• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 25-09-2018
  • المؤلف: محمد الغزالي
  • الناشر: دار نهضة مصر
  • عدد الصفحات:359
  • عدد الاستماع للحلقة: 455
  • في هذا الكتاب أفكارٌ وعواطف شتى، صفا عرضها حيناً، وغام حيناً آخر، وإن اصطبغت في جملتها بحدة الشعور وحماسة العرض. والأحوال التي عانتها بلادنا، وذاق جمهور المسلمين نكدها، كانت هي المداد الفذ لهذه المقالات. والباعث على إرسالها هكذا؛ خواطرُ مُهتاجة. ..
    10
    سبتمبر
  • 125: أتغيّر (مذكرات)
  • كتب في: 10-09-2018
  • المؤلف: ليف أولمن
  • الناشر: المدى
  • عدد الصفحات:313
  • أجلسُ هنا، تحملني أفكاري وتطوف بي العالم كله، أحاول أن أُسجل وقائع الرحلة داخلي. أريد أن أكتب عن الحب – عن كوني كائناً بشريّاً – عن العُزلة – عن كوني امرأة. أُريد أن أكتب عن لقاءٍ حصل في إحدى الجزر، مع رجلٍ غير حياتي. أُريد أن أكتب عن لحظات أعتبرها هبات، عن لحظات طيبة وأخرى سيئة. لا أؤمن بأن المعرفة أو التجربة التي تُشكّل جزءاً من حياتي هي أعظمُ بأي حال مما لدى الآخرين. لقد حققتُ حُلماً واحداً – ولملمتُ عشرة أخرى جديدة عِوضاً عنه. لن أكتب عن ليف أولمن التي يقابلها الناس على صفحات المجلات والصحف، وقد يعتقد البعض أني أغفلت ذكر حقائق هامة في حياتي، إلا أنه لم يكن في نيتي أبداً أن أكتب سيرة ذاتية. إن ما يُثير السخرية أن مهنتي تتطلب استعراضاً يومي

    أجلسُ هنا، تحملني أفكاري وتطوف بي العالم كله، أحاول أن أُسجل وقائع الرحلة داخلي.

    أريد أن أكتب عن الحب – عن كوني كائناً بشريّاً – عن العُزلة – عن كوني امرأة.

    أُريد أن أكتب عن لقاءٍ حصل في إحدى الجزر، مع رجلٍ غير حياتي.

    أُريد أن أكتب عن لحظات أعتبرها هبات، عن لحظات طيبة وأخرى سيئة.

    لا أؤمن بأن المعرفة أو التجربة التي تُشكّل جزءاً من حياتي هي أعظمُ بأي حال مما لدى الآخرين.

    لقد حققتُ حُلماً واحداً – ولملمتُ عشرة أخرى جديدة عِوضاً عنه.

    لن أكتب عن ليف أولمن التي يقابلها الناس على صفحات المجلات والصحف، وقد يعتقد البعض أني أغفلت ذكر حقائق هامة في حياتي، إلا أنه لم يكن في نيتي أبداً أن أكتب سيرة ذاتية.

    إن ما يُثير السخرية أن مهنتي تتطلب استعراضاً يومياً للجسم والوجه والمشاعر. وها أنا أشعرُ بالخوف من الكشف عمّا في نفسي؛ أخاف أن يُعرّضني ما أكتب للانتقاد فأعجز عن الدفاع عن نفسي.

    كتبت المؤلفة الدانماركية توفه ديتلفسن تقول "هناك طفلة صغيرة داخلي ترفض أن تموت".

    أعيشُ، أبتهج، أحزن، ودائماً أُجاهد كي أكبر. ومع ذلك ففي كل يوم أسمع صوت تلك الفتاة الصغيرة داخلي، لأن شيئاً ما أفعله يؤثر بها. تلك التي قبل سنين كثيرة كانت أنا. أو من ظننتني أنا.

    حين أعود بذاكرتي إلى أحلام طفولتي، أرى أنها تشبه الكثير من الأحلام التي ما زالت تراودني، إلا أني لم أعد أعتبرها كما لو أنها جزءٌ من الواقع.

    إن التي في داخلي و"ترفض أن تموت" ما زالت تصبو إلى شيء مختلف. فلا النجاح يُرضيها، ولا السعادة تُسكتها".

    أحاول طوال الوقت أن أتغيّر، لأني أعلمُ علم اليقين أن هناك أكثر بكثير من الأشياء التي كنت قريبة منها. أُريد أن أتوجه إلى هذا الاتجاه. أن أجد السكينة، لأتمكن من الجلوس والإنصات إلى ما يجري داخلي دون أي مؤثرٍ دخيل.

    ***

    حين كنت صغيرة كنت أُفتن بمرأى القمر. إنه لا يثبت، لكنه مخلص وهو ينظر إليّ. وإذا استيقظت أثناء الليل أراه معلقاً، شاحباً وغامضاً.

    حين يكون ما يزال صغيراً جداً ورقيقاً أقف بالقرب من النافذة وأنحني له ثلاث مرات احتراماً. بعدها تتحقق لي أمنية. وإذا راودتني كوابيس أطلب من القمر ألا يتركني كلُّ من أُحب.

    والدي تركني.

    أتذكر جالسة وحدي معه قبل إجراء العملية التي كانت الأخيرة له. ظل الأطباء والممرضون يتوافدون ويخرجون – كانت هناك حركة نشطة واستعدادات تجري حولنا – لكني شعرت وكأننا وحدنا. وحين قال وداعاً بصوتٍ غريب عرفت أننا نكتم سراً مشتركاً. كنت في السادسة وكنتُ أُحاول أنّ أكونَ شُجاعة ولا أبكي.

    والدي، الذي هو موجود في حياتي على مدى ست سنوات ولم يترك لي ذكرى حقيقية واحدة عنه. إنها خسارة فادحة. إنّ هذا يحزُ في نفسي عميقاً حتى أن الكثير من تجارب حياتي لها صلة به. إن الفراغ الذي خلّفهُ موتُ أبيّ أضحى أشبهُ بفجوة، تستقر فيها تجاربي اللاحقة.

    **

    لا شك في أني أفهمُ سبب نظرة العديد من أفراد عائلة البابا إلى اختياري للمهنة شذراً. فحمل اسم "أولمن" مرتبط بالتزامات. أو هكذا قيل لي وأنا طفلة. عليك أن تُحافظي على معايير معينة. أن يكون لحياتك شعار – طريقٌ محددة توصل المرء إلى أهدافه، أساسها أرقى التقاليد. وقد كتب أحد أكبر أفراد العائلة سناً إلى الماما يقول إنه لعلّه كان من الأفضل للبابا أن يموت على أن يرى ابنته تقع في شباك المسرح.

    لم أكن أُدعى إلى الكثير من اجتماعات العائلة. وخلال سنتي الأولى في أوسلو كنتُ أُصادف من وقت إلى آخر أحد أفراد آل أولمن في الشارع. ولكن مع أنهم كانوا طوال الوقت يرمونني بنظرات ملؤها الرعب، كنتُ أشعر مع ذلك أنّ هناك في أعماقنا يقومُ اتصالٍ ما. ليت فقط منح أحدنا الآخر وقتاً ليفهم الآخر وليقبله. لقد نبتنا من الجذر نفسه، وكل ما في الأمر أننا نمونا في اتجاهات مختلفة قليلاً.

    حين بلغت السابعة عشرة أعلنت عن رفضي الذهاب إلى المدرسة. انتقلت بي الماما من مدير المدرسة إلى الطبيب النفسي ومنه إلى مجلس العائلة، لكن بدون أي فائدة. لم يعد في مقدوري احتمال الجلوس في غرفة الدرس مع كل ذلك الملل.

    أردتُ أن أخرج إلى العالم الرحب.

    بعد ذلك بشهر كنتُ واقفة على متن سفينة، أُراقب مرفأً إنكليزياً يلوحُ في الأُفق. كنتُ خائفة. وفي الصباح الباكر هبطتُ إلى شاطئ مدينة نيوكاسل. كانت خطوتي الأولى هي انتسابي إلى مدرسة داخلية. وتحملتُها بالضبط مدة أسبوعين.

    في الأمسية الأولى وقفت المعلمة عند الباب، وراحت ترمقني بنظرة قاسية وأنا مستلقية هناك، أُمثل صورة فتاة في السابعة عشرة تشعرُ بالحنين إلى وطنها.

    "لقد وضعتِ مرفقيك على مائدة العشاء. وهذا ما لم نعتد عليه هنا".

    كنا نتمشى مرة في الأسبوع جماعة داخل المدينة. فإذا أرادت إحدانا أن تشتري شيئاً، نتوقف جميعاً، وتنتظر البقية بينما التي تريد أن تشتري تدخل بصحبة المعلمة. وكانت الفُرجة على واجهة المحلات تعتبر تصرفاً سوقياً، لذلك لم نكن نفعل ذلك.

    وكانت تقام حفلة رقص في كل يوم سبت، وشُرِفتُ برقصة تانغو مع المعلمة لأني كنت وافدة جديدة.

    وفي صباح الاثنين وقفتُ ارتجف أمام شريكتي في الرقص يوم السبت أُخبرها بأنه لسوء الحظ ليس في مقدوري أن أبقى هنا بعد الآن.

    في القطار المتوجه إلى لندن شعرتُ برغبةٍ في الضحك والغِناء لكل من أُقابله.

    أخذت غرفة في جمعية الشابات المسيحيات وشعرتُ عندئذ بأن دراساتي المسرحية ستبدأ.

    كنت في صباح كل يوم أعملُ مع آيرين برينت، الممثلة والمدرسة. كانت تتولى إرشادي بدون مقابل. من ناحية لأنها صديقة حميمة للنرويج، ولكن أيضاً لأني كنت مشاهدة ممتنة لإلقاء أدوارها. فقد كانت تتدرب على أدوارها كلها التي تقدمها في الإذاعة وفي المسرح عليّ.

    بعد مرور بضعة أسابيع سُمح لي بمرافقة آيرين إلى المدرسة التي تُعلّم فيها. وكان أبرز من مرّ عليهم من تلاميذ ستيوارت غرينجر، وكانت صوره مُعلّقة في كل غرفة. ورأيتُ بعين خيالي صورتي أيضاً وقد عُلّقت هناك بعد بضع سنين.

    كنت أقترب من عامي الثامن عشر وقد وصلت إلى أوسلو بعد أن درستُ التمثيل في لندن. وكنت مقتنعة بأني بتُّ أعرف تقريباً كل شيء. ولم يكن يُخامرني أدنى شك في قدراتي كممثلة.

    ولكن في أعماقي كنتُ أشعرُ بعدم الثقة وبتوق للعودة إلى المدرسة في ترونديم، حيث كانت صديقاتي يدرسن عندئذ استعداداً للتقدم لامتحانات الدخول إلى الجامعة، ويعشن في طمأنينة المدرسة والدروس والمنزل والأصدقاء.

    بعد الخضوع لتجربة الأداء – حول جولييت وأوفيليا – وقفت في الرِواق ورحتُ أنتظر صدور لائحة بأسماء الذين سيُعيّنون من بين الذين قُبِلوا. وحين صدرت وقف فتى أخرق طويل إلى جانبي وأخذ يقرأ بصوتٍ عالٍ أسماء المُختارين وبينما كنتُ أشعرُ بالأمل يتلاشى مني، لأن اسمي لم يكن وارداً، فهمتُ، حين توقف فجأة قبل قراءة آخر اسم، أن اسمه ورد. اكتفى بالابتسام، ومشى بهدوء خارجاً من الغرفة وكأن لا شيء حدث له.

    ظللت سنين عديدة أُتابع مسيرة حياته. وكنتُ آمل أن أجد شيئاً من العدل في هزيمتي من خلال نجاحه هو.

    الآن هو يعمل تاجرُ سمك في السويد. وقد سمعتُ أنه راضٍ تماماً عن سير أموره.

    أمضيتُ عاماً في أوسلو، وأكثر ما أتذكره منها هي الأشهر القليلة الأولى التي اتسمت بالوحشة. وحزني الأكبر أثناءها كان جرّاء إحساسي بافتقاري إلى المقدرة والموهبة.

    شقة مساحتها اثنا عشر قدماً مربعاً. أيام بلا تنظيم. ليالٍ طوال زاخرة بالكوابيس. أبدية ما بين النهوض في الصباح وإحساسك بأنك منبوذ في الليل.

    أحياناً كنتُ أحصلُ على عمل – أُلصق طوابع، أكتبُ العناوين على الظروف، أو أي عمل يتوفر ليّ. في تلك الأوقات كنتُ أتناول طعام العشاء في كل يوم وأبعثُ رسائل إلى الوطن أقولُ فيها إنّ عملي في التمثيل يسيرُ على أحسن ما يُرام.

    "في داخلي طفلة صغيرة ترفضُ أن تموت"

    معهد التمثيل يرفضها، لكن مسرحاً ريفياً صغيراً يحتاجُ إلى واحدة في مثل عمرها.

    وجاء اليوم العظيم، غادر قطار محطة أوسلو في طريقه إلى ستافانغر. الآن وأخيراً تحقق الأمل! ففي حقيبة يدي يندس مُستكيناً عقدُ عمل مسرحي، وقد أصبح قذراً من تكرار التأمل فيه إعجاباً.

    الراتب ستمئة دولار في العام، والسعادةُ وحدها تساوي ملايين. أول دورٌ قمت به كان دور آن فرانك. لقد تعرّفت في البراءة الوهاجة لتلك الفتاة اليهودية الصغيرة على شيء من ذاتي. من حلمي الخاص، بأن الحب هو أهم شيء في الوجود.

    وردٌ ورسائل، مقابلات صحفية وشهرة مفاجئة. وبدون الكثير من الجهد أصبحتُ شخصية بارزة يُشار إليها بالبنان.

    ***

    كنا نلبسُ خاتمين ذهبيين عريضين، كلانا كان حيياً حين وقفنا في المحل لتنقيتهما. وأخبرنا المرأة التي كانت تخدمنا أنهما لشخصين آخرين. ولاحظتُ أنه غازلها.

    وذات مرة قلتُ له أظن أني حامل، لكني لا أرغب في الطفل. فبكى.

    كان لدينا سيارة زرقاء اللون ولم تكن جديدة تماماً حين ابتعناها. وفي فصل الصيف ذهبنا لنخيم. وفي الأمسيات كنا نكتب رسائل أحدنا إلى الآخر نُعبّر فيها عن مبلغ سعادتنا لأننا متزوجان. ثم انتقلنا إلى أوسلو. لم يكن أيُّ منا يكسب الكثير من المال. وفي كل شهر كنا نضع ميزانية، نلتزم بها لقرابة ثلاثة أيام. وفيما بعد صرنا نتشاجر بشأنها.

    كان مختصاً في الطب النفسي وكنت أعمل مع فرقة المسرح النرويجي.

    كان الأمر أشبه بالعيش داخل شرنقة من الأمان. وكان إحساسنا بالتقارب المشترك وكأنما بين أخٍ وأخته.

    أحياناً كانت تنتابنا نوبة مفاجئة من كراهية أحدنا للآخر. لأن أحدنا اصطدم بتخمٍ غير واضح. كنا نؤمن بمستقبل مشتركٍ بيننا، لكن أحلامنا كانت متباينة.

    استمر زواجنا خمس سنوات.

    لم يعد في إمكاني أبداً أن أعود شابة غضة مع أي شخصٍ آخر.

     

    حين كنت في الثانية والعشرين جاء مخرج ألماني، يدعى بيتر بالبتزش، إلى مسرحنا في أوسلو وكان ولسنوات عديدة أحد المخرجين البارزين في البرلينر انسامبل في برلين الشرقية.

    علمني بيتر بالبتزش أن كل ما نُجسده على خشبة المسرح يجب أن يظهر من جانبين؛ أن يُصوّر باللونين الأبيض والأسود. فعندما أبتسم يجبُ عليّ أيضاً أن أُظهر التكشير الكامن وراءها. يجب أن أُحاول رسم الحركة المقابلة – الانفعال المقابل.

    تعلّمت أن أعملَ بوعيٍّ أكبر.

    وككل المخرجين العِظام لم يقل لي بيتر بماذا يجب أن أُفكر أو ماذا أفعل في كل لحظة تمرّ. كان يعمل على مُخيّلة الممثل وحساسيته الموسيقية. والمخرج غير الموهوب فقط يتخيل نفسه في كل دور يمر عليه، ويريد أن يُصور أفكاره هو وانفعالاته؛ غير الموهوب فقط يجعل الممثل يتقمص تحديداته هو.

    **

    أُغلّق سماعة الهاتف وأشعرُ بالحزن. تتفحصني ابنتي لين وتسأل إن كانت تلك محادثة سخيفة. أومئ لها إيجاباً وأشعر برغبة جامحة مفاجئة في أن أُفضي بما أكُنُّه.

    وهذا ما فعلته.

    اقترحت لين قائلة "يلزمك أن تخرجي للتمشي والتفكير".

    "التمشي والتفكير؟".

    وتشرحُ الطفلة فتقول إنها أحياناً ترتدي ملابس جميلة؛ أحد قمصان نومي، وينحني الدبُ العجوز والأشجار وتتوقف لتتحدث مع الناس الذين تقابلهم.

    "ثم تنسين لِمَ أنتِ حزينة. هيّا يا ماما – اذهبي للتمشي والتفكير".

    وهذا ما فعلته.

    نحن في صيف العام الذي أمضيته في المنزل في أوسلو.

    أنا جالسة على مقعد خارج المنزل وآكل كعكةٌ ومربى من صُنع بيتي، وأنسى أني أُريد أن أُنقص وزني. الحرارة تطنُّ في رأسي.

    في لوس أنجلوس لا أحد يفهم تجربة التلذذ بتناول الكعك بالمربى تحت أشعة الشمس بعد انقضاء فصل الشتاء. إن الحياة هناك بعيدةٌ جداً عن هذا الجو.

    أذكر انطلاقي المفاجئ كنجمة سينمائية في أميركا. شيء غير متوقع ولا يزال بالنسبة إليّ مُبهماً، لا أدري إن كان قد جعلني أسعدُ حالاً؛ إن كنتُ أشعرُ أني مهددة كمحترفة أو، وهذا أهم ربما، كامرأة.

    قبل بضعة أشهر كنت في كاليفورنيا وراحوا يدللونني، وكأنني أميرة في إحدى حكايات لين. كنت محاطة من كل جانب باللطف والكرم. لم يكن يُسمح لي بعمل أي شيءٍ متعب أو ممل. كنتُ دائماً أجد حولي أُناس يرغبون في تخفيف أي عبء عني؛ إما لأنهم يتلقون أجراً ليفعلوا ذلك، أو لأنهم يملكون نسبةً مئوية مني أو لأنهم وظفوا احتمالات معينة في مستقبلي. لكني غالباً ما شعرتُ أن الكرم مصدره الطيبة.

    إنني عموماً لا أثق في تلك الحياة ويمكن إقناعي بمقايضة روحي بمظاهر التكريم والشهرة، والسعي للحصول على الإعجاب، واستغلال سحري. وأعرف أنه ما زال من الممكن اليوم الاستثمار في موهبتي وشخصيتي. ولكن ماذا سيحدث حين أبلغ من العمر أرذله. حين لن أعود سلعة مطلوبة؟ حين سيرين الصمتُ من حولي؟

    الخواءُ اللاحق هائل، بالنسبة إلى الذين يختارون العيش والموت في النور المُبهر للمصابيح القوسية. تصبح الوحدة لا تُحتمل، لأنها تتناقض بشكل كبيرٍ مع ما كان.

    ***

    إنها قصة حبٍ قصيرة تشبه الكثير جداً من مثيلاتها. استمرت خمس سنوات.

    أثناء عيشها معه لبضع سنوات راحت تراقبه. كانت تجلس بهدوء وتختبره كفرد.

    لم يعد فقط ذاك الشخص الذي كانت لها معه علاقة. وشيئاً فشيئاً بدأ فهمها له يستيقظ. وكلما ابتعد عنها فهمته أكثر -وكأن البعد كان يمنحها صفاء الرؤية.

    وتلاشى الخوف وخفّت وطأة الوحدة عليها حين لاحظت أنه فقد إحساسه بالأمان.

    كانت تفيض بالحنان وتتجاوز عنفه وجوره.

    لم تعد عمياء عن أخطائه ونقاط ضعفه، كما كانت في البداية، لكن فهمها واحترامها له ازدادا.

    اختفى الوله، ولاحظت أن شعره أصبح شائباً؛ كان أكبر سناً منها بكثير؛ وكان حكيماً واستفزازياً.

    واكتشفت وسط دهشتها أن هذا كان حباً.

    وأدركت وهي حزينة أن كل شيء سينتهي قريباً، وأنها جاءت إليه في وقتٍ كان قد بدأ لتوه يتحرك إلى مكانٍ آخر.

    ونظرت إلى طفلتها وأدركت أنها قريباً ستضطر إلى تولي هذه المسؤولية وحدها.

    أمضيا ردحاً من الزمن يمسك أحدهما بيد الآخر وكانا وثيقي الصِلة حتى الإيلام.

    إلا أنهما لم يُصبحا صديقين صدوقين إلا بعد أن انتهى كل ما كان بينهما.

    **

    ماذا أقول عن الفِراق الحقيقي؟

    أهي الدعاية التي تحيط بالحياة الخاصة؟ إنها الصحف التي تقتحم علينا حياتنا، تضغطُ على موضع الألم؛ مجلات تحملُ أغلفتها الخارجية صوراً مُلتقطة من لقاءاتنا الأولى؛ بوجوه مبتسمة سعيدة مع عناوين كبيرة بأحرف سوداء: "حياته الجديدة بدون ليف. اقرؤوا نهاية القصة". كنا وسط تعاستنا على علاقة حميمة مع نصف الدول الاسكندنافية.

    واتصل مراسل صحفي من باب المواساة الودية وقال إن في استطاعتي أن أحكي الحقيقة بنفسي، أو أن أضع الصحافة في الموقع الذي تضطر فيه إلى أن تكتب ما ترتئيه. وسألني آخر إن كنت أحتفظ برقم هاتف زوجته الجديدة.

    كان عليّ أن أتسلل من غرفتي في الفندق وأهرعُ على درج السُلّم الخلفي لأن هناك مصورين في انتظاري عند الباب الرئيسي. وأضعُ نظارة سوداء لأخفي حزني – قليلٌ من المعاناة الإنسانية تمر مسرعة في صورة تنفع لزيادة المبيعات. خاصة حين يمدنا النص بسردٍ حميمٍ لكارثة.

    أذكر وقوفي في زقاق خلفي بين براميل القمامة وطوابير الغسيل أنتظر مرور سيارة.

    أذكر أصدقاء انتظروا في المطار لاستقبالي لدى عودتي إلى السويد بعد ذلك مباشرة. كنت خائفة وخجلة وأنا مُعرّضة لكل النظرات والملاحظات. كانت هناك فتيات يحملن زجاجات الشمبانيا ولوحات إعلانات. كنّ واقفات بأزياء الهيبيز، يُلوّحن بعبارات تقول: "الحياة مستمرة" و"أهلاً بك ليف".

    ضحكت للمرة الأولى منذ وقتٍ طويل وسفحت الشمبانيا على أرض آخر خط مدرج المطار.

    صورتُ أفلاماً في إنكلترا وفرنسا والدنمارك ورومانيا والسويد. ورافقتني لين. زرنا بقاعاً كثيرة من العالم.

    بعثت رسائل إلى وطني النرويج أقولُ فيها كم أنا مستمتعة بالعمل في الخارج، لكن الشكوك كانت تساورني وأنا أكتب.

    أصبحتُ نجمة سينمائية راسخة القدم، تظهر لي صور ومقابلات صحفية في وسائل الإعلام. أبتسم في صور أُخذت لي في عواصم لا يعرف أفراد عائلتي شيئاً عنها إلا من خلال الأطلس. أبتسم وأنا متشابكة الذراعين مع المشاهير والحمقى والحكماء واللطيفين والأثرياء.

    أنا التي في طفولتي نمت في مغطس الحمّام لأنه كان المكان الوحيد الصغير بما يكفي ليُشعرني بالأمان، بات عندي الان غرفة نوم بحجم محطة قطار. في الأسفل، في الطابق الأول، ثمة مساحات شاسعة، يلُفها الصمت، وأروقة لا نهاية لها تُزيّن جدرانها الدروع والشمعدانات.

    السرير يقوم في منتصف الطابق، وأنا أرقدُ عليه وأرتجف، أسمعُ على البعد ضَحِكاً وغناءً ينبعثان من الفندق.

    أردت أن أهرب، لكني لم أجرؤ على المغامرة بنزول ذلك الدرج المُظلم. ورفض أيٌ من الأبواب أن يوصد.

    ولم أُصدق أني سأخرج من تلك الليلة حيّةً، ومع ذلك ففي كل صباح كنت أوزع ابتساماتي على موظفيّ المهرجان، وأقولُ لهم إني نمتُ نوماً عميقاً.

    أخشى أن أُزعج الاخرين؛ أخشى أن أؤذي مشاعرهم؛ أخشى أن أُدمّر تنكري كفتاة مُهذبة.

    **

    أتيت إلى هوليود ومعيَّ حقيبة معدة لقضاء عشرة أيام. كنت قد دُعيت إلى افتتاح فيلم "المهاجرون" وبقيتُ فيها أشهراً عديدة.

    باشرت العمل، وانتقلنا لين وأنا إلى منزل مترامي الأطراف يحتوي على خمسة حمامات وبركة للسباحة وكوخ مخصص للضيوف؛ وكتبت رسائل إلى أصدقاء أقولُ فيها إن الناس هنا مجانين لا محالة. لكنّ الأمرَ ممتع. وكان حمامي الخاص بحجم شقة عادية في أوسلو.

    قال لي أحد المنتجين "يجب أن تقصي شعرك".

    • كلا!
    • سأجعلُ منكِ أكبرَ نجمةٍ فقط لو تُغيّرين قليلاً من هندامك.
    • أنا معتادة على هندامي هذا.
    • ربما يجبُ أن تزيدي من مساحيق التجميل. أرسلي فاتورة المُزيّن لي وأنا سأسددها.
    • لن أفعلَ حتماً.

    بعد ذلك تركوني وشأني. كنت في الحقيقة أستمتع بمركزي كممثلة، وكان لروحي عمقٌ، وكنت أوروبية. لم أكن أستخدمُ مساحيق التجميل، وكنتُ قادمة من النرويج.

    أمضيتُ بضعة أشهر في هوليود وحاولتُ أن أتألق. وحين كان يحتجُّ شيئاً في داخلي، كنتُ أُمنيّ نفسي بأني قريباً سأعود إلى أرض الوطن.

    أصبح من الصعوبة بمكان أن أسير في الشوارع بدون أن يتعرّف عليّ أحد. ويقتربُ مني أشخاص غرباء ويقول أحد هم "عفواً. ألست ليف أولمن؟"، ويعود إليّ حيائي القديم، ويُربكني أيما إرباك، غير أنه اليوم بات ممزوجاً بانفعالات أخرى أكثر تعقيداً.

    لم أكن قد حققتُ أي شيء رائع في ذاتي، لكني اكتسبُ خبرةً وفهماً. وكفّ ضميري، أحياناً، عن تبكيتي بسبب كل ما لم أفعله ولم أعرفه. صرتُ أجدُ متعةً في مقدرتي المكتشفة حديثاً على اتخاذ قراراتي (حتى عندما تكونُ سيئة)، وأبتهجُ بقيامي بعملي، بغضبي، ببكائي، بضحكي، بالعيش.

    وجدتُ متعةً بسماحي لنفسي أن تكون على سجيتها، إيجاباً أو سلباً.

    لم أتغير بفعل أي أعجوبة. لم تكن حياتي سعادة متواصلة، وغالباً ما تملكني الخوف.

    إلا أني كنتُ أكثر ثراءً من الداخل؛ كنتُ أكثر تواؤماً مع ذاتي.

    أما الأمر الصعب فكان صراعي ضد كل ما يُحيط بي في كل يوم تصرخُ وسائل الإعلام معلنة عن مكونات الإنسان السعيد، واعدةً بكل ما هو ضخم ومنتصر.

    جلست هناك مع سعادتي الصغيرة البسيطة، قانعة بما لدي. إلى أن اتضح لي أن الحب، مثلاً، الذي يُعبر عنه بالغناء وبالكتابة وبالرسم، كان أكبرَ بكثير مما حظيتُ به منه.

    أحياناً كان ينتابني الخوف وأصرخُ في الليل، لأنه مهما كان ما وصلتُ إليه – أو في كل مرة أظن أني أنجزت شيئاً ما – يهتفون قائلين إن ثمة ما هو أفضل يمكن تحقيقه.

    العديد من أحلامي لم يتحقق أبداً، لكني اكتشفت ما لم أحلم به قط.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:552
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:103
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك