• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 456
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    15
    اغسطس
  • 122: سيرة ذاتية
  • كتب في: 15-08-2018
  • المؤلف: جون ستيوارت مل
  • الناشر: الحارث النبهان
  • عدد الصفحات:236
  •   الطفولة وباكورة التعليم: يبدو لي مناسباً أن أبدأ رسم هذه الصورة الذاتية بذكر ما جعلني أؤثر أن أترك ورائي هذه الذكرى عن حياةٍ ما كانت حافلة بالأحداث. ولست أتخيّل لحظة أن أي شيء مما سأكتبه يمكن أن يكون مثيراً لاهتمام الجمهور مثلما تُثير اهتمامه قصة من القصص، لكنني فكرت أننا نعيش في عصرٍ صار فيه التعليم وتطوير التعليم موضوعاً لقدرٍ من الدراسة أكبر، إن لم يكن أعمق أيضاً، من أي وقتٍ مضى في التاريخ الإنكليزي. وقد يكون مفيداً وجود مادة تُسجل تعليماً كان غير معتاد بل كان متميزاً أيضاً: تعليماً يُبيّن، إضافة إلى ما أنجزه، مقدار ما يمكن تعليمه زيادة على ما هو مفترض عموماً؛ تعليمٌ جرى على نحوٍ جيد في تلك السنوات الأولى التي تقع ضمن ما يُطلق عليه اسم التنشئة، أي السنوات التي عادة تكاد تُضيعها ا

     

    الطفولة وباكورة التعليم: يبدو لي مناسباً أن أبدأ رسم هذه الصورة الذاتية بذكر ما جعلني أؤثر أن أترك ورائي هذه الذكرى عن حياةٍ ما كانت حافلة بالأحداث. ولست أتخيّل لحظة أن أي شيء مما سأكتبه يمكن أن يكون مثيراً لاهتمام الجمهور مثلما تُثير اهتمامه قصة من القصص، لكنني فكرت أننا نعيش في عصرٍ صار فيه التعليم وتطوير التعليم موضوعاً لقدرٍ من الدراسة أكبر، إن لم يكن أعمق أيضاً، من أي وقتٍ مضى في التاريخ الإنكليزي. وقد يكون مفيداً وجود مادة تُسجل تعليماً كان غير معتاد بل كان متميزاً أيضاً: تعليماً يُبيّن، إضافة إلى ما أنجزه، مقدار ما يمكن تعليمه زيادة على ما هو مفترض عموماً؛ تعليمٌ جرى على نحوٍ جيد في تلك السنوات الأولى التي تقع ضمن ما يُطلق عليه اسم التنشئة، أي السنوات التي عادة تكاد تُضيعها الأطفال تضييعاً.

    ولدت في لندن يوم العشرين من شهر أيار/مايو من العام 1806. وكنت الابن الأكبر لجيمس مل. كان أبي ابن تاجر صغير، وقد زكته قدراته عندما كان صبياً فحظيّ بانتباه السير جون ستيوارت أحد بارونات الخزانة في سكوتلندا. ونتيجة ذلك أرسل أبي إلى جامعة أدنبرة على نفقة صندوق أسسته زوجته مع بعض السيدات لتعليم الشباب من أجل خدمة الكنيسة السكوتلندية. وفي الجامعة، اجتاز أبي مراحل الدراسة المعتادة، ثم نال شهادة واعظ، لكنه لم يتخذ الوعظ مهنة أبداً. وقد صار مقتنعاً بأنه ما كان قادراً على الإيمان بمعتقدات الكنيسة، أو أي كنيسة غيرها. عمل أبي بضع سنوات مدرساً خاصاً لدى أسر مختلفة في سكوتلندا، لكن الأمر انتهى به إلى الإقامة في لندن وتكريس نفسه للكتابة، وما كان لديه مصدر دخل غيرها حتى عام 1819 عندما حصل على وظيفة في "بيت الهند".

    شهدت حياة والدي في هذه المرحلة أمرين اثنين لا يملك المرء تجاههما إلا الدهشة: من المؤسف أن الأول كان أمراً جداً شائع؛ وأما الآخر فغير شائع! الأمر الأول هو أنه أقدم في وضعه هذا على الزواج وتكوين أسرة كبيرة من غير مورد إلا ذلك المورد المضطرب الذي يأتيه من الكتابة في الدوريات. وهو ما يُخالف القناعات التي صار أبي شديد التمسك بها، في مرحلة لاحقة من حياته على أقل تقدير، سواء من حيث الحس السليم أو من حيث إحساسه بالواجب. وأما الأمر الثاني فهو تلك الطاقة الاستثنائية التي لا بد منها للمرء حتى يعيش حياة كالتي عاشها أبي في ظل الحرمان الذي راح يُكافئه منذ البداية، وفي ظل وجود أولئك الذين أضافهم عبئاً عليه نتيجة زواجه. ولو أنه ما أنجز إلا إعالة نفسه وأسرته عن طريق الكتابة خلال هذه السنوات الكثيرة من غير وقوع في الدين أو في أزمات مالية، لما كان هذا بالأمر القليل على الإطلاق. وأما أن يحمل المرء مثلما فعل أبي، آراء في السياسة والدين تبدو بغيضة في عين كل صاحب نفوذ، وأن يكون واحداً من أولئك الرجال الذين لا شيء يجعلهم يكتبون عكس ما يعتقدون. ولا بد من القول أيضاً إنه كان شخصاً لا يعرف الإهمال عندما يفعل أي شيء، وهو لم يتولى مهمة أدبية أو غير ذلك، لم يصبّ فيها كل ما تستلزمه من جهد حتى يُنجزها على أحسنِ وجه. بل أنه خطط لكتابه "تاريخ الهند" وبدأ العمل فيه، تحت وطأة هذه الأعباء كلها. ولي أن أُضيف إلى هذا أنّ أبي كان يُكرّس لتعليم أطفاله وقتاً غير قليل خلال هذه الفترة كلها: وفي حالة واحد من أبنائه، أنا، بذل أبي قدراً من الجهد والعناية والاهتمام نادراً ما يُبذل لغاية كهذه، كان يحاول إعطائي أعلى سويّة تثقيفية ممكنة، حسب فهمه!

    كان رجلاً شديد التمسك، في مسلكه الشخصي، بمبدأ عدم تضييع الوقت، وكان شديد الميل إلى الالتزام بالقاعدة نفسها في تعليم تلميذه.

    لستُ أذكر وقت بداية تعلّمي اللغة اليونانية. قيل لي إنني كنت في الثالثة آنذاك. ولعل أول ما أذكره في هذا الأمر هو حفظي عن ظهر قلب ما كان أبي يطلق عليه اسم "ألفاظ" وهي قوائم من الكلمات اليونانية الشائعة مع مقابلاتها في اللغة الإنكليزية. وكان يكتبها لي على بطاقات. وأما النحو، فقد مرت سنوات بعد ذلك لم أتعلم فيها أكثر من تصاريف الأسماء والأفعال، ثم جاءت الترجمة بعد ذلك رأساً. لا أكاد أذكر قراءتي كتاب "الخرافات" لإيسوب الذي كان أول كتاب يوناني أقرأه. لم أتعلم شيئاً من اللاتينية حتى الثامنة. لكني كنت قد قرأت حتى ذلك الوقت جملة من كُتاب النثر اليونانيين تحت إشراف أبي. وكان أبي في تعليمه لي، لا يُطالبني بفعل ما أستطيع فحسب، بل بما لم أستطعه أيضاً. ولعله يمكن الحكم على ما كان مستعداً في تحمله في سبيل تعليمي من خلال حقيقة أنني كنت أقوم بعملية تحضير دروسي اليونانية في الغرفة نفسها وعلى الطاولة نفسها التي يعمل عليها أبي.

    كان الحساب الشيء الوحيد غير اللغة اليونانية، الذي تلقيته على هيئة دروس في ذلك الجزء من طفولتي. وكان والدي من علّمني الحساب أيضاً. كان هذا العمل من نصيب المساء، وأذكر جيداً كم كان يضايقني. لكن تلك الدروس ما كانت إلا جزءا من التعليم الذي أتلقاه كل يوم. كان أكثر تعليمي مؤلفاً من الكتب التي أقرأها بنفسي، وما كنت أسمعه من كلام أبي، خلال النزهات على الأقدام.

    وبقدر ما أذكر كان هذا الأمر تطوعاً مني، لا تمريناً مفروضاً. كنت أكتب ملاحظات على قصاصات ورقية أثناء القراءة. وكنت أعتمد على قصاصاتي هذه في كلامي خلال مشاويرنا الصباحية، وذلك لأن الكتب كانت تاريخية في أكثرها.

    وقد اعتاد أبي في أحاديثنا الكثيرة عن الكتب التي أقرأها أن يُقدم لي أحياناً، عندما تسنح فرصة لذلك، شروحات وأفكاراً تتصل بالمدنية والحكومة والأخلاق والتنشئة العقلية. وكان يعود بعد ذلك فيُطالبني بأن أُكرر ما قاله هو بكلماتٍ من عندي.

    وكان يجعلني أيضاً أقرأ كتباً كثيرة ما كان فيها ما يُثير اهتمامي إلى حد يجعلني أقرأها بنفسي، ثم أُعطيه ملخصاً شفهياً عنها.

    أما كتب الأطفال التي ما كانت أكثر من لهوٍ عندي، فنادراً ما كان لديّ شيء منها إلا ما يأتيني هدية عارضة من أحد الأقارب. وكان من أبرز هذه الكتب: "روبنسون كروزو" الذي ظل مصدر متعة عندي طيلة سنوات صباي.

    بدأت منذ الثانية عشرة مرحلة أخرى من دراستي كانت أكثر تقدماً. صارت الأفكار نفسها موضوعاً أول في هذه المرحلة بدلاً من تطبيقات الأفكار وأسانيدها. بدأ هذا مع المنطق إذ افتتحته بكتاب "الأورغانون" فقرأته كله، بما فيه "التحليل"؛ لكنني ما استفدت من "التحليل الراجع"، إلا قليلا لأنه جزء من فرع من التأمل ما كنت ناضجاً له بعد. وبالتزامن مع كتاب الأورغانون جعلني أبي أقرأ رسائل لاتينية كاملة، أو أقساماً منها، تتناول المنطق السكولاستي وصرت أُعطيه خلال نزهتنا كل يوم ملخصاً عما قرأت، وأُجيب عن أسئلته الكثيرة المدققة.

    وأما فيما يتعلق بالمال، الذي هو أكثرُ أقسام موضوع الاقتصاد السياسي صعوبة، فقد جعلني أبي أقرأ كُتيّبات ريكاردو الرائعة التي وضعها خلال فترة ما أطلق عليه اسم "الجدل في موضوع السبائك الذهبية"، ألا وهو الجدل الذي خرج آدم سميث فائزاً منه. وعند قراءة آدم سميث، كان أكبر اهتمامات والدي أن يجعلني أُسلط على نظرته الأكثر سطحية، إلى الاقتصاد السياسي أضواء ريكاردو المتفوقة لأتبين ما في حجج سميث من فساد، أو ما في نتائجه من أغلاط. وقد كانت طريقته في تعليمي محسوبة على نحوٍ بارع بحيث تؤدي إلى تكوين شخص مفكر.

    عند هذه النقطة انتهت ما أستطيع تسميتها "دروسي": غادرت إنكلترا أكثر من سنة عندما بلغت الرابعة عشر من عمري. ورغم استئناف دراستي في ظل توجيه عام من والدي، فإنه ما عاد "مدرساً" لي.

    كانت في تعليمي نقطة أساسية، كانت سبباً في كل خير نتج عن ذلك التعليم أكثر من أي نقطة أخرى. ثمة كثير من الصبية أو الشباب ممن يحشون حشواً بمعارف كثيرة تثقل على قدراتهم العقلية بدلاً من أن تقويها. إنهم يحشونهم بالمعلومات وبآراء أشخاص آخرين أو بعباراتهم، فيكون ذلك بديلاً مقبولاً عن القدرة على تشكيل آرائهم بأنفسهم. وهكذا نرى أبناء الآباء البارزين، الذين لا يوفرون جهداً من أجل تثقيف أبنائهم، غالباً ما يكبرون ليصيروا مجرد مرددين لما تعلموه، غير قادرين على استخدام عقولهم إلا في المجاري المرسومة لها. لكن تعليمي أنا ما كان حشواً! وما كان أبي ليسمح أبداً بأن ينحط أي شيء أتعلمه ليصير تمريناً للذاكرة فحسب. لقد بذل جهده حتى يجعل الفهم يسير مع التعليم خطوة بخطوة، بل أيضاً من أجل جعله يسبقه عندما يكون ذلك ممكناً. ما كان ليقول لي شيئاً يمكن العثور عليه عن طريق التفكير. وهكذا حتى أستنفد الجهد لأصل إليه بنفسي.

     

    المؤثرات الأخلاقية في باكورة الشباب – شخصية والدي وآراؤه

    ثمة عنصر من عناصر علاقات أبي بأطفاله كان فيه عيبٌ كبير: قلّة الرقة! على أنني لستُ أظن أنه عيب كامن في طبيعته نفسها. بل أعتقد أنه كان يكنّ من المشاعر قدراً يزيد كثيراً عما يُظهره عادة، وقدرة عللا الإحساس أكثر مما يكن لدى الآباء عادة. كان كمثل الرجال الإنكليز من حيث حيائهم من إظهار مشاعرهم.

    خلال هذه الفترة من فترات حياتي، كان من يختلفون إلى بيت أبي قِلّة لا يتجاوز عددهم بضعة أشخاص. وقد جعلني وجودي المعتاد في مكتب أبي على معرفة قريبة بأعز صديق من أصدقائه. إنه ديفيد ريكاردو، وقد دعاني إلى بيته وإلى نزهات معه بعد أن بدأت دراسة الاقتصاد السياسي بُغية الحديث معي في هذا العلم. لكنني كنت زائراً أكثرَ تردداً إلى بيت السيد هيوم الذي تجددت علاقته بأبي عقب عودته من الهند وصار (مثل كثيرين غيره) شديد التأثر بعقل أبي وحيوية شخصيته. وكنت أرى السيد بنثام أكثر منه بسبب قُرب علاقته بأبي. لستُ أدري متى جرى التعارف بينهما بعد عودة أبي من الهند. لكن أبي كان أول إنكليزي ذي شأن يفهم آراء بنثام العامة في الأخلاق والحكومة والقانون فهماً شاملاً، ثم يتبنى أكثرها.

    وأُدين بالفضل في ظرفٍ سعيد آخر في مسار تعليمي، للجنرال السير صامويل بنثام، شقيق السيد بنثام، كنت قد رأيته وأسرته في بيتهم قرب غوسبورت خلال رحلة مع السيد بنثام. وقد دعوني في عام 1820 لأزورهم ستة أشهر في جنوب فرنسا. لكن لطفهم وحُسن استقبالهم جعلا إقامتي لديهم تطول قرابة السنة.

    اكتسبت خلال هذه الإقامة في فرنسا معرفة قريبة باللغة الفرنسية، ومعرفة بالأدب الفرنسي الشائع. وتلقيت دروساً في رياضات جسدية كثيرة لم أفلح حقاً في أي منها! وحضرت في مونبلييه محاضرات دورة الشتاء الممتازة في كلية العلوم: محاضرات أنغلادا في الكيمياء، ومحاضرات بروفنسال في علم الحيوان؛ وكذلك محاضرات أخرى شديدة البراعة في ميتافيزياء القرن الثامن عشر ألقاها غيرغون؛ ومحاضرات في المنطق، تحت اسم فلسفة العلوم. والتحقت أيضاً بدورة الرياضيات العليا تحت إشراف شخصي من لين تيريك الذي كان أستاذاً في مدرسة مونبلييه العليا. ولعل أهم مكسب جنيته، من بين مكاسب كثيرة، في هذا الشطر من مسار تثقيفي هو قضاء سنة كاملة أتنعم بجو حياة القارة الأوروبية الحُر العظيم.

    آخر مراحل التعليم، أول مراحل التعلّم الذاتي:

    استأنفت دراساتي القديمة خلال السنة الأولى، أو السنتين، بعد زيارتي إلى فرنسا، مع إضافة موضوعات جديدة إليها. كان والدي موشكاً على إنجاز إعداد كتابه "أوليات الاقتصاد السياسي" من أجل الطباعة عندما عدت من سفرتي فجعلني أُجري "تمريناً" على تلك المخطوطة التي وضع عليها السيد بنثام كتابات من عنده فأنشأ لها ما دعاه "محتويات هامشية". وبُعيد ذلك وضع أبي بين يديّ كتاب "رسالة الأحاسيس" لكوندياك، إضافة إلى الأجزاء المنطقية والميتافيزيقية من كتابه "منهج الدراسات". وكان الكتاب الأول منهما كبير القيمة عندي، من حيث إنه توطئة ومن حيث إن مثال أيضاً (رغم التشابه الظاهري بين النظامين السيكولوجيين عند كوندياك وعند أبي).

    وخلال شتاء 1821-1822، تلطف السيد جون أوستن الذي صار من معارف أبي خلال وجودي في فرنسا، فسمح لي بقراءة "القانون الروماني" معه. ورغم ما كان لدى أبي من اشمئزاز إزاء فوضى البربرية المدعوة "قانوناً إنكليزياً"، فقد صار يرى أن مهنة المحاماة عامةً ليست مما لا يصلح لي إن هي قورنت بأي مهنة أخرى: من هنا جاءت هذه القراءات مع السيد أوستن الذي اعتنق أفكار بنثام وأضاف إليها الكثير من مصادر أخرى مشكلاً عقله الخاص به، فكانت خير مدخل إلى الدراسات القانونية، فضلاً عن كونها جزءا هاماً من التثقيف العام.

    كنت أقرأ أهم كتب بنثام التي تظهر للنور من وقت لآخر، سواء كانت من كتاباته هو نفسه أو من تحرير دومونت. كانت تلك قراءاتي الخاصة. وأما تحت توجيه والدي، فقد صارت دراساتي تتناول الفروع العليا في علم النفس التحليلي. قرأت في ذلك الوقت "مقالة" لوك؛ وحررت تلخيصاً عنها اشتمل على خلاصة كاملة لكل فصل من فصولها ضممت إليها ما خطر لي من ملاحظات. وقد قرأ أبي هذه الملخصات، ثم ناقشناها مناقشة شاملة. قمت بالشيء نفسه مع هلفيتيوس دو ليسبري الذي اخترت قراءته بنفسي. كان إعداد الملخصات تحت رقابة والدي عظيم الفائدة لي لأنه اقتضى دقة في فهم العقائد النفسية وفي التعبير عنها، سواء كانت حقائق مقبولة عندي أو مجرد آراء من آراء الآخرين.

    بعد قراءة الكتب التي كان لها أثرٌ معتبر في تطوري العقلي المبكر، بدأت أُتابع تطوري الذهني عن طريق الكتابة أكثر من القراءة. كتبت في صيف 1822 أول مقالة جدلية لي.

    كنت قد بدأت أيضاً في تلك الفترة أحاديثي في مواضيع عامة، مع الأشخاص المثقفين الذين كنت ألتقيهم. السيد غروت والسيد أوستن صديقا أبي اللذين، أخذت منهما الكثير وعاشرتهما كثيراً. تعرف أبي إلى السيد غروت عن طريق ريكاردو وقد حرص والدي على صحبته. وسرعان ما اعتنق غروت أفضل ما لدى أبي من أفكار، واستطاع أن يجعل من نفسه شخصية معروفة في مجال الفكر السياسي. كنت أزوره كثيراً فتمنحني أحاديثي معه في مواضيع السياسة والأخلاق والفلسفة مسرّة عظيمة، إضافة إلى ما كنت أجنيه من فائدة كبيرة من حيث تعليمي عبر هذا التواصل الودي مع رجل تحلّى بثقافة عالية وخُلق رفيع أظهرتهما حياته وكتاباته للعالم منذ ذلك الوقت.

    أزمة في تاريخي العقلي، مرحلة إلى الأمام:

    منذ أن قرأت بنثام أول مرة، صار عندي حقاً ما أستطيع أن أدعوه هدفاً في الحياة: أن أكون مُصلحاً لهذا العالم! وقد تطابق فهمي للسعادة الذاتية مع هذا الهدف تطابقاً تاماً.

    وقد اعتدت أن أغبط نفسي على يقين الحياة السعيدة الذي كنت مستمتعاً به من خلال تعليق سعادتي على شيء متين بعيد المدى أستطيع دائماً تحقيق بعض التقدم فيه من غير أن يستنفذه تحققٌ نهائي تام.

    لكن جاءني وقت صحوت فيه من هذا كله مثلما يستيقظ المرء من حلم. حدث هذا في خريف العام 1826. وكنت وقتها في حالة من التبلد العصبي، مثلما يحصل لأي امرئ من وقت لآخر.

    خطر لي أن أطرح على نفسي سؤالاً: "افترض أن أهدافك في الحياة تحققت كلها، وأن كل تغير في المؤسسات والآراء تطلعت إليه صار قابلاً للتحقق الآن، أيكون هذا فرحتك وسعادتك الكبرى؟" فأجابني هاتف داخلي غريزي لا سبيل إلى إسكاته: "لا!" غار قلبي بين أضلعي: تداعت الأسس كلها التي قامت حياتي عليها.

    رجوت أن تمر هذا السحابة وتزول من تلقاء ذاتها؛ لكنها لم تزل!

    التمست الراحة في كتب أحبها، لكن عبثاً!

    أحسست أن ما بي من كرب ليس مما يثير اهتمام أحد، ما كان فيه شيء يدعو أحداً إلى التعاطف معي. وأما النصح فكان شيئاً ثميناً لو كنت أعرف أين التمسه.

    لكن بعد مرور ستة أشهر، أنار شعاع ضئيل ظلمة كآبتي. كنت أقرأ مصادفة كتاب "المذكرات" لمارمونتيل، فوصلت إلى فقرة فيه تتصل بموت أبيه وحالة الكرب التي ألمت بالأسرة فجاءهُ إلهام مفاجئ جعله يشعر، وهو لا يزال صبياً أنه سيكون كل شيء بالنسبة لتلك الأسرة، وجعل أسرته تشعر الشعور نفسه أيضاً: سوف يعوضهم عن كل ما فقدوه. تمثل لي مشهد حيّ عن تلك المشاعر فرحتُ أبكي. صار عبثي يتناقص منذ تلك اللحظة. وزال عني ذلك الإحساس بالظلم الذي خلقته فكرة أن مشاعري ميتة. هكذا تخففت من إحساسي المقيم بانعدام الأمل في شفائي وصرتُ أرى، شيئاً بعد شيء، أن حوادث الحياة الصغيرة قادرة على منحي شيئاً من المسرة من جديد. وسرعان ما عاد إليّ نوع من الإثارة، وإن كان معتدلاً، في إرهاق نفسي بالعمل من أجل آرائي ومن أجل الخير العام.

    إن مسرّات الحياة كافية (هكذا كانت نظرتي الآن) لجعلها شيئاً سعيداً عندما يقطفها المرء سائراً في طريقه من غير أن يجعلها موضوعاً رئيساً. فما أن يجعلها غايته حتى يُحس عدم كفايتها. لا تحتمل هذه المسرّات فحصاً مدققاً فيها! يكفي أن تسأل نفسك إن كنت سعيداً حتى تفقد السعادة!

    بداية أثمن صداقة في حياتي:

    بلغت الآن فترة من فترات تقدمي العقلي جعلتني أبنيّ صداقة شرّفت وجودي وكانت بهجته الأولى مثلما كانت منبع جزء كبير مما حاولت فعله من أجل تحسّن حال البشر. ففي عام 1830 تعرّفت إلى السيدة التي قَبِلت أن تكون زوجة لي بعد عشرين عاماً من صداقتنا.

    ومع أنني تعرفت إلى السيدة تايلور قبل سنوات من تحول معرفتنا إلى معرفة حميمة، إلا أنني سرعان ما أحسست أنها أروع شخص عرفته في حياتي. عندما تعرفت إليها أول مرة، ما كان لي أن أتوقع أنها في سبيلها إلى أن تصير مثلما صارت. لقد طوّرت نفسها، وتقدمت بأرفع ما للتقدم من معنى. وقد تزوجت في سن مبكرة من رجل محترم ذي قسطٍ طيب من التعليم؛ لكنه مفتقرٌ إلى الميول الثقافية أو الفنية التي يمكن أن تجعله رفيقاً لها، رغم أنه كان صديقاً محباً ظلّت تقدره وتكن له عاطفة طيلة حياته. فحزنت عليه أعمق الحزن عندما توفّي.

    وسرعان ما أدركت أن تلك السيدة تجمع الصفات التي كانت تُسعدني مصادفتها عند كل من عرفتهم. فلديها تحرر كامل من كل نوع من الاعتقاد بالخرافة، واحتجاجاً صادقاً على أشياء لا تزال جزءًا من المؤسسة الاجتماعية المستقرة. ما كان هذا نتيجة لذكائها وحده، بل أيضاً نتيجة قوة مشاعرها ونُبلها ورِفعتها، إلى جانب طبيعتها السامية. وكان عُمق معرفتها بالطبيعة البشرية، ونفاذ بصيرتها وحصافتها في تدبير شؤون الحياة اليومية، كفيلان بجعلها من بين من يحكمون بني البشر لو أن هذا المجال كان مفتوحاً للنساء آنذاك.

    ما كان لإتاحة أي قدرٍ من التفاعل الذهني مع مخلوقة لديها هذه الصفات كلها إلا أن يُحدث أثراً حميداً في تطوري؛ على أن ذلك الأثر جاء متدرجاً، إذ انقضت سنوات كثيرة قبل أن يسير تطورها وتطوري الذهني معاً في رفقة مكتملة بلغناها آخر الأمر. كانت استفادتي أكبر مما أستطيع محاولة تقديمه لها.

    عندما يشترك شخصان في أفكارهما وتأملاتهما اشتراكاً تاماً، وعندما يخضع ما يهمهما معاً من موضوعات ثقافية أو أخلاقية إلى مناقشة مستمرة في مجرى حياتهما اليومية فيسبران أغوارها إلى أعماق تتجاوز ما يصح أن يبلغه سبرها في كتابات موجهة إلى القارئ العام، وعندما ينطلقان من المبادئ نفسها فيصلان إلى النتائج عبر عمليات يقومان بها معاً، فما من أهميةٌ بعد ذلك للسؤال عن أصل الفكرة أو عن صاحب القلم.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:186
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:93
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك