• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 455
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    27
    اغسطس
  • 124: ذكريات الجزء الثامن
  • كتب في: 27-08-2018
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: دار المنارة
  • عدد الصفحات:354
  • كتابٌ جديد أثار في نفسي ذكريات قديمة: كنت أسكن في دمشق بحي المهاجرين، وهو قائم على جبل قاسيون، شوارعه تعترض الجبل صاعدة فيه، والبيوت مصفوفة فيها، صف الكراسي في مدرج المسرح، وكانت لدارنا حديقةٌ واسعة، تلعبُ فيها الصغيرات من بناتي، فإذا كان الليل وأظلم الكون، خافت إحداهن من الخروج إليها، فأخذتها مرة، وأخذتُ معيَّ كشافاً كهربائياً صغيراً، واخترقتُ بها حجب الظلام وهي مُتهيّبة خائفة تتمسك بي، حتى إذا توسطتُ الحديقة، أضأتُ الكشاف، وقلت لها: انظري ما الذي تخشينه؟ هذه هي البركة الصغيرة، وهذا حوض الورد، ما تبدل في الحديقة شيء. فلما رأت كل ما فيها على حاله، لم تعد تخشاها، أو تجزع من الخروج إليها. وكثيرٌ مما نخافه في هذه الحياة، وكثيرٌ من الموضوعات التي تتحاماها الأقلام، وتبتعد عنها الصحف، مثلُ ه

    كتابٌ جديد أثار في نفسي ذكريات قديمة: كنت أسكن في دمشق بحي المهاجرين، وهو قائم على جبل قاسيون، شوارعه تعترض الجبل صاعدة فيه، والبيوت مصفوفة فيها، صف الكراسي في مدرج المسرح، وكانت لدارنا حديقةٌ واسعة، تلعبُ فيها الصغيرات من بناتي، فإذا كان الليل وأظلم الكون، خافت إحداهن من الخروج إليها، فأخذتها مرة، وأخذتُ معيَّ كشافاً كهربائياً صغيراً، واخترقتُ بها حجب الظلام وهي مُتهيّبة خائفة تتمسك بي، حتى إذا توسطتُ الحديقة، أضأتُ الكشاف، وقلت لها: انظري ما الذي تخشينه؟ هذه هي البركة الصغيرة، وهذا حوض الورد، ما تبدل في الحديقة شيء.

    فلما رأت كل ما فيها على حاله، لم تعد تخشاها، أو تجزع من الخروج إليها.

    وكثيرٌ مما نخافه في هذه الحياة، وكثيرٌ من الموضوعات التي تتحاماها الأقلام، وتبتعد عنها الصحف، مثلُ هذه الحديقة، لا تحتاج إلا إلى عود كبريت، أو إلى مصباح كشاف، يُظهرُها لأعيننا، فنرى أنه ليس فيها ما نخشاه ولكن الظلام الذي كان يلفها، وخيالنا الذي كان ينطلق وسط هذا الظلام، هو الذي يملأ نفوسنا بالمخاوف والأوهام.

    ومن ذلك كتابٌ صدر في الشام في هذه الأيام، يعرِضُ لواحدٍ من هذه الموضوعات لرجلٍ كان من رجال القضاء، انقطع إلى النيابة العامة، فبلغ أعلى مرتبة فيها، وما عرفناه من قبل من أهل التصنيف والتأليف، ولا من أرباب الأقلام وأصحاب البيان ولا أعرف عنه أنه من العلماء أو من أرباب الفكر، ثم أنه جاء في عهد الانتداب (أيام الفرنسيين)، وهو نصراني، والفرنسيون لا يعطون مسلماً شيئاً إن وجدوا من يصلح له ممن هو على دينهم وملتهم، ثم إذا همسنا بشكوى، أو نطقنا بها قالوا إنكم تفرقون بين أبناء الوطن الواحد، وتبعثونها عصبية دينية. وجاء مؤلف هذا الكتاب يردد النغمة المملولة، ويعيد هذه الحجة الواهية، مع أن كتابه كله دعاية للنصرانية وأهلها فلا يُبصر في تاريخنا غيرهم، والكتاب اسمه (الدولة والقومية العربية والدين والوحدة) وليس هذا اسماً مألوفاً لكتاب، ولكنه قائمة تعدد موضوعات الكتاب، والغريب أنه لا يقصد بالدين دينه هو وهو نصراني، ولكن ديننا نحن المسلمين، وهو يتكلم في الصفحة 124 تحت عنوان (الزاوية الإسلامية) في العقيدة، فيُفسر آيات من القرآن، مثاله فيها مثال مسلم كتب في عقيدة البوذيين مثلاً.

    وللطب حماته والذائدون عنه، فإن انتحل صفة الطبيب من ليس من أهله، لاحقوه قضائياً فعاقبوه، وكذلك من ادعى أنه مهندس وما هو بمهندس حاكموه وجازوه، فما لنا نرى بابين مفتوحين لا حارس عليهما ولا بواب، يدخلهما من شاء، وهما أخطرُ من الطب ومن الهندسة، هما: الدين والسياسة. فمن أراد تكلم في الدين، ولو خالف الأئمة من الأولين والآخرين، حتى وصل الأمر إلى الخواجة حنا مالك مؤلف هذا الكتاب، فصار يُفسر القرآن الذي لا يؤمن هو بأنه من عند الله، وليس عنده من علم العربية وعلومها ولا من معرفة دقائقها وأسلوب أهلها، ما يجعله أهلاً للتصدي لتفسير القرآن.

    وأنا من يوم أدركت ما حولي أرى النصارى في بلدي يعيشون كما يعيش المسلمون، لهم من الثمرات والخيرات مثل ما لنا، بل ليس لنا في الحقيقة مثل الذي لهم منها، ما ظلمنا يوماً واحداً منهم، وإن ذكرنا النابغين منا ذكرنا نابغيهم، وإن كانت مناصب أحللناهم في أرفعها.

    وجدت في هذا الكتاب سؤالاً لو ألقيناه نحن المسلمين، لقاموا علينا، وقالوا إننا نفرق الجمع، ونصدع بناء الأمة الواحدة، ولكن قائله نصراني وذنبُ النصارى مغفور. سؤالاً وضعه عنواناً كبيراً، لفصلٍ طويل هو (هل النصارى كفار؟) إنه عنوان يُخيف كل راغب في وحدة الصف، لذلك نبتعد عنه، ولقد أُلقيَّ عليّ هذا السؤال من قبل في مجلسٍ كان فيه جمعٌ كبير من قضاة الشرع والمشايخ، ومن كبار رجال الدين من النصارى، وكان يحضره وزراء وكان الداعي إليه والمشرف عليه رئيس الجمهورية.

    ذلك أنه كان من عادة رؤساء الجمهورية في دمشق أنهم يدعون القضاة والعلماء ومن يسمونهم برجال الدين إلى مائدة الإفطار في رمضان، وقد ذهبت مرتين فقط إلى دعوتين من الرئيسين هاشم بك الأتاسي وشكري بك القوتلي، فجمع أحدهما بيننا نحن قضاة الشرع والمشايخ ورجال الدين من النصارى، وكانت أحاديث مما يتحدث به في أمثال تلك المجالس، ففاجأنا مرة واحد من كبارهم يعتبُ علينا، إننا ندعوهم كفاراً.

    فجزع الحاضرون ووجموا، فقلت للرئيس: تسمح أن أتولى الجواب؟ وسألته: هل أنت مؤمن بدينك؟ قال: نعم، قلت: ومن هم الذين تدعوهم مؤمنين به: أليسوا هم الذين يعتقدون بما تعتقد؟ قال: بلى، قلت: وماذا تُسميّ من لا يعتقد بذلك؟ ألا تدعوه كافراً؟ فسكت. قلت: إن الكافر عندك هو الذي يرفض أن يأخذ بما تراه أنت من أُسس الدين، وأصول العقائد، وكذلك نحن فالناس عندنا بين مسلم يؤمن بما نؤمن به من رسالة محمد، وإن القرآن أنزله الله عليه، وآخر لا يؤمن بذلك فنسميه كافراً، فهل أنت مسلم؟ فضحك وقال: لا طبعاً، قلت: وهل أنا في نظرك وبمقاييس دينك مؤمن بما لدى النصارى أو كافرٌ به؟ فسكت، وسكتوا، قلت: أنا أسألك فإن لم تجب أجبت عنك، أنا عندك كافر لأني لا أعتقد بأن المسيح ابن الله، ولا بأنهم ثلاثة الأب والابن وروح القدس، والثلاثة واحد، ولا بمسألة الفداء، ولا بأمثال ذلك مما هو من أصول عقائد النصارى. وأنت عندي كافر لأنك تقول بها، فلماذا تنكر عليّ ما تراه حقاً لك؟ إن ديننا ظاهرٌ معلن، ليس فيه خبايا ولا أسرار، والقرآن يقول (لقد كفر الذين قالوا إن اللهَ هو المسيح) ويقول في الآية الثانية: (لقد كفر الذين قالوا إن اللهَ ثالثُ ثلاثة). فالكفر والإيمان إذن مسألة نسبية، ما تسميه أنتَ كفراً أسميه أنا إيماناً، وما أسميه أنا كفراً تسميه أنت إيماناً، والله هو الذي يفصل بيننا يوم القيامة، فسكتوا.

    تقولون: لماذا أتكلم عن هذا الكتاب في هذه الذكريات؟ والجواب أن لكل متهم أن يدافع عن نفسه، وأنا لم يتهمني وكيل النيابة الذي هو (أصغر أعضائها) بل اتهمني أكبر رئيس فيها، ولم تعلن التهمة بين جدران المحكمة بل أعلنت في هذا الكتاب، فقد قال (صرح مرة شخص سوري مسلم، كان يحتل مركزاً رفيعاً بقوله: إنه كمسلم يُفضل أحقر شخصية إسلامية باكستانية أو أندونيسية على أعلم وأرفع رجلٌ عربيّ غير مسلم كرجل الدولة العلامة فارس بك الخوري وكان رحمه الله وقتئذ رئيساً لمجلس النواب السوري.

    ملاحظة: أنا لم أقل هذا الكلام كما رواه ولكن قلت إن آخر مسلم في الهند أو الباكستان أقربُ إليّ من فارس الخوري، ولم أقل أحقر شخصية إسلامية، فلا تجتمع الحقارة والإسلام في نفس واحدة لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ولما نشر هذا الكلام لقيت الأستاذ فارس الخوري نفسه فظننته غضبان، وحاولت أن أُكلمه فقال لي بالحرف الواحد: ولماذا أغضب، وقد جعلتني أقرب النصارى إليكم؟

    أعود إلى كلام الأستاذ حنا مالك يقول: فهل مثل هذا الاعتقاد يتفق وفكرة المساواة بين المواطنين في الوطن الواحد وفي ظل دستور واحد؟ بل هو يتفق مع جوهر الدين وفلسفته، ومع مفهوم القومية العربية؟ ثم قال: تصريح آخر للمواطن السوري المنعوت عنه أعلاه (يقصدني أنا).

    وبعد مضي ثلاثين سنة ونيف على تصريح هذا المواطن العربي الكريم يعود وينشر في صحيفة "الشرق الأوسط" مقالاً مطولاً بعنوان ذكريات الشيخ عليّ الطنطاوي: وأحد عباقرة العرب في هذا العصر ويقصد به دولة المرحوم فارس بك الخوري، ويعدد الكثير من صفاته المتميزة وشخصيته المثالية، وعلمه الواسع، ومع هذه العبقرية الفذة والصفات المتوفرة في شخص المرحوم دولة فارس بك الخوري فإن صاحب المقال يستهله بالقول: (ولكن آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ منه) ويقول لمن لامه لقسوة فيما مضى: يريدون أن نجعل الكافرين كالمسلمين، وأن ندعو بدعوة الجاهلين، وندع كلام رب العالمين، إنما المؤمنون إخوة، فننكر  أخوة الدين، ونتمسك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وأبو جهل أقرب إلينا من بلال وسلمان، كلا ولا غرابة قلتها في أول حياتي وأقولها الآن. انتهى ما نقلته من كلامه، وأنا لم أقل "ولا غرابة" بل قلت: "ولا كرامة" ولكن الأستاذ حنا لا يستطيع أن يميز بين اللفظين.

    إنني أقول الآن وأنا في الثمانين من عمري ما قلته ونشرته في مطلع شبابي إن آخر مسلم في الدنيا أقرب إليّ من فارس الخوري ومن غير فارس الخوري، ومن لا يقول هذا القول لا يكون مسلماً، لأن رابطة الإيمان أقوى من رابطة النسب.

    هذا الموضوع كما قلت خطرٌ يتحاشاه الناس ويبتعدون عن الكلام فيه، مع أن خوفنا منه كخوف ابنتي من ظلام الحديقة في الليل يزيله أن توقد عود كبريت أو تشعل شمعة فترى وأن الخوف من هذا الموضوع وهمٌ في وهم، والله تعالى قد أدبنا فبين لنا أن لا نواد من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءنا أو أبناءنا أو إخوتنا أو عشيرتنا، وسمح لنا أن نعاشر بالحسنى من لم يعادنا في ديننا ولم يُخرجنا من ديارنا، والذي أرجوه أن لا يفسر أحد كلامي على غير وجهه، وألا يقولني شيئاً لم أقله، وأن يعلم أنني لست من دعاة التفرقة ولا الخلاف بل من دعاة المودة والائتلاف ولكن في حدود عقيدتي وإسلامي.

     

    الأستاذ أبو الحسن الندوي ومذكراته:

    كلما هممت أن أمشي في ذكرياتي هذه كما يمشي الناس، صرفني صارف، أما الذي اعترضني اليوم فهو كنزٌ ثمين، هو كتاب قيم ستصدره المطبعة إن شاء الله عما قريب، لداعية من أكابر الدعاة إلى الله في هذا العصر، وصديق من أكرم الأصدقاء، ومؤلف مكثر له كتبٌ يعرفها الناس، ولكن لهذا الكتاب فضلاً (أي زيادة) عليها، لأنه يسرد سيرة المؤلف الأستاذ السيد أبي الحسن الندوي، ومعه رسالة منه يشرفني فيها فيكلفني بأن أكتب له مقدمة الكتاب.

    وللصديق على صديقه حقوق، أقلها أن يأمره فيطيع أمره، فلما جاءني كتاب أبي الحسن فتحته لأرى ما فيه، فعلقت به، وعكفت عليه، أُقلب صفحاته، لا أستطيع أن أدعه، وكلما ازددت به تعلقاً، وكنت أقرأ وأدون على صفحة بيدي، ما يخطر على بالي من تعليقات ابني بها المقدمة التي طُلبت مني، فأمضيتُ في ذلك خمس ساعات متصلات، ما بسطت فيها رجلي ولا عدلت جلستي، أ:ملت فيها جميع عناصر المقدمة، حتى إذا انتهيت منها، تشهدت، وألقيت القلم، وقلت: الحمد لله لقد فرغت، وأخذت كداسة أوراقي التي سودتها، انظر فيها، لأرى ثمرة تعبي وكدي، فإذا أنا لم أصنع شيئاً.

    أفكان أخي الحبيب وسميي الأستاذ أبو الحسن يسخر مني؟ أم كان يمتحنني؟ أم كان يريد أن يعجزني؟ إن كان امتحان، فأنا أعترف أنني قد خرجت بالهوان ورسبت في الامتحان. وإن كان في الأمر تعجيز فقد أقررت بالعجز، ورفعت الراية البيضاء.

    أنا أكتب في الصحف والمجلات من ستين سنة، وكان أول كتاب نشر لي سنة 1348هـ، فما ضقت يوماً بمقالة، ولا أحسست التعب بها، كما أحسست عند هذه المقدمة ومقدمة كتاب أخي ناجي الطنطاوي.

    وماذا أقول وقد سد عليّ مسالك القول، فلم يدع لي مسافة أنملة أوسعها لأدخل منها، فأكتب عنها... لقد قرأت مذكرات كثير من أدباء العصر، ممن سار فيها مع السنين، وجاء بها مرتبة ترتيب الأيام في مجرى الزمان كأحمد أمين، ومن اتخذ منها مواقف فصلها تفصيل الأديب، كطه حسين، ومن أخذ مما رأى وسمع مشاهد علق عليها، وإن لم يستوف عناصرها، كمحمد كرد علي. أما أخونا الأستاذ أبو الحسن فقد جمع في سيرته بين الحديث عن أصله ومنبته، وعن بيته وبلده، وعن دراسته وتحصيله وعن أصحابه وتلاميذه، فلم يدع شيئاً إلا قاله، فماذا ترونني قائلاً؟

    لقد كتب عن أسرته، أهل أبيه وأمه، وإذا هو عالم من نسل علماء. فأبوه عالم طبيب مؤلف، وأخوه لأبيه عالم طبيب، وأخته مؤلفة ولها ترجمة رياض الصالحين، وأخته الأخرى عالمة وهي أم لعلماء، أما والده فهو مؤرخ الهند حقيقة ولقد استفدت من كتابه العظيم "نزهة الخواطر" فوائد جلية في تراجم عظماء الهند التي أودعتها كتابي (رجال من التاريخ).

    أما إذا اجتمع العلم والأدب، مع الحسب والنسب، فتلك الغاية التي لا غاية بعدها، ولولا أن يُظن أني صرت شاعراً مداحاً عملي الثناء لقلت أن أبا الحسن جمع الأمرين.

    كتاب أبي الحسن ليس سرداً لأحداث حياته، ولكنه كتاب أدب فيه وصف للأمكنة كأنك تراها، وكتاب علم فيه ذكر العلماء ومجالس العلم، وسجل اجتماعي فيه وصف عادات الناس وأوضاعهم في الهند.

    لقد كلفني أبو الحسن في غرة 1385هـ وشرفني بأن أُقدم كتابه (الطريق إلى المدينة) فلم أجد فيه يومئذ من المشقة ما أجد اليوم، لأنه موضوع محدود، وقد كنت سلكت طريق المدينة قبله، حين جزعنا الصحراء سنة 1353هـ ولقينا الأهوال، ورأينا الموت عياناً.

    امتثلت يومئذ الأمر، وكتبت وستر الله ومرت القضية بسلام، أما الآن فأنا أمام حياة كاملة، وحياة من؟ حياة أبي الحسن الندوي، الداعية الكاتب المحاضر الأستاذ الذي كان له في كل بلد إسلامي ذكر، وله مآثر ومناقب، فمنذا الذي يقدر أن يلخص حياة أبي الحسن في مقالة.

    لقد كانت أول معرفتي بأبي الحسن من كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)، لما رأيت هذا الكتاب لم أكن أعرف مؤلفه، فقلت من هذا الباحث الهندي الذي يكتب بمثل هذا الأسلوب العربيّ النقيّ، ويحيط بأحوال المسلمين هذه الإحاطة، ثم علمت أنه هندي المولد ولكنه عربي الأرومة، وكم من العرب الأقحاح الذين عرفوا بألقاب فارسية أو أعجمية.

    وكنت أحسب أن (الندوي) لقب أسرة يجمع بين أفرادها النسب، وكنت أسأل ما قرابة السيد سليمان الندوي الذي كان من أعاظم من كتب السيرة، والسيد مسعود الندوي محرر مجلة "الضياء" إحدى المجلات الإسلامية الواعية، والسيد أبي الحسن، ثم علمت فيما بعد أنهم لا يجمع بينهم النسب وإنما يجمع بينهم العلم والأدب وهذا المعهد الذي ينتسبون إليه.

    كيف جئت المملكة؟

    كنت كلما زرت المملكة وقابلت من أعرف من أعلامها رأيت منهم دعوة صادقة بأن أُقيم فيها وأن أكون عاملاً صغيراً بين العوامل الكبار جداً على نهضتها. وكنت أُجيب بالشكر ولا يخطر على بالي يوماً أن ذلك سيتحقق.

    فلما ضاق العراق بأخينا الشيخ الصواف على عهد عبد الكريم قاسم، وكثرت الإساءات إليه، حتى شاع خبر مقتله، هرب من العراق واستقر حيناً في الشام أيام الوحدة، فضايقوه فذهب إلى مكة فاستقر فيها، وصار يعرض عليّ أن أعمل معه، ولكني كنت مستريحاً في عملي، مكفياً في رزقي، فكنت أشكره وأفهمه أنني غير مفارق بلدي، حتى جاءتني يوماً برقية بأن الملك سعوداً رحمه الله وافق على أن أعمل في مكة أستاذاً في كلية الشريعة، ثم جاءني بعد حين بطريق رسمي، صورة من كتاب أرسله معالي وزير المعارف الشيخ حسن رحمه الله.

    واتفق أن قدم الشام في تلك الأيام، وكيل وزارة المعارف، فذهبت أزوره في الفندق أسلم عليه، وإذ أنا أواجه فكرة طرأت في ذهني فجأة، ليس لها مقدمات ظاهرة، هي أن أعتذر عن السفر، وأعود إلى القصر العدلي إلى المحكمة وخبرت سعادة الوكيل بذلك. وحاول الوكيل أن يثنيني عن الذي عزمت عليه، ولكن الخاطر كان أقوى من أن يردني عنه شيء فقبل ذلك آسفاً كما قال.

    ومرت السنة، حتى إذا جاءت العطلة الصيفية خبرت أن لجنة سعودية لاختيار الأساتذة قد نزلت دمشق، ولعلكم تعجبون إن عرفتم أن رئيس اللجنة التي أخذتني إلى المملكة، هو صديقنا الشيخ عبد العزيز المسند، وكان يومئذ شيخاً بالاسم ولكنه شاباً بالفعل.

    ولم يأخذني إلى مكة أستاذاً في كلية الشريعة كما كان مقرراً من قبل، ولكن إلى (لكليات والمعاهد) في الرياض.

    وكان مدير الكليتين رجلاً فاضلاً سمح الخلق، يحب الجميع ويحبه الجميع، وكان بابه مفتوحاً يدخل عليه من شاء، فكنت أجلس عنده كل يوم سويعة آنس به، وكان يجتمع عليه الطلاب في فرصة الظهر، يستأذنونه في الخروج، ولم يكن يُسمح بالخروج من الباب إلا لمن يحمل ورقة موقعة منه، فكان إذا جاء الطالب أخذ ورقة الإذن بيده، وشرع ينصحه بلسانه، يقول: إن الخروج يا ولدي ممنوع إلا في حالة الضرورة، فلماذا تضيع وقتك وتتعب نفسك. ثم يقول له: ما اسمك؟ فيكتب اسمه في الورقة، فيرجع فيقول: ولماذا لا تبقى في الكلية؟ ويسأله في أي كلية أنت؟ وكنت أعجب من طول باله، وسعة قلبه، وحسن خلقه، وأعتذر لنسن نسيت اسمه.

    وعطشت يوماً وأنا عنده، فقلت له مازحاً: متى تكون صلاة الاستسقاء؟ قال: ولماذا السؤال؟ قلت: لأنني أرجو أن يأتي الله بالمطر فإنني عطشان. فضحك وقال لرجل يتربع على كرسي إلى يساره، وكنت أنا على الكرسي على يمينه، قال: يا فلان هات ماء للشيخ.

    فإذا هو فراش، وإذا الفراشون يجلسون مع الرئيس في مكتبه، وجدت ذلك في كل دائرة كنت أدخلها.

    وعطشت مرة أخرى، فقلت للقاعد على هذا الكرسي: من فضلك هات لي كأس ماء، فدهش المدير وقال: ألا تعرف الشيخ فلاناً؟ وإذا هو رجلٌ رفيع المنزلة عالي القدر.

    فصرت بعدها إذا مت من العطش لم أطلب ماء لأنني لا أعرف الفراش من أمير المؤمنين، وهذه هي الطبيعة العربية الإسلامية، وهذه التي يسمونها الديموقراطية.

    فالديموقراطية عندنا حقيقة مشاهدة صارت طبيعة فينا، وهي عند غيرنا دعاية تكون لفظاً بلا معنى.

    ووجدت غرفة الأساتذة في الكلية واحدة تجمع أساتذة الكليتين (كلية الشريعة وكلية اللغة العربية) وكانت واسعة جداً، فيها مائدة (طاولة) كبيرة، وحولها أكثر من ثلاثين كرسياً، يجتمع فيها الأساتذة، لكن يقعد النجديون في جهة منها، والمعاقدون (أي المتعاقدون) في جانب، وقلما يكون بينهما حديث مشترك، فكرهت هذا التفريق من أول يوم، وقعدت مع الشيوخ النجديين تارة، ومع إخواننا من الشاميين والمصريين تارة أخرى، ووجدت من الفريقين أحسن الاستقبال، ووجدت جو الكليتين في الجملة جو صفاء ومحبة، وإذا وجد الإسلام فلا تجدوا إلا المحبة والصفاء.

    وأما الطلاب فأشهد وأنا أعلم من سنة 1345هـ من قبل أن أكمل تعليمي، بأنهم من أكثر من رأيت من الطلاب أدباً مع المدرسين، ورغبة في الاستفادة منهم، وتكريماً للمسنين منهم.

     

     

     

    الحلقة الأخيرة: هذه نهاية الجزء الثامن من الذكريات ولكنها ليست نهاية الذكريات... ولا أحسب الذكريات تنتهي حتى تنتهي الحياة، لأن الإنسان كلما عاش يوماً، رأى فيهِ مشهداً، أو سمع خبراً، أو مرّ بتجربة وتمحص الأيام هذه المرئيات وهذه المسموعات، فيأكل كثيراً منها النسيان، وما بقي منها استحال إلى ذكريات.

    كنت عازماً على كتابة هذه الذكريات من قديم، حتى إني أعلنت عنها في مقدمة كتابي (تعريفٌ عام بدين الإسلام)، ولكني لم أبدأ بها إلا حين جاء وقتها، وشرعت فيها وما في ذهني خطة لها أتبعها، ولا صورة لها أحققها، فجاءت على أسلوب غير ما عرفنا من أساليب المذكرات، فرضي عنها ناس وسخط ناس، وكان الذهن موجهاً إليها والقلم ماشياً بها، وكان بالإمكان أن أكتب مثل الذي كتبت ونشرت، ولكني توهمت أنها طالت، وإن القُرّاء برموا بها، والجريدة ضاقت بها، وما ضاقت الجريدة ولا برم القُرّاء، ولكني توهمت أمراً فرأيته حقيقة فقطعتها. والله وحده يعلم هل لي عودة إليها أم قد صُرفت عنها فأحتسبها، فالذكريات في نفسي ولكن التوفيق من الله. فأسأل الله أن يوفقني في هذه وفي غيرها إلى ما يرضيه، وأن يرضيني بما يرضاه لي.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:534
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:87
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك