• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 455
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    13
    اغسطس
  • 119: ذكريات - الجزء السابع
  • كتب في: 13-08-2018
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: دار المنارة
  • عدد الصفحات:334
  • الحديث عن مصر: قرأت ما كتب عني الأستاذ أحمد أبو الفتح، وأنا أعرفه قراءة له لا اجتماعاً به، أعرفه أيام إقامتي في مصر، أيام كانت مصر هي مصر، وكان الناس هم الناس. وما جئت أُجزيه ثناءً بثناء، فأنا أكتب وأنشر من ستين سنة كاملة، من يوم حررت آخر جزأين من مجلة "الزهراء" التي كان يُصدرها خالي محب الدين الخطيب، ويكتب فيها الأعلام كالرافعي والأمير شكيب أرسلان. وقد كُتب عنيّ من الثناء ما لو كبرت مئة مرة لما كنتُ أهلاً له، وكُتب عنيّ من الهجاء ما لو صغرت مئة مرة لما كنتُ أهلاً له، فهان علّ الأمران، حتى لم أعد أفرح (إلا قليلاً) بالثناء ولا آسى ولا أتألم (إلا أقلّ من القليل) من الهجاء. أعرف الأستاذ أحمد أبا الفتح ركناً من أركان الصحافة في مصر، يوم كان الصحفيون يكتبون ما يشاؤون يُعبر

    الحديث عن مصر:

    قرأت ما كتب عني الأستاذ أحمد أبو الفتح، وأنا أعرفه قراءة له لا اجتماعاً به، أعرفه أيام إقامتي في مصر، أيام كانت مصر هي مصر، وكان الناس هم الناس.

    وما جئت أُجزيه ثناءً بثناء، فأنا أكتب وأنشر من ستين سنة كاملة، من يوم حررت آخر جزأين من مجلة "الزهراء" التي كان يُصدرها خالي محب الدين الخطيب، ويكتب فيها الأعلام كالرافعي والأمير شكيب أرسلان.

    وقد كُتب عنيّ من الثناء ما لو كبرت مئة مرة لما كنتُ أهلاً له، وكُتب عنيّ من الهجاء ما لو صغرت مئة مرة لما كنتُ أهلاً له، فهان علّ الأمران، حتى لم أعد أفرح (إلا قليلاً) بالثناء ولا آسى ولا أتألم (إلا أقلّ من القليل) من الهجاء.

    أعرف الأستاذ أحمد أبا الفتح ركناً من أركان الصحافة في مصر، يوم كان الصحفيون يكتبون ما يشاؤون يُعبرون عن رأي الشعب، أو رأي فريق من الشعب، لم يكونوا قد صاروا موظفين، يقولون ما يُقال لهم، ويرددون ما يُلقى عليهم، على أني أُسارع فأقول: إن ذلك الداء قد أوشك بحمد الله أن يزول وأن الصحة بدأت تعود.

    وقد تفضل فنقل فقرات مما كتبت، منها أني قلت عن مصر أنها أم دنيا العرب، ويشكرني على أني أُحب مصر وقد تلقيت يوم صدور العدد الذي كتب فيه، رسالة لو صدقت في وصفها لقلت إنها رسالة بذيئة، يسبني مُرسلها أشنع السب، لأني أكرهُ كما يقول مصر.

    أنا ويحكم أكرهُ مصر ومن مصر أصليّ؟ منها جاء جدي أبو أبي، لا جدي البعيد، والشام مولدي ومنبتي، وإن أنكرتني بعد الشيّب والصحبة وقتلت غدراً وظُلماً بنتي.

    يقول الأستاذ، إنه بكى لما قرأ سؤالي عن الأزبكية ما حالها؟ إنه يا أستاذ بكاء الرجال من فيض العاطفة ورقة القلب، إن كل من عرف مصر من قبل وعرفها اليوم بكى، وإن كان آخرُ عهديّ بمصر سنة 1959 لما كنتُ مستشاراً في محكمة النقض في الشام، وكانت الوحدة فَجُمِعت المحكمتين، فانتقلنا إلى مصر وعقدنا فيها الجمعية العمومية مرات، كان آخرها سنة 1959

    وأنا أعرف مصر ملجأ الأحرار من قبل أن أعرف هذه الدنيا، وعمري الآن ثمانون سنة. كان الناس يفرون من بلاد العرب إليها، من كان عنده فيضٌ من بلاغة، أو فضل من خبرة وبراعة، حمل قلمه وخبرته ومشى إليها، فأنشأ الصحف والمجلات فيها، كالأهرام والمقتطف، وإن لم تكن كلها مع مصر، وإن كان بعضها يُسايرُ أعداء مصر، والعادين عليها، وغاصبيّ الحكم فيها، وكالمنار والفتح اللتين كانتا دوماً مع الإسلام، ومن كان معه كان مع مصر.

    ومن كان عنده رغبة في الإصلاح، أو خطة للنجاح، حملها إلى مصر، كالشيخ جمال الدين الأفغاني، أما علوم الدين فما حملها إليها أحد، لأنها فيها، ومنها أُخذت وعنها اُقتبست، فحسبكم بالدين وعلومه فخراً.

    ما كان أهل مصر يعرفوننا، ولكن نحنُ نعرفهم، لأننا كنا نتعلمُ منهم من كُتابهم وأُدبائهم ومن صُحفهم، كانوا يعرفون الأقاليم العربية وعندي على هذا شواهد كثيرة، منها رسالة من الأستاذ أحمد أمين رحمه الله بخطه على ظهرها عنواني واسمي وتحته، دمشق، وخطّ تحتها تحت الخط فلسطين، ولعل ذلك أن حبهم لبلدهم كرّه إليهم البُعد عنها، أو معرفة غيرها، حتى إن ابن مصر (أعني القاهرة) إن نُقل إلى الفيّوم شكا وبذل الجهد ليعود من غربته إلى بلدته، وكانوا يعجبون من اقتحام الشاميين الأخطار، وحملهم مشقات الأسفار، فما بال المصريين اليوم، تبدلت حالهم فصاروا يمشون شرقاً ويمشون غرباً، ويسيرون شمالاً ويسيرون جنوباً،  حتى ما تجد بلداً يخلو من المصريين وهم في كل بلد يحلونه وفي كل عملٍ يختارونه من أعمال الفكر في الجامعات والمجامع، وفي ميدان المال في الشركات والمصانع، يحتلون في كل عمل أعلى محل، فلما كان العهد الأسود الذي مرّ على مصر، فعدّ عليها أنفاسها، وخنق ناسها، وقتل خيارها وأذهب خيراتها، فإنه أخرج أهلها من عزلتهم، فعرّف الناس بهم، وأرى الدنيا عبقرياتهم في بلاد العرب والمسلمين وفي أوروبا وفي أمريكا، وإن كان الذي يسرنا ويرضينا، أن يبقى أبناؤنا في أرضنا، وأن يكون خيرهم لنا لا لغيرنا، وأن تنشأ ذريتهم عندنا، لا في بلد لا يُسمع فيه القرآن، ولا يُصدح فيه بالأذان، فإن اضطررتم إلى الهجرة إلى مثل هذا البلد فذكّروا الصغار دائماً بأنهم مسلمون، أفهموهم أن الذي يرونه فرعٌ مما كان عندهم، وأن أجدادهم هم الذين علّموا هؤلاء ثم ناموا حتى سبقهم في علوم المادة هؤلاء.

    لا يا إخوان، أن ما أقول هذا لننام عليه، بل لنصنع مثله.

    بل نفعل فوق ما فعلوا. ولِمَ لا؟ وقد تيسرت اليوم الأسباب، وفُتحت الأبواب، فهل فقد المسلمون بطولتهم؟ هل أضاعوا نصيبهم من إرث محمد صلى الله عليه وسلم؟

    أليست العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؟ بلى، ولا تزال العزة لهم، إن مشوا على طريقها، وسلكوا سبيلها، وسبيلها سبيل الله وسبيل رسول الله.

    إننا نتحدث دائماً عن بدر والقادسية واليرموك وحطين، وتلك الأيام الغرّ لا في تاريخنا وحده، بل في تاريخ البشر، فهل فقدنا العزائم التي انتصرنا بها في تلك الأيام؟

    لقد ظفرنا في عشرة آلاف معركة خضناها، نثرنا فيها شهداءنا نثراً في كل بقعة من الأرض، وتحت كل نجم في السماء.

    أفأضعنا هذه البطولات؟ ما أضعناها، ولكن تعبنا فنمنا، وطال بنا المنام، وحسبنا أن ذلك الليل لا آخر له، وأن الصباح لن يطلع أبداً حتى سمعنا الأذان من الشرق (من نجد) حي على الصلاة حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. وسمعنا البوق العسكري من الغرب (من مصر) يوقظ النيام. الأول هو صوت الدين يهتف به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والثاني صوت الدنيا ينفخ فيه في هذا البوق محمد عليّ. الأول من منارة المسجد، والثاني من الثكنة ومن المدرسة.

    فيا أيها الأستاذ هل تيأس من أن يجئ مرة ثانية نصر الله والفتح وأنت أبو الفتح؟

    كنا يا أستاذ نخاف أهل أوروبا لأننا نرى أسلحتهم ومنجزاتهم ولا نعرف سرها، فنخشاهم ونخشاها. ونحن قد عرفنا اليوم من علوم القوم مثل ما يعرفون، وكانت مصر هي السابقة إلى هذا.

    وبعد. فإن العاقبة للتقوى (وإن جندنا لهم الغالبون) وإن هذا الدين محفوظ بحفظ الله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فلا خوف يا أستاذ على الإسلام، لقد مرت به محن شداد وأيام أقسى من الأيام التي مرت بها مصر، ولكن الإسلام خرج منها ظافراً.

    ما بيننا وبين النصر، ما بيننا وبين أن ننقذ فلسطين، إلا أن نعود إلى ربنا، وأن نعلم أنها إن كانت تمد إسرائيل وتُعينها وتؤيدها قوى كبيرة فإن الله أكبر. لقد طالما قلت هذا يا أستاذ ولم يسمع مني أحد.

    قلت: ما الذي ينقصنا لننتصر على اليهود؟ العدد؟ نحن المسلمون ألف مليون فكم عدد اليهود؟ العلم؟ عندنا معشر المسلمين من العلماء أكثرَ مما عند اليهود، المال؟ مع ألف المليون من المسلمين أكثر مما مع اليهود؟ فما الذي ينقصنا؟

    ينقصنا الإيمان. لقد قلت في الإذاعة إن السلاح لا يُغني عن الإيمان مهما كثر السلاح.

    فضحكوا مني وسخروا بي، وقالوا ما يُدريك وأنت شيخٌ أديب ما العسكرية وما فنون القتال؟ فلما نشر (مونت غومري) مذكراته وتكلّم عن القوة المعنويّة وقال مثل الذي قلت، سكتوا وما قالوا شيئاً.

    أيسخرون من مونت غومري ويقولون له: أنت لا تدري ما فنون القتال؟

    نحن نشكو أدواء في مجتمعاتنا، وأعداء تكالبت علينا، ومظالم حاقت بنا، فلماذا نواجهها وحدنا ولا نطلب من الله أن يقفَ معنا؟ لماذا لا ننصره باتباع شرعه لينصرنا؟ إننا نريد أن يُغيّر الله ما نحنُ فيه فما طريق التغيير؟ (إن اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم) فهل غيرنا ما بأنفسنا إلى ما هو أرضى لربنا وأقرب لديننا.

     

     

    وحيُ صورة:

    تلقيت أمس بالبريد رسالة من صديق قديم، كتبها على ظهر بطاقة بريدية، فيها صورة مدرسة أثرية في دمشق، من أجمل الآثار المملوكية هي "المدرسة الجقمقية" التي بناها سنجر الهلالي، ثم جددها الملك الناصر سنة 761هـ ثم احترقت، فأعاد بناءها الأمير سيف الدين جقمق فنُسبت إليه.

    لقد تداول هذه المدرسة رجال لا يعلمهم إلا الله.

    مر عليها الآن ستمئة وست وثلاثون سنة فمن يعلم من وليها فيها؟ ولكني أعلم أنها انتهت على أيامنا إلى الرجل الذي نقل التعليم في دمشق من الكتاتيب إلى المدارس، والذي تعلّم على يديه ثلث من كان يومئذ حياً من أبناء الشام، والذي لَبِثَ سبعين سنة يُعلّم، والذي كنت يوم مات سنة 1349 محرراً في جريدة "اليوم" عند الأستاذ عارف النكدي، فكتبت عنه، فجاء من يقول لي، أتشغل الجريدة بالكتابة عن شيخ كُتّاب؟

    لم تكن قبله في الشام إلا مدرسة واحدة، هي مدرسة الشيخ الصوفي، والمدرسة التي يُعلّم فيها الشيخ محمد المبارك، والد أستاذنا الشيخ عبد القادر المبارك، ومن تلاميذه الأستاذ محمد كرد عليّ الذي كان له الفضل على كل من اشتغل بالصحافة وبالكتابة في دمشق.

    خبروني لماذا نؤلف الكتب، ونُعدّ الدراسات نجعلها موضوعات الرسائل الجامعية، والأطروحات، عن رجال السياسة، ورجال الفن، ولا نقضي ديون رجال التعليم علينا؟ هؤلاء هم الذين نشؤوا أولادنا، هم الذين وضعوا الأساس لبناء ثقافتنا، هم الذين يكون الصلاح منهم إن كانوا صالحين، فلماذا لا نوليهم ما يستحقون؟

    بقايا من ذكريات رمضان:

    من أقدم صور الحياة في رمضان، صورةٌ منقوشة في ذهني، كلما تذكرتها رأيتُ فيها رمزاً لحياتنا منذ ثلاثة أرباع القرن، وحياتنا الآن.

    في جامع بني أُميّة الكبير في دمشق، أمام القبر الذي يقولون إنه قبر يحيى بن زكريّا، وليس قبره، ثُريّا ضخمة جداً من قضبان متشابكة بحجم قبة مسجد من المساجد وعلى صورتها، معلّق فيها مئات من السرج، والسراج كوب صغير من الزجاج، مثل كوب الشاي، فيه فتيل من القطن، في قليل من الزيت، فكانوا يبسطون تحتها بُساطاً واسعاً، ليحميّ سجاد المسجد من وضر الزيت، ثم ينزلونها حتى توضع على الأرض، ويُباشر بإيقاد السرج، من بعد صلاة المغرب إلى قُبيّل أذان العشاء، فيزدحم عليها الأولاد، وقد عمتهم فرحة عجيبة، وهم يصعدون القبة من جوانبها وبأيديهم أعود الكبريت، يُقرّبون شعلتها من فتيل السراج حتى يشتعل.

    ثم كرّت الأيام فوضعوا مكان هذا السرج، مصابيح كهربائية صغيرة، لا توقد من الشجرة المباركة بل من التيار الكهربائي الخفيّ الذي لا يُرى.

    أليس هذا هو مثال حياتنا في تلك الأيام، وحياتنا الآن؟ ألسنا الآن في عصر السرعة؟

    لقد ربحنا الوقت، ولكن خسرنا المشاعر والأحاسيس.

    ومن الصور التي اختزنتها من الصغر، واحتفظتُ بها، وأنا أحملها في زحمة الحياة، ثم فقدت من حولي وكادت تضيع من ذهني: صورة البوابات.

    هل تعرفون ما البوابات؟ لم يكن الأمن وأنا صغير قبل سبعين سنة أو أكثر من سبعين، لم يكن الأمن مُستتباً أواخر عهد العثمانيين، وكانت الحكومة المحلية ضعيفة، والمركزية في إسطنبول بعيدة. وكانت قد عادت دمشق في كثير من أحوالها كما عادت مدن من أمثالها إلى مثل عهد الجاهلية الأولى، فكان القويّ يعدو على الضعيف، وكان في كل حيّ (قبضاياته، وزكرتيته)، وكان يسطو بعض الأحياء على بعض، ويغزو بعضها بعضاً، فاتخذ أهل كل حيّ باباً كبيراً (بوابة) تُغلق من بعد العشاء، ولا تُفتح إلا بعد الفجر، يقوم وراءها الحارس الليلي ولا يفتح الباب إلا لمن يعرفه ويثق به.

    فإذا كان شهر رمضان، فتحت البوابات الليل كله، وزادت الأنوار في الحارات، وكانت تُضاء بالكهرباء، جاء به وبالترام الوالي التركي ناظم باشا قُبيل مولدي.

    ومن الصور الرمضانية في مصر اثنتان كنت في كليهما مع الأستاذ الزيّات، أخذني أولاً إلى قصر عابدين، وقد مُلئت ساحته بالكراسي، وفُتحت أبوابها للداخلين، وجاء الملك فاروق بالقُرّاء، يُقرؤون القرآن بالأنغام، فمن رواية حفص عن عاصم إلى ورش عن نافع إلى غيرهما.

    وكلما ازداد تعداد القراءات، والتنقل بين المقامات، والتفنن في النغمات، كان ذلك ادعى لإعجاب الناس، وقولهم: الله، الله، ما شاء الله، الله أكبر

    كأنهم يسمعون أحد المغنين في ملهى من الملهيات واللهُ يصف المؤمنين بأنهم الذين (إذا ذُكر اللهُ وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) فهل زادت هذه الآيات السامعين إيماناً، أو زادتهم طرباً؟

    وعرض عليّ الأستاذ الزيات أن يأخذني إلى قهوة الفيشاوي، وأنا لستُ من أحلاس المقاهي الذين يُنفقون من أعمارهم في ارتيادها الساعات الطوال، يتنفسون فيها هواءً فاسداً يؤذي الصدر، ويسمعون من قرع حجارة النرد (الطاولة) وصياح النُدل ضجة تصمّ الأذن، فهممت بالاعتذار فقال: إنها ليست كما تعرف من المقاهي، وليس فيها إلا الشاي الأخضر الذي تُحبه، ويرتادها في مثل هذه الليالي أعلام الأدب، وأرباب الفن، يذكرون بها مصر التي كانت قبل خمسين سنة.

    فذهبتُ معه فإذا هي كما قال: قهوة من مقاهي الأحياء القديمة، في مطلع هذا القرن، كأن التاريخ مر بها ونسيها ها هنا، فلم تمش مع مصر في طريق الحضارة المستوردة من حيثُ مشت، بل بقيت في مكانها، وهذا ما يُرغّب الناسَ فيها، والإنسان مفطور على حب الجديد، ولكنه يحن إلى القديم.

    والحديث عن ذكريات رمضان حديث طويل لا أكاد أفرغ منه إن أردت استيفاءه. إنها ذكريات ثمانين سنة اتركوا من أولها خمساً كنت فيها صغيراً لم أكن أُدرك ما حولي، ولا أحفظ ذكريات ما أدرك في صدري، فهل ترونني أستطيع أن أجمع ذكريات ثلاثة أرباع القرن ثم ألخصها، ثم أحدثكم حديثها؟

    الدعوة الإسلامية في ألمانيا:

    أنا أكتب هذه الحلقة يوم العيد. ما على ألسنة الناس إلا التهنئات فيها الأمل الحلو، وما في قلبي أنا إلا الذكريات فيها الألم المر، وهل في ذكرياتي عن ألمانيا إلا بنتي؟ لولاها ما وطئت ثرى تلك البلاد، وما لي فيها؟ وهل أستطيع أن أتحدث عن بنتي، وجرحها لم يلتئم بعد في قلبي؟

    لقد كانت الأيام التي قضيتها في ألمانيا وبلجيكا وهولندا، من أمتع أيام حياتي، وكانت هي مصدر متعتها، ومبعث جمالها، كانت المصباح الذي ينور لي ما حولي فأراه، فماذا أصف بعدما انطفأ المصباح، وانكسر زجاجه؟ لذلك أدع الحديث عنها وأتحدث عن عملها، حديثاً لعلّ فيه للقُرّاء نفعاً، ذلك لأن الشبان والشابات في أوروبا على حافة الدخول في الإسلام، ما بينهم وبينه إلا أن يأتيهم من يُعرّفهم به ويدلهم عليه، على أن يكون عارفاً بنفسياتهم، يُفكر بمثل تفكيرهم ويُكلمهم بلسانهم.

    قلوب أكثر الشبان والشابات في أوروبا، أو من عرفت منهم، خالية ليست فيها عقيدة دينية راسخة، فليس بين الناشئة في تلك الديار وبين اتباع الحق الذي هو الإسلام إلا أن يجدوا هذا الذي يُعرّفهم به ويجلوه لهم.

    ولقد قام بذلك كثير في أوروبا وفي أمريكا جزاهم الله خيراً، فأنشأوا المراكز الإسلامية، وفتحوا للناس أبوابها، وكان من هؤلاء عصام العطار، وكانت هي عوناً لعصام، كانت تتولى هي أمر النساء، على حيت يتولى هو أمر الرجال.

    كانت في المسجد داعية ومعلمة، ومع البنات هناك أختاً كبيرة وأماً صغيرة، لا سيما لمن كانت منهن، لم تألف البلد، ولم تعرف فيه أحد، كانت تعمل هذا كله وهي بالحجاب السابغ والبُعد عن المحرمات ثم تعود إلى الدار فتتولى هي جميع أمور الدار، تشتري اللحم والخُضر، ثم تطبخ وتُعدّ المائدة في مدة لو أُقيمت مسابقة في السرعة ما ظننت أن أخرى تُعدها بأسرع منها.

    من دعا إلى الإسلام في تلك البلاد فلا بد له من أن يعرف لسان أهلها، ولما سافرت إليها بنتي لم تكن تعرف إلا العربية، فتعلمت اللغة الألمانية منذ سكنت آخن سنة 1970 حتى أتقنتها، وتعلّمت من قبل الفرنسية وأتقنتها لما عاشت في بروكسل ومن قبلها جنيف، وأحسنت النطق بها وقراءتها، وأخذت نصيباً من الإنجليزية، ولم تكن تدعو إلى الله كالمدرس القاعد على منبره والعصا بيده والتقطيب على وجهه، فينفر بوضعه وشكله، قبل أن ينفر بمنطقه وقوله، بل كانت تُخاطب الناس على مقدار أذهانهم، وتدرس نفسية كل واحدة منهن، فتسلك السبيل الموصل إلى قلبها، ليفتحه الله بها للإسلام، وقلّما خلق الله قلباً مُغلقاً من كل جوانبه، فلا يُنصح إليه قول، ولا يصل إليه منطق، هؤلاء الذين طبع الله على قلوبهم بكفرهم، وهؤلاء لا أمل فيهم، وأكثر القلوب لها منافذ وأبواب على الداعي (أو الداعية) أن يعرفها، فمن الناس من ينفع معه الإقناع بالحجة العقلية، ومنهم من تُفيده الموعظة العاطفية، ومن يصلح معه الرجاء ومن يُحركه الخوف، فكانت موفقه والحمد لله، ورأيت في المجالس التي حضرتها وحضرها الشباب مع زوجاتهم، وهنّ متحجبات، رأيت من ذكرني والله بما قرأت من سير شباب الصحابة، لا أقول هذا مبالغة، بل أسرده حقاً واقعاً، ولا يضرهم أن يعيشوا في بلدٍ غير مسلم، فراراً من البلد المسلم الذي تسلّط عليه غير المسلمين، وآذوا فيه أهل الدين، فإن لهم سالفة في الهجرة إلى الحبشة حيث الحُرية المصونة، واللسان الطليق، والقلم الحر.

    كانت تتعلم من عصام، وتُراجع الكُتب، ثم تقرئ البنات، وتعاونهن، ما وسعتها معاونتهن، وتصلح إن كان بعض الفساد في الصلات بينهن، وهنّ يُقابلنها حُباً بحب، وعطفاً بعطف فكان الجميع أسرة واحدة.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:213
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:76
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك