• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 10-12-2018
  • المؤلف: د. مصطفى السباعي
  • الناشر: دار الوراق – دار النيربين
  • عدد الصفحات:396
  • عدد الاستماع للحلقة: 81
  • الحمد لله الذي قدّر كل شيء فأحسن قدره، وابتلى الإنسان بما يسرّه وما يسوؤه ليُحسن في الحالتين شكره وصبره... وبعد فهذه خطرات بدأت تسجيلها وأنا في مستشفى المواساة بدمشق في شهر ذي القعدة من عام 1381 للهجرة الموافق لشهر نيسان (إبريل) من عام1962 ..
    26
    نوفمبر
  • 129: دمشق - صورٌ من جمالها وعِبَرٌ من نِضالها
  • كتب في: 26-11-2018
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: المنارة
  • عدد الصفحات:302
  • دمشق: "نُشرت سنة 1934م" دمشق! وهل توصف دمشق؟ هل تصوَّر الجنة لمن لم يرها؟ من يصفها وهي دنيا من أحلام الحب وأمجاد البطولة وروائع الخلود؟ من يكتب عنها – وهي من جنات الخلد الباقية – بقلمٍ من أقلام الأرض فانٍ؟ دمشق التي تُعانقها الغوطة، الأم الرؤوم الساهرة أبداً، تُصغي إلى مناجاة السواقي الهائمة في مرابع الفتنة، وقهقهة الجداول المُنتشية من رحيق بَرَدى، الراكضة دائماً نحو مطلع الشمس تخوض الليل إليها لتسبقها في طلوعها. دمشق التي تحرسها "الربوة" ذات "الشاذِروان" وهي خاشعة في محرابها الصخري، تُسبح الله وتحمده على أن أعطاها نصف الجمال حين قسّم في بقاع الأرض كلها النصف الثاني. دمشق أقدم مدن الأرض قِدماً، وأكبرها سناً، وأرسخها في الحضارة قَدَ

    دمشق:

    "نُشرت سنة 1934م"

    دمشق! وهل توصف دمشق؟ هل تصوَّر الجنة لمن لم يرها؟ من يصفها وهي دنيا من أحلام الحب وأمجاد البطولة وروائع الخلود؟ من يكتب عنها – وهي من جنات الخلد الباقية – بقلمٍ من أقلام الأرض فانٍ؟

    دمشق التي تُعانقها الغوطة، الأم الرؤوم الساهرة أبداً، تُصغي إلى مناجاة السواقي الهائمة في مرابع الفتنة، وقهقهة الجداول المُنتشية من رحيق بَرَدى، الراكضة دائماً نحو مطلع الشمس تخوض الليل إليها لتسبقها في طلوعها.

    دمشق التي تحرسها "الربوة" ذات "الشاذِروان" وهي خاشعة في محرابها الصخري، تُسبح الله وتحمده على أن أعطاها نصف الجمال حين قسّم في بقاع الأرض كلها النصف الثاني.

    دمشق أقدم مدن الأرض قِدماً، وأكبرها سناً، وأرسخها في الحضارة قَدَماً. كانت مدينة عامرة قبل أن تولد بغداد والقاهرة وباريس ولندن، وقبل أن تنشأ الأهرام ويُنحت من الصخر وجه أبي الهول، وبقيت مدينة عامرة بعدما مات أترابها واندثرت منهن الآثار. وفيها تراكم الأعصار، وإلى أهلها اليوم انتقلت مزايا كل من سكنها في سالف الدهر؛ ففي نفوسهم من السجايا مثل ما في أرضها من آثار التمدن وبقايا الماضي، طبقات بعضها فوق بعض. فالحضارة تجري في عروقهم مع الدماء، وهم ورثتها وحاملو رايتها وهي فيهم طبعٌ وسجيّة. فأيّ مدينة جمع الله لها من جمال الفتوة وجلال الشيخوخة كالذي جمع لدمشق؟

    واصعد جبل دمشق حتى تبلغ قبة النصر (التي بناها برقوق سنة 877 للهجرة ذكرى انتصاره على سِوار بك) ثم انظر وخبّرني: هل تعرف مدينة يجتمع منها في منظر واحد مثل ما يجتمع من دمشق للواقف عند قبة النصر؟ انظر تَرَ البلدَ كُله ما يغيب عنك منه شيء: ها هنا قلب المدينة وفيه الجامع الأموي، وها هي ذي مناراتها التي تُعدّ مئة وسبعين منارة، منها عشرون من أعظم منارات العالم الإسلامي، قد افتَنَّ بُناتُها في هندستها ونقشها فاختلفت منها الأشكال واتفقت في العظمة والجلال، لا كمآذن بغداد التي لا يختلف شيء منها عن شيء فإذا أبصرت منها واحدة فكأنما أبصرتها جميعاً. يحفّ بذلك كله الغوطة الواسعة التي تبدو للناظر كأنها بحرٌ من الخضرة قد نُثِرت فيها القرى التي تنيف على العشرين عَدّاً، أكبرها دوما ذات الكروم، وداريّا التي تُفاخر بِعِنبها كل أرضٍ فيها عنب، وحرَستا بلد الزيتون ومنبت الإمام محمد صاحب أبي حنيفة، ومَشرابا وهي حديقة ورد... إنك تشمل هذا كله بنظرة منك واحدة وأنتَ قائم مكانك، فأين – يا صديقي القارئ – ترى مثلَ هذا؟

    ولا تمر أُمسية من أمسيات الصيف على دمشقي قاعدٌ في دُكانه أو قابعٌ في بيته؟ تعال انظر جماعتهم في قهوات شارع بغداد، وفي كل قهوة مؤذنها (إي والله) وإمامها! وعلى ضِفاف بَرَدى عند "صدر الباز" وفي "الميزان" أجمل موضع في دمشق، وأمامهم سَمَاوَرات الشايّ الصُّفر الرشيقة، وفي كل حلقة مغنّيها! وليس مثل الشاميين في الولع بالغناء، فلا ينفرد الرجلُ بنفسه إلا غنى لها.

    قف ساعة على ظهر الطريق واسمع ما يُنادي به الباعة تَرَ عجباً لا شبيه له في البلاد، قصائد من الشعر غير أنها مُرسَلَة القوافي، وطرائفٌ من الغِناء غير أنها محلولة القيود، تمشي إلى القلوب طليقة حُرّة.

    تعال استمع هذا البائع وهو يتغنى بصوتٍ يقطر عذوبة وحناناً: "يا غَزْل البنات، يا ما غزلوك في الليالي، يا غَزْل البنات"، ويضغط على الليالي ويمد البنات. هل يستطيع قارئ أن يحزر ماذا يبيع هذا المُنادي؟ لا، لن أقول، فتعالوا إلى دمشق لتأكلوا غَزْل البنات. وهذا بائعٌ يهتف بكلمة واحدة لا يزيدُ عليها "الله الدايم"، هل يقع في حسابك أنهُ يبيعُ الخس؟ وأن "يا مهوّن يا كريم" نداء بائع "الكعك" عند الصباح؟ وأن من الباعة من ينادي بالحِكَم الغوالي، كهذا الذي ينادي: "ويل لك يا ابن الزنا يا خاين"، فيفهم الناس أنه بائع التَّرخون.

    والدمشقيون أكرم الناس، وأشدهم عطفاً على الغريب وحُباً له، فهم يؤثرونه على الأهل والولد. ومدينتهم من أنظف المدن لتدفق مائها وكثرة أنهارها ووصولها إلى الأحياء كلها ودخولها البرك في الدور، حتى لا يخلو حيّ من نهر.

    والشاميون مولعون بالنظافة والطهارة، حتى أنه ليُعدّ من أكبر عيوب المرأة ألاّ تغسل أرض دارها كل يوم مرة أو مرتين بالماء غسلاً وتمسح جدرانه وزجاجه.

    أما ألوان الطعام في الشام فلا يُضاهيها شيء في غيرها، وما أكل الغريب في دمشق حلواً ولا حامضاً ولا حاراً ولا بارداً إلا استطابه وفضّلهُ على طعام بلده، وما استطاب الشاميّ في غير بلده طعاماً قط.

    وفيها كلية الطب العربية، ولأساتذتها فضلٌ كبير على ما وُضع من المصطلحات العلمية في لغة العرب. وفيها أنشئ أو ل مَجْمَع علمي عربي.

    وليس للعروبة مثل دمشق موئلاً وملاذاً، وليس في المسلمين مثل أهلها تمسكاً بالدين وإقامة لشعائره، فمساجدها ممتلئة أبداً. والمنكرات في دمشق مقموعة وأهلها الأذلاء. وللعلماء العقلاء المخلصين منزلة عند أهل دمشق ليس لأحد من أبناء الدنيا مثلها.

    وبعد، فأي مزاياك يا دمشق أذكر، وفيك الدين وأنت الدنيا، وعندك الجمال وعندك الجلال، وأنتِ ديار المجد وأنت ديار الوَجْد، جمعتِ عظمة الماضي وروعة الحاضر؟

     

     

    إلى دمشق، بلدي الحبيب:

    "نُشرت سنة 1935"

    في هذا اليوم، "8 آذار"، ولد

    الاستقلال السوري الذي عاش

    عامين ثم مات في ميسلون.

     

    متى يا زمان الشؤم يعود بلدي كما برأه الله: دار السلام ومعرض الجمال ومثابة المجد والغنى والجلال؟ متى يرجع بَرَدى يُصفق بالرحيق السلسل؟ متى تثوب الأطيار المروّعة إلى أعشاشها التي هجرتها ورغبت عنها حين سمعت المدافع ترميها بشواظها الحاميّ؟ متى تؤوب تلك الحمائم فتشدو على أفنان الغوطة تنشد أغنية السلام؟

    متى؟ متى يا زمن الشؤم؟

    أتظل الأشجار عارية في جنات الغوطة، لا تعلو هاماتها تيجان الزهر ولا تتدلى أغصانها بعناقيد الثمر لأن الزُّرّاع قد أغفلوها فلم يتعهدوها بالسُقيّا ولم يجرّوا إليها الماء؟ أتبقى هذه الحقول والجنائن جرداء قاحلة، لأن الفلاحين انصرفوا عنها مُستجيبين لنداء الوطن الجريح المُمزّق الأوصال، مهطعين إلى داعي الجهاد حين أذّن بهم: حيّ على خيرِ العمل؟

    متى؟ متى يا زمن الشؤم يستريح الشام، بلدي الحبيب؟

    ما رأيتك استرحت يا بلدي الحبيب ساعة واحدة، فهل كُتب عليك أن تظل أبداً في تعبٍ وعناء؟ إني لم أكد أتبين نور الحياة وأُبصرُ وجه الدنيا حتى رأيت المدرّس يدخل علينا – معشر الأطفال – فزعاً مذعوراً. فسألنا أن ما له؟ فقالوا لنا كلاماً لم نفهم له معنى، قالوا: إنها الحرب! ولكن أيُّ حرب؟ إن المدرسة مفتوحة والأسواق قائمة والمدينة هادئة مطمئنة، فأين هي الحرب؟

    قالوا: هي هناك في مكان بعيد. فضحكنا وقلنا: هل هناك أبعدُ من الصالحية أو المزّة؟ إننا لا نبلغها حتى نمشي ساعة على الأقدام، وليس فيها حرب. فأين هي الحرب.

    ولكن الأيام أرتنا – وأسفاه – هذه الحرب: رأيناها في أسواق دمشق عندما شاهدنا القتال يدور فيها كل صباح من أجل رغيف من الخبز.

    نعم لقد رأينا (نحن الأطفال) الحرب في شوارع دمشق حين أبصرنا الرجال يأكلون قشور البطيخ وينبشون المزابل من الجوع! ثم رأيناها أوضح وأظهر حين لم نعد نُبصر في الشام رجالاً، لأن الرجال أكلتهم الحرب! ثم رأيناها أشدّ ظهوراً بطلعتها الكالحة القبيحة حين تعودنا مرأى جثث النساء والأطفال الذين ماتوا من الجوع.

    في وسط هذه المذبحة المرعبة، وخلال رائحة البارود وعزيف المدافع وإعوال اليتامى والثاكلات، نشأت وعرفت الحياة، فرأيت "البلد الحبيب" نصفه مقبرة للأموات ونصفه مستشفى لمن ينتظر الموت.

    وفي ذات صباح أفقنا على قصف يزلزل البلد، فسألنا: ما الخبر؟ قالوا: البشارة، هذا مستودع الذخائر يتفجر ويحترق، لقد أباده الألمان قبل هزيمتهم، لقد انتهت الحرب، وبعد ساعة يصل الشريف، فَهِبّوا لاستقباله. فنهضنا، ولكنّا لم نبادر إلى استقباله وإنما بادرنا إلى الجيش المنهزم نذبحه! فلما فرغنا منه مسحنا أيدينا من دمه وعدنا نستقبل الشريف!

    نسيت دمشق جوعها وتعبها، ونسيت نصف رجالها الذين ماتوا على شاطئ غاليبولي وعلى ضفاف الترعة في سبيل مصالح الألمان، ونسيت أحزانها على من عانقتهم حبال المشانق في ساحة المرجة في دمشق، وتكلّفت دمشق الابتسام. ووثبت ترقص من الطرب وتُغني، حتى كأن كل يوم من تلك الأيام عيد، وفاض الخير وابتسم الزمان، وظننت أنك استرحت يا بلدي الحبيب.

    ولكنا لم نلبث إلا قليلاً حتى سمعنا صوت النذير. ماذا؟ ماذا هناك؟ فقال: انهضوا دافعوا عن استقلالكم الوليد، لقد جاءت القوة العاتية تخنقه في مهده!

    فثارت ثورة دمشق وعصفت النخوة في رؤوس بنيها، فلم تمض العشيّة وينبثق الفجر حتى كانت دمشق كلها في بقعة الشرف في "ميسلون"، ولم يؤذن الظهر حتى رجعت دمشق من ميسلون، وقد تركت فيها استقلالها الوليد وقائدها الشاب صريعين، وفقدت دمشق كل شيء، ولكنها لم تفقد الشرف.

    وعاد بلدي الحبيب إلى حياة الرعب والأسى والنضال.

    ولكنه لم يخف ولم يجبُن. لقد خسر في "ميسلون"، ولكنه حفظ الدرس الذي ألقته عليه الحياة في ذلك اليوم. واستراحت دمشق حيناً ثم قفزت قفزة اللبؤة الغضبى، فإذا هي في العرين في الغوطة الخضراء، وتعيش دمشق سنتين وسط الرعب والنار والحديد، ثم يحلُّ السلام وتخرج دمشق من المعركة وقد نجحت في الامتحان.

    وأحسب أنك استرحت يا بلدي الحبيب. أحسب أنك استرحت، فإذا النار تسري في أحشائك، وإذا المعارك في أسواق دمشق، حول صناديق الانتخاب الذي أراده الأقوياء صوريّاً شكليّاً وأباه الشعب إلا انتخاباً حقيقياً، فلما لم يكن ما يريد الشعب حطّم الصناديق، وهدم قاعات الانتخاب، وانطلق ثائراً يهزأ بالحديد ويفتح صدره للبارود، وظفر الشعب. وكيف لا يظفر وقد اُمتحن مرتين؟

    فقلنا: قد استراح. ولكنه لم يسترح، وإنما دُعيّ إلى الامتحان العالي، إلى النضال الصامت المرعب، فثبت وناضل، ولبثت دمشق خمسين يوماً كاملة وهي مضربة، ليس فيها حانوت خبّاز أو بقّال وليس فيها قهوة مفتوحة، ووقعت المعارك في الأسواق وعلى أبواب الجامع الأموي، فأقبل النساء بصدورهن على الرصاص وهجم الأطفال على الدبابات، وعزمت دمشق عزماً ثابتاً على الموت أو الظفر، وعرف العدو أنها لن تُفَلّ عزيمتها أبداً ولن تلين قَناتها، فلانت قناته ودعاها إلى الصلح والتحالف.

    وهتفنا هذه المرة من أعماق القلوب: لقد استراحت بلادنا العزيزة. وعادت أيام فيصل مرة ثانية، ودقت طبول البشائر ورجعت الأعراس. ولكن الأعراس لم تتم؛ لم تتم يا زمان الشؤم!

    هذا صوت النذير العُريان وهذه ألسنة النيران، فماذا يحمل إلينا الغد يا زمان؟ أي مصيبة جديدة يأتينا بها؟ أكُتِب علينا ألاّ نستريح ولا نهدأ أبداً؟

    لا بأس يا زمن الشؤم، إننا نرحب بالمصائب فسُقها إلينا.

    إننا بنو المجد والحرية والحياة. وستحيا أنت يا بلدي الحبيب ماجداً حُرّاً، ولو متنا نحن ماجدين أحراراً.

     

    حي الصالحية في دمشق:

    هذا الحي العظيم (الذي يعدل هو وحي الأكراد ربع دمشق) كان أثراً من آثار لاجئ فلسطيني، نزح من بلده هرباً بدينه من الصليبيين كما هرب إخواننا اليوم بدنياهم من اليهود، ونزل المسجد كما نزلوا، وجاء بلا ثروة ولا مال كما جاؤوا، ولكنه صنع هو وأسرته العجب العجاب، أفضلوا على دمشق ديناً ودنيا، وأعطوها أكثر مما أخذوا منها؛ أعطوها حيّاً جديداً لبث قروناً وهو أجمل أحيائها منظراً وأصّحها هواءً وأكثرها مدارس ومعاهد، هو حي الصالحية، ونشروا الحديث والمذهب الحنبلي، وأنهضوا دمشق نهضة علمية رائعة، وتركوا مؤلفات عظاماً هي المراجع الأولى في موضوعها. وكان من عجيب أمرهم نشرُ العلم في النساء، حتى ظهر منهم وظهر في عصرهم من العالمات والمحدثات ما لا أعرف مثله في عصرٍ آخر، وأنشؤوا من المدارس ما تعجز عن إنشائه دولة، وكان من هذه المدارس جامعة، جامعة كاملة بالمعنى المعروف اليوم، بقيت إلى عهد قريب.

    منشئ حي "المهاجرين" في دمشق:

    إن من حق دمشق على الدمشقيين أن يعرفوا كل بقعة فيها وكل شارع وما عرض له على طول الزمان، ولكن هيهات!

    من يعرف تاريخ دمشق، وهي من أقدم المدن العامرات على ظهر الأرض اليوم بلا نزاع؟

    أنا أعرف الكثير من تاريخها الأول وأعرف الكثير من توسعها الحديث، وقد رأيت من يوم بلغت السن التي أُميّز فيها وأحفظ إلى الآن، رأيت كيف صارت دمشق في خلال هذه الفترة في أربعين سنة ثلاثة أضعاف ما كانت عليه مساحة. وأنا أعرف شارع النصر قبل أن يفتحه جمال باشا، وأعرف أن مقبرة الدّحداح كانت نهاية البلد (قبل فتح شارع بغداد) وأن طريق الصالحية لم يكن فيها إلا صف واحد من العمارات ونصف الطريق خال، وأن موضع البرلمان سينما.

    أما الفترة التي لا أعرفها فهي فترة الولاة العثمانيين، وكل ما عرفته من آثارهم أن دار العظم والخان من بناء أسعد باشا العظم من مئتي سنة تقريباً، وأن عبد الله باشا العظم بنى المدرسة المشهورة، وأن "السليمانية" من بناء سليمان باشا العظم، وأن درويش باشا بنى الجامع وأنشأ الحيّ الذي نُسب إليه "الدرويشية"، ومدحت باشا له آثار عظيمة منها السوق، ومنها إنشاء المدارس ومكتبة الملك الظاهر. وحسن رفيق باشا مد في أيامه خط بيروت، وشكري باشا (الذي كان أهل الشام يسمونه – للطفه – شكريّة خانم) من آثاره جسر الحرية...

    والآن إلى المهاجرين.

    إلى الحي الذي يعدل وحده مدينة حماة أو اللاذقية، والذي يُزيّن بأنواره جِيد قاسيون ليلاً كما تُزيّن عقود الألماس جِيد الحسناء، تتسلسل جادّاته كخيوط العقد حتى تزيد على العشر، من حَفافي تورا ويزيد إلى صخور الجبل. وفيه القصور وفيه الحدائق، وفيه المنظر الذي لا تملك أو تعرف مدينة مثله: منظر دمشق وغوطتها وقراها، منظر عرضه ثلاثون كيلاً.

    إنكم لو جئتم قبل ستين سنة، أو حتى لو سألتم الشيوخ الأحياء لخبروكم أنه لم يكن من هذا الحي كله يومئذ شيء، لا كوخ ولا شجرة. كان جبلاً أجرد ما فيه إلا هذا الصف من المدارس الأثرية والمدافن الذي يتسلسل على كتف يزيد من حدود حارة الأكراد إلى نزلة كيوان، ولا يزال باقياً منه آثار نحو عشرين مدرسة، منها المدارس التي في الشركسية، والمدرسة التي عند الحديقة الكبيرة في أعلى شارع الجلاء والباقي جبل أجرد.

    ولما جاء دمشق الوالي المُصلح ناظم باشا سنة 1313هـ رَغِب في عمارته، وعرض المتر بمتليك، أي بنحو ربع ليرة سورية بعملة هذه الأيام، فلم يُقدم أحد. ومن يشتري جبلاً أجرد مُنقطعاً ويسكن مع الوحوش؟ ثم اشتراه جميعاً بخمسين ليرة ذهبية موظف تركي اسمه بهاء بك، وحفر فيه بئراً جاءها بالماء من نهر يزيد. ولما نُقل من دمشق رجا صديقه شفيق بك المؤيّد شراءها، فاستحيا منه، فاشترى المهاجرين كلها بمئة ليرة ذهبية، ودفعها وذهب إلى الدار نادماً، فأحب أخواه أن يُشاركاه المصيبة، فتقاسمها الثلاثة ودفع كل منهم ثلاثاً وثلاثين ليرة وثلث الليرة.

    ولما جاء إمبراطور ألمانيا إلى دمشق زائراً كان وجيه دمشق أحمد باشا الشمعة، ينازعه الوجاهة عبد الرحمن باشا اليوسف، فاستعد الشمعة لإنزاله في داره وبنى جناحاً لذلك فيه قاعات كبيرة. واستعد عبد الرحمن باشا لذلك، فرأى الوالي ناظم باشا، منعاً للخلاف، إنزاله في قصر الحكومة. وأُعدت له "المصطبة"، وأُقيمت فيها السرادقات الهائلة، وجرت فيها حفلات بالغة الروعة.

    ثم عادت المهاجرين بعد ذلك إلى خلوها وإقفارها، حتى كانت حادثة كريت (إقريطش) حين غدر به اليونان في أواخر القرن التاسع عشر، وجاء اللاجئون من أهلها المسلمين دمشق، فاشترى لهم ناظم باشا أرضاً في المهاجرين وبنى لهم بيوتاً صغيرة أشبه بغرف. وأنا أعرف المهاجرين وأكثر بيوتها من هذه البيوت، ولا يزال إلى اليوم بيتان منها في فرع من الجادة الثانية بين طلعة المصطبة والشطا. ثم توالى العمران.

     

    دمشق التي عرفتها وأنا صغير:

    "نشرت سنة 1960م"

    إن موضوعي اليوم "ملامح من دمشق قبل خمسين سنة"، جلاها لعيني وأعاد صورتها إلى نفسي وقوفي أمس على الدار التي كُنّا نسكنها في تلك الأيام. ذلك أني ذهبت إلى العُقَيبة أزور صديقاً لي فيها، فلما صرت "تحت المئذنة" قلت أدخل "الدّيمَجِيّة" فأُجدد العهدُ بها.

    ودخلتُ زقاقاً عرضه متران، حتى إذا قاربت المسجد وقفت، وجعلت الأيام تمرّ بي راجعة أراها تطوي لي السنين، حتى رأيتني إماماً رسمياً في المسجد قبل ثمان وثلاثين سنة. ثم أرى الأيام تمر بي راجعة، حتى رأيتني وأنا صغير قُبيل الحرب وخلال سنيها الأولى.

    لقد سكنا هذه الدار ثلاثين سنة، وسكنها من بعدنا الشيخ الكافي رحمه الله. ديار أرضها من العدسة السوداء، شيء كالأسمنت، وجدرانها من الطين، وفي صدرها غرفة رطبة لا تستطيع الشمس أن تدخلها، تفضي إلى غرفة أصغر منها مظلمة تحتاج في الظهر إلى مصباح، وفي الطرف الآخر من الرحبة المطبخ، وفوق ذلك غرفتان.

    وكانت تجري في الدار ساقية قد جاءت من نهر تورا، تقطع ثلاثة آلاف متر لتصلَ إلينا.

    كان أهل الحي جميعاً يفيقون قبل الشمس، يُصلون ويلبثون أيقاظاً، لا تجد في الناس من كان ينام إلى ما بعد طلوع الشمس لأنه لم يكن فيهم من كان يسهر إلى ما بعد العشاء.

    كنا نفطر صباحاً، ونتعشى بعد العصر، أما الغداء فلم يكن مألوفاً عند عامة الشاميين. وكان الخيرُ كثيراً وكان كل شيء رخيصاً. فإذا انقضى الفطور انصرف النساء إلى أعمالهن وذهب الرجال إلى أسواقهم أو إلى دواوينهم، وكان أكثر التلاميذ يذهبون إلى المدرسة بالقُمباز والقبقاب.

    كان عندنا جامع التوبة. وهو جامع مبارك فيه أُنس، يُحس داخلُه الطمأنينة والانشراح، وقد أُسس من أول يوم على التقوى؛ ذلك أنه كان في الأصل خاناً تُرتكب فيه أنواع الموبقات، فاشتراه أحد ملوك الأيوبيين وجعله جامعاً، فَسميّ جامع التوبة.

    وكان في كل حي جامع مثله حافلٌ بالعلماء عامرٌ بالدروس. كجامع القصب وباب المصلى والدقاق... كانت هذه الجوامع كمجالس المديريات والمحافظات، والجامع الأموي هو مجلس الأمة، فهو مجتمع أهل البلد وهو المدرسة الكبرى، ومنه يصدر كل قرار. وكانت الحلقات فيه دائمة لا تنقطع، حلقة الفقه والحديث والوعظ.

    كان الحي كأنه أسرة واحدة، فكان أهله شركاء الفرش والآنية، إن احتاج أحد إلى شيء قرع باب جاره فاستعاره.

    وكان في مدخل كل حارة سمّان أو عطار من طبقة "الزكرتية"، وهم كانوا أهل المروءة والنخوة، وكانوا أشبه بطبقة الفرسان في أوروبا. ووظيفة هذا السمّان أو العطار أن يراقب الحارة، فإن رأى شاباً غريباً في الحي سأله من أين وإلى أين؟ وإن خرجت امرأة وحدها يُراقبها يرى أين تذهب وحدها.

    وكان نساء الحي جميعاً بالحَبَرة (الملاءة) المزمومة الساترة، وكان على الوجه المنديل الخشن ذو الثقوب. حتى أن النساء النصرانيات واليهوديات كُنّ يلبسن الملاءة ولكن بلا منديل. وكنا نسمع أن في البلد قليلاً من نساء الأتراك ومن يُقلّدهن من المُتفرنجات يلبسن بدل الملاءة "الخرّاطة والفجة"، وكانت هذه هي نهاية الموضة وغاية التفرنج في تلك الأيام.

     

    كان الناس يتركون أعمالهم ويُغلقون دكاكينهم من بعد صلاة العصر، ثم يذهبون إلى السيران في صدر الباز أو الربوة أو مصطبة الهبل ينصبون سَمَاور الشاي ويبرّدون البطيخة في النهر ويتعشون جميعاً، الرجل مع أهله أو مع أصحابه، ثم يُصلون المغرب ويعودون إلى دورهم وقد أدوا حق أنفسهم بالراحة والمتعة، وحق أهليهم بالكسب والإنفاق، وحق الله بالطاعة والعبادة.

    وما أدري – بعد – وقع هذه الصورة في نفوسكم، ولكن الذي أدريه أن هذه هي ملامح عن دمشق التي عرفتها وأنا طفل من نحو خمسين سنة، فأنظروا إلى أين مشينا في هذه السنين الخمسين؟

    لقد ربحنا شيئاً كثيراً وخسرنا شيئاً كثيراً، فاحسبوا أنتم لتنظروا ما الذي ربحناه وما الذي خسرناه.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:83
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:23
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك