ساهٍ غافل، فقرأها وهو ساهٍ غافل، أعادها لي وهو ساهٍ غافل، ثم قال:

    • من أين استنسختها؟

    وتابع حديثه مع أمي في صوتٍ خفيض عن شؤونهما المهمة العاجلة والآجلة.

    هكذا ولدت أولى قصائدي وهكذا تلقيت أولى عينات النقد الأدبي الغافل الساهي.

    ضائعاً في المدينة: بعد عدة سنوات قضيتها في المدرسة حيث كنت دائماً أتعثر في شهر كانون الأول بامتحان الرياضيات، أصبحتُ مهيأ خارجياً، لمواجهة الجامعة في "سانتياغو" بتشيلي. أقول خارجياً لأنه داخلياً كان رأسي مليئاً بالكتب وبالأحلام والقصائد التي كانت تئز كالنحل.

    مجهزاً بصندوق من صفيح، بالبدلة التي لا غنى عنها، بدلة الشاعر السوداء، نحيلاً جداً ومبرياً كشفار، صعدت في الدرجة الثالثة للقطار الليلي الذي كانت رحلته تستغرق يوماً بليله ونهاره في الوصول إلى "سانتياغو".

    لقد نُصحت قبل المجيء من قريتي باستئجار غرفة في بيت يقع في شارع "ماروري" في الشارع المذكور أعلاه وعلى شرفة غرفتي كنت أجلس أُراقب حشرجة المساء، أُجلي النظر في السماء، ألمح كآبة أسطحة منازل ضواحي المدينة.

    حياة الطلبة في غُرف الإيجار خلال تلك السنين العجاف كانت جوعاً على جوع. كتبتُ شعراً أكثر مما كنتُ كتبت من قبل لكنني كنت أكل أقل بكثير.

    الخجل: إن الحقيقة هي أنني عشت خلال كثر من سنواتي الأول، قد تكون سنوات العقد الأول والثاني من حياتي، كأنني أصمٌ أبكم.

    إن الخجل لهو طبعٌ غريب، إنه لمرتبة، إنه لمدى يطلُ على الوحدة والشعور بالانفراد والعزلة.

    لقد استغرق تثاقلي في المسير، إغراقي في التفكير المستديم فترة أكثر مما يجب. عندما قدمت إلى العاصمة تباطأت في كسب الصديقات والأصدقاء. كلما أولاني أحدهم أهمية أقل أوليته صداقتي بسهولة أقل. ما كان عندي إذاك فضولية في التعرف على النوع البشري. لا أستطيع أن أتعرف على أُناس هذا العالم كلهم، كنت أقول في نفسي. وهكذا نشأت في بعض الأوساط فضولية شاحبة حول هذا الشاعر الجديد ذي 16 سنة من العمر أو أكثر قليلاً، فتى منطو منعزل يُرى في مجيئه وذهابه وهو صامت ساهم لا يُلقي السلام ولا يرد التحية. بالإضافة إلى أنني كنت أرتدي بردة طويلة من الطراز الإسباني تجعلني أشبه شيء بفزاعة عصافير. ما كان أحدٌ يظن أن ردائي الفضفاض هذا كن نتاجاً مباشراً لفقري وعوزي.

    صفقات كبيرة: نحنُ الشعراء نُفكر دائماً بأن لدينا أفكاراً عظيمة لكي نُثريّ ونُغْنيّ، وأننا عباقرة في التخطيط لصفقات تجارية مع أن الآخرين لا يُدركون عبقريتنا. أذكر أنني، مدفوعاً بفكرة من هذه التشكيلة المزدهرة في حديقة الأفكار، بعتُ على ناشرٍ في تشيلي عام 1924 حقوق نشر كتابي "شفقيات" وملكيته لا لطبعة واحدة بل إلى الأبد، ظاناً بأني سوف أُثري بهذه الصفقة، فوقعت العقد أمام كاتب بالعدل ودفع لي هذا المخلوق مبلغاً قدره خمسمائة "بيسو" عداً ونقداً، وهي تساوي في تلكم الأيام أقل من خمسة دولارات.

    أوائل كتبي: التجأت إلى الشعر في سرعة الخائف الوجل. كانت ترفرف فوق "سانتياغو" الدارس الأدبية الجديدة. في شارع "ماروري"، انتهيت من كتابة ديواني الأول. كنت أكتب قصيدتين، ثلاثاً، أربعاً، خمساً، في اليوم الواحد.

    في عام 1923، نُشر ديواني الأول "شفقيات". كي أدفع تكاليف الطباعة كنتُ أواجه كل يوم صعوبات جمّة وأُحقق انتصارات عظيمة، أثاثي القليل بيع، إلى دار الرهائن على عجل مضت ساعتي التي كان والدي قد أهداني إياها في وقار وجلال، إذ أنها كانت ساعته الخاصة به. ولحقت بالساعة بدلة الشاعر السوداء. لقد صاحب المطبعة رجلاً لا يرحم ولا يشفق إذ أنه بعد أن أصبحت الطبعة جاهزة والأغلفة ملصقة، قال لي في نَفس الخاسر: "لن تأخذ منه ولا نسخة واحدة حتى تدفع لي قبل كل شيء التكاليف كلها". ساهم الناقد الأدبي (الونه Alone) في سخاء بدفع ما تبقى عليّ، وخرجتُ إلى الشارع وكتبي على منكبيّ بحذاء مهترئ مُمزق، مجنوناً من الغبطة والطرب.

    يا لديواني الأول! كان رأيي دائماً هو أن عمل الكاتب ليس لغزاً ولا هو بالمأساوي، بل إنه على الأقل بالنسبة للشاعر، عملٌ شخصيّ، ذو منفعة عامة. إن ما هو أكثر شبهاً بالشعر، هو رغيف خبزٍ أو وعاءٍ خزفي أو حفرٌ على الخشب مشغولٌ في طراوة وحنان، ولو أن الأيدي التي تصنع هذه التحف كانت بليدة غير متقنة. بيد أني أعتقد أنه ليس ثمة من صانع واحد يشعر، كما يشعر الشاعر، لمرة واحدة خلال حياته كلها، هذا الشعور الثمل نحو أول خلق ابتدعته يداه وجناه تيه أحلامه الذي لما يزال خافقاً دافقاً لحظة الإبداع. إنها لحظة أبداً لن تعود مرة أخرى، أعني لحظة الإبداع الأولى والفرح الأول بأول كتاب.

    لماذا نيرودا: حين كان لي من العمر أربع عشرة سنة كان والدي يضطهد نشاطي الأدبي في إمعان وتعنت، إذ لم يكن يُرضيه أن يكون لهُ ولدٌ شاعر. كي أخفي أوائل أشعاري فقد بحثت لي عن لقبٍ أتبناه لأنشر به هذه الأشعار، وبهذا يعمَه والدي عن تبيان جلية الأمر، فعثرتُ في إحدى المجلات على هذا الاسم التشيكي دون أن أدري إنه اسم كاتب كبير يجلّه شعبٌ بكامله، وأن له نصباً تذكارياً مُنتصباً في حي "مالا سترانا" ببراغ. ما أن وصلت بعد سنين كثيرة، إلى تشيكوسلوفاكيا، حتى هرعت فوضعت زهرة عند أقدام تمثاله المُلتحي.

     

    قُنصل لتشيلي في جُحر: جائزة أدبية طلابية، بعضٌ من الشهرة لكتبي الجديدة، بردتي الشهيرة، كل هذا منحني هالة من الوقار والاحترام.

    والحقيقة هو أنه ما إن حزتُ على شيء من الشهرة في مستهل شبابي، حتى بدأ الناس، يسألونني إن رأوني في أحد الشوارع أو الأماكن: "لكن، ماذا تفعل هنا؟ عليك أن تذهب إلى باريس".

    لقد توسط لي صديق لدى رئيس دائرة في وزارة الشؤون الخارجية، فاستقبلني هذا الرئيس أحسن استقبال، إذ أنه كان قد قرأ شعري. وبعد ساعة من الحديث الأدبي والفني، قال لي: اعتبر نفسك من الآن مُعيناً لمنصب في الخارجية.

    كنت أتردد خلال سنتين كاملتين إلى دائرة هذا الرئيس الديبلوماسي الكيّس، وهو في كل مرة أكثر كرماً وترحيباً. ولدى توديعي يعيد على مسمعي هامساً، كما لو كان الأمر سراً بين اثنين لا يجوز البوح به، أن لا أحزن أو أقلق وأن منصبي في الخارج أكيد. مع أني كنتُ في عَوزِ وأحتاج إلى المال لكي آكل على الأقل، فقد كنت أخرجُ من عنده راضياً، أستنشق الهواء كأني وزير أو مستشار. وحين كان يسألني أصدقائي "ماذا كنت تعمل هذا اليوم؟" أجبت بأني أُعد نفسي للسفر إلى أوروبا.

    لقد دام هذا الأمر إلى أن التقيت صدفة بصديقي (بيانتشي). سألني صديقي هذا الذي كان سفيراً يعرف الأسرار الوزارية والديبلوماسية:

    • ألم يصدر تعيينك حتى الآن؟
    • سوف أحصل عليه بين لحظة وأخرى، كما أكد لي ذلك أحد حماة الفنون والآداب ممن يعملون في الوزارة.
    • ابتسم لي ثم قال:
    • هيا بنا إلى الوزارة.

    حين التقيت من بعد بأصدقائي الشعراء، وأرادوا الاحتفال بتعييني، حصل إن نسيت كُليّاً اسم المدينة، ما استطعت إلا أن أقول لهم بأنني عُيّنت قُنصلاً في الشرق الخرافي وأن المكان الذي عُيّنت فيه يوجد في جُحر من الخارطة.

    لم تكن حياتي الرسميّة تشتغل إلا مرة واحدة كل ثلاثة أشهر. فلقد كان عليّ حين يصل مركب إلى "كالكوتا" وهو ينقل زيت القطران (برفين) الصلب وأسفاطاً كبيرة من الشاي إلى تشيلي، أن أختم وأوقع وثائق وأوراقاً بسرعة محمومة. من بعد تمر ثلاثة أشهر أخرى من البطالة والعطالة، من التأمل الصوفي في أسواق ومعابد. هذه هي أكثر فترة أليمة في شعري.

    إسبانيا في القلب: سفرٌ طويل عبر البحر أعادني إلى تشيلي عام 1932. هناك في تشيلي نشرت ديواني "حامل المقلاع المتحمس" الذي كان مبعثراً بين أوراقي، ونشرت كذلك ديواني "مقام الأرض" الذي نظّمته في الشرق. في عام 1933 عُيّنت قنصلاً لتشيلي في "بونيس أيرس".

    مكثت زمناً طويلاً في قنصلية تشيلي ببونيس أيرس. ثم نُقلت في بداية عام 1934 إلى قنصليتنا في برشلونة بأسبانيا. كان السيد (توليو ماكييرا) هو رئيسي في عملي الجديد، إذ أنه كان قنصلاً عاماً لتشيلي. قال لي:

    بابلو، يجب أن تعيش في مدريد، هناك الشعر. حين وصلت إلى مدريد وقد غدوت في ليلة وضحاها وبفن الخفة قنصلاً لتشيلي في عاصمة إسبانيا، تعرّفت فيها على أصدقاء (فيديريكو غارثيا لوركا) و(رفائيل البرتي) جميعهم. كانوا كثيرين، خلال بضعة أيام وإذ بي أُصبح شاعراً أسبانياً آخر بين الشعراء الأسبان.

    وصل ذات يوم إلى بيتي الشاعر (مانويل التولاغيره) الذي كان يمتلك مطبعة، وكان عنده ميل لأن يكون طابعاً فيها هو بنفسه، وحكى لي أنه ينوي إصدار مجلة شعريّة بديعة تمثل أحسن ما في أسبانيا من شعر وأفضله.

    ليس إلا ثمة شخصٌ واحد يمكن له أن يُدير هذه المجلة – قال لي – وهذا الشخص هو أنت.

    أنا مخترع ملحمياً لمجلات سرعان ما تركتها أو تركتني. في عام 1925 أسست مجلة دعوتها "حصان ذو رحال".

    أجل يا مانوليتو! إني أقبل بإدارة المجلة.

    أخرجتُ من مجلتي "حصانٌ أخضر" خمسة أعداد مُتقنة في جمال لا يُشك فيه. ومكث العدد السادس في شارع "بيرياتو" دون تصفيف ولا ترتيب. كانت المجلة ستظهر إلى النور يوم التاسع عشر من تموز عام 1936، لكن في ذلك اليوم امتلأ الشارع باروداً ودخاناً. جنرال غير معروف قد تمرد على الحكم الجمهوري في محميته بأفريقيا.

    كل شيء بدأ بالنسبة لي ليلة التاسع عشر من تموز عام 1936. كان يعمل شاب تشيلي لطيف ومغامر متعهداً في السيرك الكبير. صرحت له بتحفظاتي حول جدية هذه الألعاب "الرياضية" فأقنعني أن أذهب إلى السيرك وأصطحب (غارثيا لوركا) معي لنتأكد من أصالة هذا الاستعراض الجميل. أقنعت (لوركا) واتفقنا أن نتلاقى هناك في ساعة محددة.

    تخلف (لوركا) عن الموعد، كان قد راح يلقى حتفه، موعده كان مع مردة وسفاحين آخرين. هكذا بدأت حربُ إسبانيا التي غيّرت شعري، لقد بدأت بالنسبة لي باختفاء شاعر. وأي شاعر! أبدأ لم أرى مثله اجتمعت فيه اللطافة والعبقرية. كان خلاصة أعمار إسبانيا وعهودها، صفوة الازدهار الشعبي، نتاجاً عربياً – أندلسياً يُنير ويفوح مثل أيكة ياسمين على مسرح إسبانيا، كان كل هذا، يا ويلتي لقد اختفى ذلك المسرح فأواه وآه.

    لقد كان يفتنني (لوركا) بقدرته العظيمة على الاستعارات والمجازات، وكان يهمني أن أقرأ كل ما كان يكتبه، وهو كان يطلب مني أن أقرأ له آخر ما كتبته من قصائد، وحين أكون في منتصف القراءة يُقاطعني صارخاً: "لا تستمر، لا تستمر، إذ أنني أتأثرُ بك".

    كانت الحرب الأهلية في إسبانيا تمضي من سيء إلى أسوأ، لكن روح المقاومة لدى الشعب الإسباني كانت قد عدت العالم قاطبة بصمودها وثباتها.

    نحن في باريس عام 1937، والأمر الرئيسي كان هو الإعداد لمؤتمر ضد الفاشية يحضره الكُتّاب من أنحاء العالم قاطبة. كنتُ قد نُحيّت عن عملي القنصلي وهذا معناه أني بقيت بلا سينتيم واحد. فعملتُ بأجرة قدرها أربعمائة فرنك فرنسي قديم في جمعية الدفاع عن الثقافة التي كان يديرها (أراغون). كان لزوجتي (ديليا ديل كاريل) في ذلك الحين، ولسنين طويلة، شهرة بأنها غنية، مالكة، مخولة، لكن ما هو أكيد أنها كانت أكثر فقراً مني.

    لقد اعتبرت نفسي دوماً شخصية ذات أهمية ضئيلة، وبخاصة في ما يتعلق بالقضايا العملية والمهام العالية، لذلك فقد بقيت مشدوهاً، بفم مفتوح، حين وصلني أمر مصرفي جاء من الحكومة الإسبانية بمبلغ كبير من المال لتغطية مصاريف المؤتمر، بما فيها ثمن تذاكر سفر المؤتمرين والمندوبين القادمين من أقطار أخرى، وفعلاً فقد بدأ الكُتّاب يفدون بالعشرات إلى باريس.

    لقد حرت ماذا أستطيع أن أعمل بهذا المبلغ من المال؟ آثرت أن أُحوله إلى المنظمة التي كانت تعد لها المؤتمر.

    حتى إني ما رأيت هذا المبلغ من المال، ولو قبضته لما كنت قادراً على التصرف به – قلت ذلك لــ(رفائيل البرتي) الذي كان يمر بباريس في تلك الأيام.

    أنت غبيٌ جداً – أجابني (رفائيل) – تخسر منصبك القنصلي في سبيل إسبانيا، وتمشي بأحذية مفتقة ولا تُخصص لنفسك من هذا المبلغ بضعة آلاف من الفرنكات لمصاريفك الضرورية لقاء عملك.

    نظرتُ إلى حذائي فرأيت أنه فعلاً كان مفتوقاً، فأهدى إليّ البرتي زوجاً من الأحذية الجديدة.

    الوطن في دياجير: لقد أسرعت وزارة الخارجية فوافقت على استقالتي من عملي.

    إن انتحاري الديبلوماسي منحني الفرح الأكبر: فرح أنني أستطيع العودة إلى تشيلي. إني لأعتقد في أن الإنسان يجب أن يعيش في وطنه وأومن أن اجتثاث المرء من جذوره، واستئصال البشر من تربتها، لهما خيبة تعكر وضوح الروح وإحباطاً يُفسد جلاء النفس. أنا لا أستطيع العيش إلا في أرضي نفسها، أنا لا أستطيع الحياة دون أن أضع قدميّ ويديّ وسمعي في تربة وطني، أنا لا أستطيع التنفس دون أن أحس بدوران مياهها وظلالها.

    لقد وصلت من جديد في نهاية عام 1943 إلى "سانتياغو"، فنزلت في منزلي الذي استطعت تملكه على مدى فترة طويلة بفضل تحسبي لما قد يجيء به المستقبل. في هذا المكان ذي الأشجار الكبيرة السامقة جمعت كتبي وبدأت مرة أخرى الحياة الصعبة.

    لقد بحثت من جديد عن جمال وطني، جمال الطبيعة العنيف، عن روعة النساء في بلدي، عن أعمال زملائي عن ذكاء بني وطني.

    لم يكن البلد قد تغير أو تبدل، أرياف وضيّع غافية، فقرٌ مُريع في المناطق المنجمية.

    لقد سبب لي قراري الذي اتخذته اضطهاداً وملاحقة.

    وأي شاعرٍ يندم؟

    إن الصحفي (كورثيو مالابارت) الذي أجرى معيّ مقابلة بعد سنوات مضت على ما سأرويه الآن، قال في مقالة، مصيباً: "لستُ شيوعياً، لكنني لو كنتُ شاعراً تشيلياً لأصبحتُ شيوعياً، كما فعل (بابلو نيرودا)، يجب على المرء هنا في تشيلي أن يتحزب في سبيل الفقراء، في سبيل من هم بلا مدرسة وبلا حذاء".

    لقد اختارني هؤلاء الناس الذين هم بلا مدرسة وبلا حذاء نائباً في مجلس الشيوخ عام 1945، إني سأظل أفتخر مدى حياتي بأن الذين صوتوا لي هم آلاف من التشيلين يعيشون في أقصى منطقة بتشيلي: منطقة المناجم الكبيرة، مناجم النحاس وملح البارود.

    كان عليّ أن أصعد من الصحراء إلى سلسلة الجبال، أن أدخل في كل بيت فقير، أن أعرف الأعمال اللاإنسانية التي يتعرضون لها، أن أشعر أنني مستأمن على آمال الإنسان المنعزل المضطهد المغمور، إن كل هذا ليس بمسؤولية سهلة وعادية. غير أن شعري استطاع أن يفتح طريقاً للاتصال فاستطعت أن أمشي وأن أجري وأن أُستقبل على أني أخ وفيّ من لدن مواطني الذين يعيشون في ظروف صعبة وحياة قاسية صلبة.

    لقد كانت خطاباتي عنيفة دوماً وكانت قاعة مجلس الشيوخ مليئة دائماً بالناس الذين يأتون ليسمعوني. لكن، بعد مضيّ وقت قليل على انتخابي وعضويتي وخطبي، طُلب من المجلس طردي فطُردت منه ووجه الأمر إلى الشرطة باعتقالي.

    بيد أننا، نحن الشعراء، نملأ بين جواهرنا الأصيلة، ذاتاً مصنوعة في معظمها من نار ودخان.

    كنت أُبدل داراً بدار في كل يوم تقريباً. في الجهات جميعها كانت الأبواب تنفتح كي تحميني. كان ثمة دائماً أُناس لا أعرفهم يُعبرون عن رغبتهم في إيوائي لعدة أيام. فعبرت قرى، حقولاً، موانئ، مدناً، مخيمات، كذلك بيوت فلاحين، مهندسين، محامين، عمال مناجم، أطباء، بحارة.

    خرجنا بعد أن حلّ الليل في سيارة، كان يقودني فيها صديقي الدكتور الذي كان في ذلك الوقت طبيباً للشرطة الآلية، بسيارته حتى ضواحي "سانتياغو" وهناك أصبحت في عهدة منظمة الحزب التي أعدت لي سيارة أخرى صالحة للسفر الشاق الطويل.

    خص مهجور بيّن لنا الحدود بما كُتب عليه، هأنذا أغدو حُرّاً طليقاً. كتبت على حائط الكوخ: "إلى اللقاء، يا وطني، أرحل وأنت معيّ.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:1
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:621
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:312
  • عرض التعليقات
  • jimosa4xf2@hotmail.com
  • jimosa4xf2@hotmail.com
  • ydpaef http://www.lnaj7k8qspfmo2wq8go.com
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك