• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 455
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    08
    اغسطس
  • 117: النبأ العظيم
  • كتب في: 08-08-2018
  • المؤلف: محمد درّاز
  • الناشر: الأهلية
  • عدد الصفحات:277
  • تحديد معنى القرآن: المعنى اللغوي والاشتقاقي لكلمتيّ "قرآن" و"كتاب": معنى القرآن في اللغة: القرآن في الأصل مصدر على وزن فعلان بالضم، كالغفران والشكران، وقد جاء استعمال القرآن بهذا المعنى المصدري في قوله تعالى: (إنّ علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأنه فأتبع قرآنه) أي قراءته. ثم صار علماً شخصياً لذلك الكتاب الكريم. ويسمى أيضاً الكتاب، ومنه قوله تعالى: (الم * ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه) روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. في بيان مصدر القرآن: ولإثبات أنه من عند الله بلفظه ومعناه: لقد علم الناس أجمعون علماً لا يخالطه شك أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان ر

    تحديد معنى القرآن:

    المعنى اللغوي والاشتقاقي لكلمتيّ "قرآن" و"كتاب":

    معنى القرآن في اللغة: القرآن في الأصل مصدر على وزن فعلان بالضم، كالغفران والشكران، وقد جاء استعمال القرآن بهذا المعنى المصدري في قوله تعالى: (إنّ علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأنه فأتبع قرآنه) أي قراءته.

    ثم صار علماً شخصياً لذلك الكتاب الكريم.

    ويسمى أيضاً الكتاب، ومنه قوله تعالى: (الم * ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه)

    روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.

    في بيان مصدر القرآن:

    ولإثبات أنه من عند الله بلفظه ومعناه: لقد علم الناس أجمعون علماً لا يخالطه شك أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربيّ ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواترة به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتابٍ غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض.

    أما بعد، فمن أين جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ أمن عند نفسه ومن وحيّ ضميره، أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟

    نقرأ في هذا الكتاب ذاته أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين: ذلكم هو جبريل عليه السلام تلقاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربيّ مبين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصاً من النصوص، ولم يكن له فيه من عملٍ بعد ذلك إلا الوعيّ والحفظ ثم الحكاية والتبليغ ثم البيان والتفسير ثم التطبيق والتنفيذ.

    أما ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منهما بسبيل، وليس له من أمرهما شيء إن هو إلا وحيٌ يوحى.

    وهكذا سماه القرآن حيث يقول: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما اتبعُ ما يوحى إليّ من ربيّ)

    طرف من سيرته العامة صلى الله عليه وسلم:

    1. هذا طرف من سيرته بإزاء القرآن، وكلها شواهد ناطقة بدقة في أن القرآن لم يصدر عنه، بل ورد إليه، وأنه لم يفض عن قلبه بل أُفيض عليه، فإذا أنت صعدت بنظرك إلى سيرته العامة لقيت من جوانبها مجموعة رائعة من الأخلاق العظيمة. وحسبك الآن منها أمثلة يسيرة إذا ما تأملتها صورّت لك إنساناً الطُهر ملء ثيابه، والجدُّ حشو إهابه، يأبى لسانه أن يخوض فيما لا يعلمه، وتأبى عيناه أن تخفيا خلاف ما يُعلنه، ويأبى سمعه أن يُصغي إلى غلو المادحين له، تواضعٌ هو حيلة العظماء، وصراحة نادرة في الزعماء، وتثبتٌ قلما تجده عند العلماء، فأنى من مثله الختل أو التزوير، أو الغرور أو التغرير؟ حاشا لله!

    2. كان عبد الله بن أبي السرح أحد النفر الذين استثناهم النبي من الأمان يوم الفتح لفرط إيذائهم للمسلمين وصدهم عن الإسلام، فلما جاء إلى النبي لم يُبايعه إلا بعد أن شفع له عثمان رضي الله عنه ثلاثاً، ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجلٌ رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله؟" فقالوا: ما ندري ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك! فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين".

    3. لما توفي عثمان بن مظعون رضي الله عنه قالت أم العلاء – امرأة من الأنصار: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال عليه الصلاة والسلام: "وما يدريك أن الله أكرمه؟!" فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: أما هو فقد جاءه اليقين، والله إي لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي". قالت: فو الله لا أُزكيّ أحداً بعده أبداً. ومصداقه في كتاب الله تعالى: (قل ما كنتُ بِدعاً من الرسلِ وما أدري ما يُفعلُ بي ولا بكم).

    ما الذي كان يمنعه أن يتقول ما يشاء في شأن ما بعد الموت وهو لا يخشى من يراجعه فيه، ولا يهاب حكم التاريخ عليه؟! بل منعه الخُلقُ العظيم، وتقدير المسئولية الكبرى أمام حاكم آخر أعلى من التاريخ وأهله (فلنسئلنَّ الذين أُرسل إليهم ولنسئلن المُرسلين * فلنقصنّ عليهم بعلمٍ وما كُنا غائبين)

    نعم؛ إنها لعجيبة حقاً: رجلٌ أُميّ بين أظهر قومٍ أُميين، يحضر مشاهدهم – في غير الباطل والفجور – ويعيش معيشتهم مشغولاً برزق نفسه وزوجه وأولاده راعياً بالأجر، أو تاجراً بالأجر، لا صلة له بالعلم والعلماء؛ يقضي في هذا المستوى أكثرَ من أربعين سنة من عمره، ثم يطلع علينا فيما بين عشية وضحاها فيكلمنا بما لا عهد له به في سالف حياته، ويُبدي لنا من أخبار تلك القرون الأولى مما أخفاه أهل العلم في دفاترهم وقماطرهم. أفي مثل هذا يقول الجاهلون: إنه استوحى عقله واستلهم ضميره؟ أي منطق يسوغ أن يكون هذا الطور الجديد العلميّ نتيجة طبيعية لتلك الحياة الماضية الأمية؟ إنه لا مناص في قضية العقل من أن يكون لهذا الانتقال الطفري سرٌ آخر يُلتمس خارجاً عن حدود النفس وعن دائرة المعلومات القديمة.

    وإن ملاحدة الجاهلية وهم أجلاف الأعراب في البادية كانوا في الجملة أصدق تعليلاً لهذه الظاهرة وأقرب فهماً لهذا السر من ملاحدة هذا العصر، إذ لم يقولوا كما قال هؤلاء: إنه استقى هذه الأخبار من وحيّ نفسه، بل قالوا: إنه لا بد أن تكون قد أُمليت عليه منذ يومئذ علوم جديدة فدرس منها ما لم يكن قدر درس (وكذلك نُصرفُ الآيات وليقولوا درست) (وقالوا أساطيرُ الأولين اكتتبها فهيَ تُملى عليه بُكرةً وأصيلا).

    ولقد صدقوا؛ فإنه درسها، ولكن على أستاذه الروح الأمين، واكتتبها، ولكن من صحف مكرمة مرفوعة مطهرة، بأيديّ سفرة، كرامٍ بررة (قل لو شاء اللهُ ما تلوتهُ عليكم ولا أدراكم به فقد لبثتُ فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون).

    ذلك شأن ما في القرآن من الأنباء التاريخية، لا جدال في أن سبيلها النقل لا العقل، وأنها تجيء من خارج النفس لا من داخلها.

    فأما سائر العلوم القرآنية فقد يُقال: إنها من نوع ما يُدرك بالعقل، فيمكن أن ينالها الذكيُّ بالفراسة، وهذا كلامٌ قد يلوح حقاً في بادئ الرأي، ولكنه لا يلبث أن ينهار أمام الاختبار.

    ذلك أن العقول البشرية لها في إدراك الأشياء طريق معين تسلكه، وحدٌّ محدود تقف عنده لا تتجاوزه. فكل ما لم يقع تحت الحس الظاهر أو الباطن مباشرة، ولم يكن مركوزاً في غريزة النفس، إنما يكون إدراك العقول إياه عن طريق مقدمات معلومة توصل إلى ذلك المجهول، إما بسرعة كما في الحدس، وإما ببطء كما في الاستدلال والاستنباط وكل ما لم تمهد له هذه الوسائل والمقدمات لا يمكن أن تناله يدُ العقل بحال، وإنما سبيله الإلهام أو النقل عمن جاءه ذلك الإلهام.

    فهل ما في القرآن من المعاني غير التاريخية كانت حاضرة الوسائل والمقدمات في نظر العقل؟

    ذلك ما سيأتيك نبؤه بعد حين، ولكننا نعجل بمثالين من تلك المعاني:

    أحدهما: قسم العقائد الدينية

    والثاني: قسم النبوءات الغيبية

    فأما أمر الدين فإن غاية ما يجتنيه العقل من ثمرات بحثه المستقل فيه، بعد معاونة الفطر السليمة له، هو أن يعلم أن فوق هذا العالم إلهاً قاهراً دبره، وأنه لم يخلقه باطلاً، بل وضعه على مقتضى الحكمة والعدالة، فلا بد أن يعيده كرة أخرى؛ لينال جزاء عمله؛ إن خيراً وإن شراً. هذا هو كل ما يناله العقل الكامل من أمر الدين، ولكن القرآن لا يقف في جانبه عند هذه المرحلة، بل نراه يشرح لنا حدود الإيمان مفصلة، ويصف لنا بدء الخلق ونهايته، ويصف الجنة وأنواع نعيمها، والنار وألوان عذابها، كأنهما رأي عين، فعلى أية نظرية عقلية بُنيت هذه المعلومات وتلك الأوصاف؟ إن ذلك ما لا يوحي به العقل بتة، بل هو إما باطل فيكون من وحي الخيال والتخمين، وإما حق فلا ينال إلا بالتعليم والتلقين، لكنه الحق الذي شهدت به الكتب واستيقنه أهلها. (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكةً وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا)

    أما النبوءات الغيبية فهل تعرف كيف يحكم فيها ذو العقل الكامل إنه يتخذ من تجاربه الماضية مصباحاً يكشف على ضوئه بضع خطوات من مجرى الحوادث المقبلة، جاعلا الشاهد من هذه مقياساً للغائب من تلك، ثم يصدر فيها حكمه محاطاً بكل تحفظ وحذر، قائلاً: "ذلك ما تقضي به طبيعة الحوادث لو سارت الأمور على طبيعتها ولم يقع ما ليس في الحسبان". أما أن يبت في الحكم بتاً ويحدده تحديداً حتى فيما لا تدل عليه مقدمة من المقدمات العلمية، ولا تلوح منه أمارة من الأمارات الظنية العادية، فذلك ما لا يفعله إلا أحد رجلين: إما رجلٌ مجازف لا يبالي أن يقول الناس فيه: صدق أو كذب، وإما رجل اتخذ عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده. فأي الرجلين تراه في صاحب هذا القرآن حينما يجيء على لسانه الخير الجازم بما سيقع بعد عام وما سيقع في أعوام، وما سيكون أبد الدهر، وما لن يكون أبد الدهر؟ ذلك وهو لم يتعاط علم المعرفة والتنجيم، ولا كانت أخلاقه كأخلاقهم تمثل الدعوى والتقحم، ولا كانت أخباره كأخبارهم خليطاً من الصدق والكذب والصواب والخطأ، بل كان مع براءته من علم الغيب وقعوده عن طلبه وتكلفه، يجيئه عفواً ما تعجز صروف الدهر وتقلباته في الأحقاب المتطاولة أن تنقض حرفاً واحداً مما ينبئ به (وإنه لكتابٌ عزيز * لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفهِ تنزيلٌ من حكيمِ حميد)

    القرآن معجزة لغويّة:

    من كان عنده شيء من الشك في هذه القضية فليأذن لنا أن نستوضحه: فيمَ ذلك الشك؟

    هل حدثته نفسه بأنه يستطيع أن يأتي بكلام في طبقة البلاغة القرآنية؟ أم هو قد عرف من نفسه القصور عن تلك الرتبة، ولكنه لم يعرف عن الناس ما عرف عن نفسه؟

    أم هو يوقن بأن القرآن الكريم كان وما زال معجزة بيانية لسائر الناس، ولكنه لا يوقن بأنه كان معجزاً كذلك لمن جاء به؟

    أم هو يؤمن بهذا كله؛ ولكنه لا يدري: ما أسراره وما أسبابه؟

    فأما إن كان مثار الشبهة عنده أنه زاول شيئاً من صناعة الشعر او الكتابة، وآنس من نفسه اقتداراً في البيان فوسوس له شيطان الإعجاب بنفسه والجهل بالقرآن أنه يستطيع الإتيان بمثل أسلوبه، فذلك ظن لا يظنه بنفسه أحد من الكبار المنتهين، وإنما يعرض – إن عرض – للأغرار الناشئين.

    ومثل هذا دواؤه عندنا نصح نتقدم به إليه أن يُطيل النظر في أساليب العرب، وأن يستظهر على فهمها بدراسة طرف من علوم الأدب، حتى تستحكم عنده ملكة النقد البياني، ويستبين له طريق الحكم في مراتب الكلام وطبقاته، ثم ينظر في القرآن بعد ذلك.

    وأنا له زعيم بأن كل خطوة يخطوها في هذه السبيل ستزيده معرفة بقَدرِه، وستحل عن نفسه عقدة من عقد الشك في أمره؛ إذ يرى هنالك أنه كلما ازداد بصيرة بأسرار اللغة، وإحساناً في تصريف القول، وامتلاكاً لناصية البيان، ازداد بقدر ذلك هضماً لنفسه وإنكاراً لقوته، وخضوعاً بكليته أمام أسلوب القرآن.

    وأما إن كان مدخل الشبهة عنده أنه رأى في الناس من هو أعلى منه كعباً في هذه الصناعة، فقال في نفسه: "لئن لم أكن أنا من فرسان هذا الميدان، ولم يكن لي في معارضة القرآن يدان، لعل هذا الأمر يكون يسيراً على من هو أفصح مني لساناً وأسحرُ بياناً" فمثل هذا نقول له: ارجع إلى أهل الذكر من أدباء عصرك فاسألهم هل يقدرون أن يأتوا بمثله؟ فإن قالوا لك: "لو نشاء لقلنا مثل هذا" فقل: "هاتوا برهانكم!" وإن قالوا: "لا طاقة لنا به" فقل: أي شيء أكبرُ من العجز شهادة على الإعجاز؟

    فإن قال: قد تبينت الآن أن سكوت الناس عن معارضة القرآن كان عجزاً، وأنهم وجدوا في طبيعة القرآن سراً من أسرار الإعجاز يسمو به عن قدرتهم. ولكني لست أفهم أن ناحيته اللغوية يمكن أن تكون من مظان هذا السر؛ لأني أقرأ القرآن فلا أجده يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية: فمن حروفهم ركبت كلماته. ومن كلماته أُلفت جمله وآياته، وعلى مناهجهم في التأليف جاء تأليفه، فأي جديد في مفردات القرآن لم يعرفه العرب من موادها وأبنيتها؟ وأي جديد في تركيب القرآن لم تعرفه العرب من طرائقها ولم تأخذ به في مذاهبها حتى نقول: إن قد جاءهم بما فوق طاقتهم اللغوية؟

    قلنا له: أما أن القرآن لم يخرج في لغته عن سنن العرب في كلامهم إفراداً وتركيباً فذلك في جملته حقٌ لا ريب فيه، وبذلك كان أدخل في الإعجاز، وأوضح في قطع الأعذار (ولو جعلناهُ قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فُصلت آياته أأعجميٌ وعربيّ).

    وأما بعد، فهل ذهب عنك أن مثل صنعة البيان كمثل صنعة البنيان، فالمهندسون البناؤون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، ولا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامة، ولا يعدو ما يصنعونه أن يكون جدراناً مرفوعة، وسقفاً موضوعة وأبواباً مشرعة، ولكنهم تتفاضل صناعتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأبقاها على الدهر...الخ

    كذلك ترى أهل اللغة الواحدة يؤدون الغرض الواحد على طرائق شتى يتفاوت حظها في الحسن والقبول، وما من كلمة من كلامهم ولا وضع من أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة وقواعدها في الجملة. ولكنه حُسن الاختيار في تلك المواد والأوضاع قد يعلو بالكلام حتى يسترعي سمعك، ويُثلج صدرك ويملك قلبك وسوء الاختيار في شيء من ذلك قد ينزل به حتى تمجه أذنك وتغشى منه نفسك وينفر منه طبعك.

    نعم، إن كنت لا تفرق بين كلام وكلام فهذه شهادةٌ حسبك من شهادة، وناهيك أنها شهادة أهل اللغة أنفسهم، بل شهادة الأعداء لعدوهم.

    وأما إن كنت قد أوتيت حظك من معرفة فروق الكلام والتمييز بين أساليبه فاقرأ ما شئت من خطب العرب وأشعارها، وحكمها وأمثالها، متتبعاً في ذلك عصور الجاهلية والإسلام على اختلاف طبقاتها، ثم افتح صفحة من هذا الكتاب العزيز وانظر ماذا ترى؟

    أسلوبٌ عجيب، ومنهج من الحديث فذٌّ مبتكر، كأن ما سواه من أوضاع الكلام منقول، وكأنه بينها على حد قول بعض الأدباء: "وضعٌ مرتجل" لا ترى سابقاً جاء بمثاله، ولا لاحقاً طُبِع على غراره.

     

    القرآن في قطعة قطعة منه:

    القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى: الذي يعمد إلى ادخار لفظه وعدم الإنفاق منه إلا على حد الضرورة لا ينفك من أن يحيف على المعنى قليلاً أو كثيراً، ذلك أنه إما أن يؤدي لك مراده جملة وتفصيلا، فيكون سبيله سبيل من يقول في باب المحاجة "صدقوا أو كذبوا" وفي باب الوصف "حسنٌ أو قبيح" وفي باب الإخبار: "كان أو لم يكن" وفي باب الطلب "افعل أو لا تفعل" لا زائد على ذلك.

    والذي يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره؛ وإبراز كل دقائقه "بقدر ما يحيط به علمه وما يؤديه إليه إلهامه" لا يجد له بداً من أن يمد في نفسه مداً؛ لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره، ويؤدي عن نفسه رسالته كاملة. فإذا أعطى نفسه حظها من ذلك لا يلبث أن يباعد ما بين أطراف كلامه، ويبطئ بك في الوصول إلى غايته، فتحس بقوة نشاطك وباعثة إقبالك آخذتين في التضاؤل والاضمحلال.

    سل العلماء بنقد الشعر والكلام: "هل رأيتم قصيدة أو رسالة كلها أو جلها معنى ناصعاً، ولفظاً جامعاً، ونظماً رائعاً"، لقد أجمعت كلمتهم على أن أبرع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة، من قصائد معدودة، وكان لهم من وراء ذلك المتوسط والرديء والغث والمستكره وكذلك قالوا في الكُتّاب والخطباء والأمر فيهم أبين.

    فإن سرّك أن ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع، فانظر حيث شئت من القرآن، تجد بياناً قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير، يؤدي لك من كل معنى صورة نقية وافية، كل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه.

    خطاب العامة وخطاب الخاصة: هاتان غايتان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك – إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملاً من بيانك – أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى، فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفي كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان، ميسرٌ لكل من أراد (ولقد يسرنا القرآنَ للذكرِ فهل من مدكر)

    إقناع العقل وإمتاع العاطفة: وفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحد منهما غير حاجة أختها. فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معاً.

    فهل رأيتَ هذا التمام في كلام الناس؟

    لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلواً في جانب وقصوراً في جانب.

    وكل امرئ حين يفكر فإنما هو فيلسوف صغير. وكل امرئ حين يحس ويشعر فإنما هو شاعرٌ صغير، فسل علماء النفس: "هل رأيتم أحداً تتكافأ فيه قوة التفكير وقوة الوجدان وسائر القوى النفسية على سواء؟ ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فهل ترونها تعمل في النفس دفعة ونسبة واحدة؟ "يجيبوك بلسان واحدة: "كلا، بل لا تعمل إلا مناوبة في حال بعد حال، وكلما تسلطت واحدة منهن اضمحلت الأخرى وكاد ينمحي أثرها.

    وأما أن أسلوباً واحداً يتجه اتجاهاً واحداً ويجمع في يديك هذين الطرفين معاً، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.

    فمن لك إذاً بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟

    ذلك رب العالمين، فهو الذي لا يُشغله شأنٌ عن شأن. وهو القادر على أن يُخاطب العقل والقلب معاً بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معاً يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما شراباً خالصاً سائغاً للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت؛ ألا تراه في فسحة قصهِ وأخباره لا ينسى حتى العقل من حكمة وعبرة؟

    أو لا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظُ القلب من تشويق وترقيق وتحذيرٍ وتنفير وتبكيتٍ وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطع تضاعيفها.

     

     

     

     

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:368
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:90
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك