• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 10-06-2019
  • المؤلف: جلال أمين
  • الناشر: دار الشروق
  • عدد الصفحات:169
  • عدد الاستماع للحلقة: 943
  • 25
    ديسمبر
  • 132: داغستان بلدي
  • كتب في: 25-12-2018
  • المؤلف: رسول حمزاتوف
  • الناشر: الفارابي
  • عدد الصفحات:550
  • كيف ولد هذا الكتاب وأين كتب: استلمتُ ذات يوم طرداً وفي الطرد رسالة من محرر مجلة أحترمها. وبالمناسبة أنا أحترم محررها أيضاً. كتب لي المحرر يقول: "قررت هيئة تحرير مجلتنا أن تنشر في الأعداد القريبة القادمة مواد من مُنجزات داغستان ومآثرها الطيبة وعملها اليومي وليكن هذا حديثاً عن العاملين البُسطاء، عن مآثرهم وعن آمالهم. ليكن حديثاً عن غد منطقتك الجبلية المشرق، وعن تقاليدها الموغِلة في القِدم، ولكن ليكن بشكلٍ رئيسي، حديثاً عن حاضرها الرائع. وقد قررنا أنك أفضلَ من يستطيع أن يكتب في هذا الموضوع... فيما مضى كان أهل الفتاة لا يسألونها رضاها حين كانوا يزوجونها، كانوا يضعونها بكل بساطة أمام الأمر الواقع، كانوا يقولون إن كل شيء قد تقرر، لكن حتى في تلك الأيام لم يكن أحد عندنا في الجبال يجر

    كيف ولد هذا الكتاب وأين كتب:

    استلمتُ ذات يوم طرداً وفي الطرد رسالة من محرر مجلة أحترمها. وبالمناسبة أنا أحترم محررها أيضاً.

    كتب لي المحرر يقول: "قررت هيئة تحرير مجلتنا أن تنشر في الأعداد القريبة القادمة مواد من مُنجزات داغستان ومآثرها الطيبة وعملها اليومي وليكن هذا حديثاً عن العاملين البُسطاء، عن مآثرهم وعن آمالهم. ليكن حديثاً عن غد منطقتك الجبلية المشرق، وعن تقاليدها الموغِلة في القِدم، ولكن ليكن بشكلٍ رئيسي، حديثاً عن حاضرها الرائع. وقد قررنا أنك أفضلَ من يستطيع أن يكتب في هذا الموضوع...

    فيما مضى كان أهل الفتاة لا يسألونها رضاها حين كانوا يزوجونها، كانوا يضعونها بكل بساطة أمام الأمر الواقع، كانوا يقولون إن كل شيء قد تقرر، لكن حتى في تلك الأيام لم يكن أحد عندنا في الجبال يجرؤ أن يقيم عُرساً لابنه دون رضاه. أحد أهالي غيداتلي تجرأ ذات مرة وفعلها، كما يقال. لكن هل صاحبنا محرر المجلة من قرية غيداتلي؟ قرر كل شيء بالنيابة عني... لكن هل قررت أنا أن أتحدث عن داغستان في تسع صفحات وفي فترة عشرين يوماً؟

    استبعدت في قلبي هذه الرسالة المهينة لي. إلا أن جرس هاتفي أخذ بعد حين يرنّ بإلحاح، وبالطبع كانت المخابرة هاتفاً من هيئة تحرير المجلة.

    • مرحباً، رسول! هل استلمت رسالتنا؟
    • استلمتها.
    • أين المواد إذاً؟
    • أجل أنا ... أعمال... دائماً لا وقت لديّ، لا أدري كيف...
    • ماذا تقول، يا رسول! لا مجال للاعتراض، عدد نسخ مجلتنا مليون تقريباً. إنها تُقرأ حتى خارج حدود بلادنا. وإذا كنت مشغولاً جداً بالفعل، سنرسل رجلاً. ستزوده ببعض الأفكار والتفاصيل، وهو يتكفل بالباقي. وستقرأ بعد هذا ما يكون قد كتبه، وتصححه ثم توقع... الشيء الرئيسي بالنسبة لنا هو الاسم.

    عند هذا انتهت محاثتنا، أخذت إجازة وذهبت إلى قريتي تسادا.

    تسادا... سبعون موقداً دافئاً. سبعون خيط دخان أزرق يرتفع في سماء جبلية عالية وصافية. بيوت بيضاء فوق أرضٍ سوداء. أمام القرية، أمام البيوت البيضاء حقول خضر منبسطة. ووراء القرية تنتصب الصخور.

    حين وصلت قرية تسادا، تذكرت الرسالة التي بعث بها والدي حين رأى موسكو، أول مرة. كان يصعب علينا أن نحزر أين يمزح أبي وأين يجدّ، كان مدهوشاً لما يراه في موسكو:

    "يبدو أنهم في موسكو لا يوقدون النار في المواقد ليُحضروا الطعام، لأني لا أرى نساءً يصنعن أقراص الزبل ويضعنه على جدران منازلهن، ولا أرى فوق السطوح دخاناً يُشبه قبعة أبي طالب الكبيرة. ولا أرى الموسكوفيين يجففون الحشائش على السطوح. فماذا يُطعمون أبقارهم، إذا كانوا لا يُجففون الحشائش. وعلى كثرة ما تجولت في شوارع هذه المدينة الغريبة، لم أرَ أبداً خروفاً واحداً.

    وإني لأتساءل عمّا ينحر الموسكوفيون حين يتخطى عتبة بابهم ضيف؟

    بماذا يحتفلون عند قدوم صديقٍ عزيز إن لم يكن بخروف يُنحر؟

    وجد أبي الكثير من العيوب في موسكو وهو يُقارنها بقريته. كان يمزحُ بالطبع حين كان يُبدي دهشته لأن البيوت في موسكو ليست منقوشة بأقراص الزبل، لكنه لم يكن يمزح حين كان يُفضل قريته الصغيرة على هذه المدينة العظيمة. كان يُحب قريته تسادا، ولم يكن مستعداً ليستبدل بها كل عواصم الدنيا.

    قريتي العزيزة تسادا! ها أنا ذا قد عُدت إليك من ذلك العالم الضخم الذي رأى فيه والدي هذا العدد الكبير من العيوب. لقد جبته، هذا العالم، ورأيت فيه الكثير من العجائب. لكني قد أعرف أنه مهما كان الذي أراه اليوم رائعاً، فسأرى في الغد ما هو أروع منه... فالعالم، كما ترون، لا نهاية له.

    فلتغفر لي معابد الهند، وأهرامات مصر، وطرقات أميركا العريضة، وأرصفة باريس، وجبال سويسرا – لقد نعمت بالنظر إليكن، لكن قلبي كان يخفق بهدوء، وإذا كان خفقه قد ازداد، فليس بالقدر الذي يجفُّ فيه فمي ويدور رأسي.

    فلماذا خفق قلبي الآن في صدري، حين رأيت من جديد هذه البيوت السبعين التي تأوي إلى سفوح الجبل، فغامت عيناي ودار رأسي...

    أي تسادا ها أنا ذا أُهيم في حقولك، وندى الصباح البارد يغسل قدمي المتعبتين.

    ما أن أرى حجراً حتى يتراءى لي فوقه طيفٌ شفاف. هذا الطيف هو أنا.

    كما كنت قبل ثلاثين عاماً، أجلسُ عليه وأرعى أغنامي، على رأسي قلبق ذو وبر وفي يدي عصا طويلة، والغبار يغطي رجلي.

    في كل خطوة ألتقي بنفسي، بذاتي، بطفولتي، بفصول الربيع التي مرّت بي، بالأمطار والأزهار وأوراق الخريف المتساقطة.

     

     

     

     

    شيئان على الجبليّ أن يُحافظ عليهما: قلبقه واسمه. القلبق يُحافظ عليه من له رأس. والاسم يُحافظ عليه من في قلبه نار.

    في سقف بيتنا الضيق كثيرٌ من آثار الرصاص. كان أصدقاء والدي يُطلقون الرصاص على السقف من مسدساتهم، وكان على النسور المعششة في الجبال المجاورة أن تعرف أنه قد ولِد لها أخٌ جديد وأن النسور في داغستان زادت واحداً.

    عندما ولدت وأُعطيت اسماً أطلق صديق والدي رصاصتين: واحدة في السقف، وأخرى في أرض الغرفة.

    روت لي أمي كيف تمت تسميتي. كنت ثالث ابن في البيت. كانت هناك فتاة صغيرة هي أختي، لكننا هنا، نتحدث عن الرجال، عن البنين.

    اسم البكر كانت كل القرية تعرفه قبل مولده بفترة طويلة، لأن البكر في التقليد المُتبع، يجب أن يحمل اسم المرحوم جده.

    عندما ولدت، دعا والدي إلى بيته وجوه أهل القرية تنفيذاً للتقليد المتبع. جلس وجهاء القرية في وقار ورزانة في أنحاء البيت وكأن عليهم أن يقرروا مصير بلدٍ بكامله. كان كل منهم يحمل بين يديه جرّة، وفي جرارهم كانت توجد بالطبع بوظة مزبدة. واحدٌ منهم فقط ذو رأس ولحية أبيضين كالثلج، هو أكبرهم، كانت يداه طليقتين.

    هذا الشيخ هو الذي سلمتني إليه أمي آتية من غرفة أخرى، قالت له أمي:

    • أنت غنيت في يوم فرحي، كانت أغانيك جميلة. فأي أغنية ستغني الآن وأنت تمسك صغيري بين يديك؟
    • يا امرأة، الأغنيات أنت ستغنينها، أنت أمه، وأنت تهزين سريره.
    • سمه إذاً، ولأسمعن أنا أمه، ولتسمع القرية كلها، وداغستان كلها الاسم الذي ستدعوه الآن به.

    رفعني الشيخ عالياً وقال:

    • اسم البنت يجب أن يشبه بريق النجمة أو لطف الزهرة. واسم الرجل يجب أن يتجسد فيه صليل السيوف وحكمة الكتب. لقد عرفت الكثير من الأسماء وأنا أقرأ الكتب، وسمعت الكثير من الأسماء في صليل السيوف، وكتبي وسيوفي تهمس لي الآن بالاسم – رسول.

    انحنى الشيخ فوق أذني وهمس قائلاً: "رسول". ثم انحنى فوق أذني الثانية وصرخ بصوتٍ عالٍ "رسول" ثم أعطاني أمي، وقال متوجهاً إليها وإلى كل الجالسين في البيت:

    • ها هو ذا رسول.

    حين تُسأل من أنت، يمكنك أن تُقدم وثائقك، هويتك التي توجد فيها كل المعطيات الأساسية، وإذا ما سُئل شعب من يكون، فالشعب يُشير إلى العَالِم، الكاتب، الفنان، المؤلف الموسيقي، رجل السياسة، القائد الذي أنجبه ويُعدّ كلاً منهم وثيقة تدل عليه.

    على كُلِ إنسان أن يفهم منذ صباه أنه أتى إلى هذا العالم ليُصبح ممثلاً لشعبه، وعليه أن يكون مُستعداً لتحمل أعباء هذه المهمة.

    الإنسان يُعطى اسماً وقلبقاً وسلاحاً، ويُلقن من المهد أغاني بلده.

    حيثما رمتني الأقدار، أشعرُ دائماً أني أُمثل تلك الأرض وتلك الجبال وتلك القرية التي تعلمت فيها أن أسرج حصاني. إني أعتبر نفسي حيثما كنت مراسلاً خاصاً لبلدي داغستان.

    من دفتر المذكرات: لم يعد الشباب عندنا في داغستان يرتدون لباسنا القوميّ. إنهم يرتدون القميص والسترة وربطة العنق تماماً كما في موسكو.

    اللباس القومي لا يرتديه الآن إلا الفنانون في فرق الرقص والغناء. وإذا أراد إنسان أن يلبس اللباس الداغستاني – أحياناً يستعيره من أصدقائه أو معارفه أو يستأجره. وبكلمة موجزة، اللباس القومي يختفي، كي لا نقول إنه اختفى.

    لكن المسألة هي أن الشكل القومي عند بعض الشعراء يختفي حتى في أشعارهم، وهم يفخرون بذلك.

    أنا أيضاً أرتدي اللباس الأوروبي، لكني غير مستعد أن أُلبس شعري لباساً لا هوية له، أنا أريد أن تأخذ أشعاري شكلنا، الشكل القومي الداغستاني.

    اللغة:

    بعض الناس يتكلمون لا لأن أفكاراً هامة تتزاحم في رؤوسهم بل لن طرف لسانهم يحكهم. وبعض الناس يكتبون شعراً لا لأن عواطف كبيرة تتزاحم في صدورهم، بل لأن ... حتى إنه يصعب على المرء أن يقول لماذا يقررون فجأة كتابة الشعر.

    هؤلاء الناس لا يريدون أن يلتفتوا ويروا أولاً ما يجري في العالم. ولا يريدون أن ينصتوا ويعرفوا الإيقاعات والأغاني والأنغام التي يفيض بها العالم.

    ونتساءل، لماذا أعطي الإنسان عينين وأذنين ولساناً؟ لم كان للإنسان عينان وأذنان، وليس له إلا لسان واحد؟

    القضية هي أنه قبل أن يُخرج اللسان الكلمة، أية كلمة، ويُطلقها في العالم، يجب على العينين أن تريا، وعلى الأذنين أن تسمعا.

    أحد أصدقائي كان يقول: أنا سيد كلمتي، أقف عندها إن شئت وأنكص عنها إن أردت. قد يصلح هذا الأمر لصديقي، لكن الكاتب يجب أن يكون سيداً حقيقياً لكلماته، لقسمه، فهو لا يستطيع أن يقسم مرتين. وبشكلٍ عام أرى أن الذي يُقسم كثيراً ليس إلا كذاباً.

    إذا كان هذا الكتاب يُشبه سجادة، فأنا أُحيكها من خيوط اللغة الآفارية المتعددة الألوان. وإذا كان يُشبه فروة من جلد الخروف فأنا أُخيط الجلد بخيوط اللغة الآفارية، المتينة.

    يقال أنه لم يكن في اللغة الآفارية في الماضي، الماضي البعيد جداً، سوى عدد قليل جداً من الكلمات. فمفاهيم كالحرية، والحياة، والشجاعة والصداقة والخير كان يُعبّر عنها بكلمة واحدة أو بكلمات متشابهة جداً من حيث لفظها ومعناها.

    ليقل الاخرون إن لغة شعبنا فقيرة. أما أنا فأستطيع أن أقول بلغتي كل ما أُريده، ولست في حاجة إلى لغة أخرى كي أُعبر عن أفكاري ومشاعري.

    في داغستان شعبٌ صغير هم اللاكيون. يتكلم اللاكية ما يقرب من خمسين ألف شخص. قليلٌ هو عددهم، لكن بإمكانك أن تُصادفهم في أرجاء كثيرة من كُرتنا. فحياة الضنك فوق أرضهم الصخرية أجبرتهم على أن يجوبوا العالم. وهم كلهم حِرَفيِّون ممتازون. يقال في داغستان، "احترس وأنت تقطع البطيخة، فقد يطلّ منها رأس لاكي".

    في اللعنات: حين كنت أكتب قصيدتي "الجبليّة" احتجتُ إلى لعنة أضعها على لسان امرأة شريرة في القصيدة. فقيل لي: إن امرأة كهلة تعيش في إحدى القرى لا تستطيع جارة من جاراتها أن تُجاريها في السِباب، فتوجهتُ فوراً إلى هذه المرأة العجيبة.

    اجتزتُ عتبة الباب الذي كنتُ أقصده ذات صباح ربيعيّ لا يرغبُ القلب فيه أن يلعن ويشتم، بل أن يفرح ويُغنيّ. وبكل بساطة قلب أخبرت المرأة العجوز بما أنا آتٍ من أجله. الأمرُ كذاوكذا، أُريد أن أسمعَ منك لعنة كأقوى ما يمكن، وسأُسجلها وأضعها في قصيدتي.

    • ليجف لسانك، ولتنسى اسم حبيبتك، وليفهم الإنسان الذي تقصده كلماتك على غير معناها، ولتنس إلقاء التحية على قريتك حين تعود إليها من تطوافٍ بعيد، ولتصفر الريح في فمك حين تسقط أسنانك... يا ابن آوى، هل أستطيع أن أضحك (وليحرمك الله هذه النعمة) حين أكون مغمومة؟ هل يُكلف البكاء غالياً في بيت لم يتوفّ فيه أحد؟ هل أستطيع أن أتفوه بلعنة، إذا لم يُغضبني أو يشتمني أحد؟ اخرج، ولا تأتِ إليّ بعد هذا بمثل هذه المطالب الغبيّة؟
    • شكراً أيتها المرأة الطيبة – قلت وخرجت من بيتها.

    وفي الطريق أخذتُ أُفكر: "إذا كانت هذه المرأة صبت على رأسي دون أي كراهية، هكذا على الماشي، مثلُ هذه اللعنات الرائعة، فما عساها تقذف في وجه من يُغضبها حقاً".

    أعتقد أن أحد الدارسين للتراث الشعبي سيضع ذاتَ يوم كتاباً عن لعنات أهالي الجبال، وسيعرِفُ الناس عندئذ مدى ابتكارهم ومهارتهم وسعة خيالهم، وكذلك مدى قدرة لغتنا على التعبير.

    من ذكرياتي: عملت فترة من الوقت في المسرح الآفاري. كنا ننتقل من قرية إلى أُخرى لنُعرّف الجبليين بالفن المسرحي ونحن نحمل اللوحات والملابس وأدوات التمثيل.

    كنت أُكلَّف في بعض المسرحيات بأداء أدوار ثانوية، لكني كنت أجلس معظم الأحيان في مكان المُلقّن. كان دور المُلقّن، يُعجبني، أنا الشاعرُ الشاب، أكثرَ من كل الأدوار الأخرى. تمثيل الممثلين وإيماءاتهم وحركاتهم وتنقلهم على المسرح، كل ذلك كان يبدو لي أمراً ثانوياً وغير ضروري، شيء واحد كنت أُحبه أهم ما في هذه الدنيا – هو الكلمة. كنت أتتبع، وأنا غيور، الممثلين كيّ لا يُغيّروا الكلمات، كيّ يلفظوها بشكلٍ صحيح. وإذا حدث وأغفل ممثل كلمة أو شوهها، كنتُ أُخرج رأسي وألفظ هذه الكلمة بالشكل الصحيح وبصوتٍ عالٍ بحيث تسمعني القاعة كلها.

    نعم، كنتُ أعتبر النص والكلمة أهمُ شيء، لأن الكلمة تستطيع أن تحيا بدون ملابس ودون زينة فمعناها سيفهمه النظّارة.

     

    من ذكرياتي عن والدي في عام 1939: ذهب والدي إلى موسكو لاستلام وسام. كان هذا حدثاً كبيراً في ذلك الوقت. وحين عاد إلى القرية والوسام على صدره، طلبت إليه الجماعة، أي المجلس العام للقرية، أن يتحدث إليها عن موسكو، عن الكرملين، عن ميخائيل إيفانوفتش كالينين الذي كان يُقلّد الأوسمة وقتها، وعن أقوى انطباع حصل لديه.

    قصّ عليهم والدي بالترتيب كيف جرت الأمور، ثم قال:

    • أما أهم شيء فهو أن ميخائيل إيفانوفتش كالينين لم يلفظ اسمي بالروسيّة، بل بالآفارية. لقد ناداني تساداسا حمزة وليس حمزة تساداسا فقط.

    دُهش شيوخ القرية وهزوا رؤوسهم مؤيدين.

    قال والدي – أترون – هؤلاء أنتم تسمعون هذا فتسرون، فكم كان سروري أنا حين سمعت هذا بنفسي، وفي الكرملين نفسه، ومن كالينين نفسه أقول لكم بصدق: لقد سُررت حتى نسيت أن أُسرّ بالوسام.

    وإني لأفهم جيداً مشاعر والدي.

    منذ عدة سنوات زرت بولونيا في عداد وفد من الكُتّاب. ذات مرة في كراكوف قُرِع باب غرفتي في الفندق الذي أُقيم فيه. فتحت الباب، فإذا أنا بإنسانٍ غريب يسألني بلغة آفارية خالصة:

    • هنا ينزل حمزاتل رسول؟

    ارتبكت وفرحت:

    يا للمفاجأة آفاري وفي كراكوف؟

    كِدتُ أرتمي على ضيفي أُعانقه، ثم سحبته إلى داخل الغرفة، وتحدثنا حتى آخر النهار والمساء كله.

    لكن ضيفي لم يكن آفارياً. كان عالِماً بولونياً يدرس لغات داغستان وآدابها.

     

    النوع:

    ها أنا ذا أمام الجبل الذي يجب عليّ أن أجتازه. مع حصاني الباسل أستطيع أن أجتاز أصعب الثنايا. الجبل هو موضوعي، والحصان هو لساني. ومع ذلك فيجب عليّ الآن أن أختار الدرب الذي يجب عليّ أن أسلكه لأتغلب على الجبل العاتي.

    كان كل أجدادي الجبليين يُفضلون الدرب المستقيم. إنهُ أكثر مشقة وأشدُ خطراً لكنه أقصر الطُرق... قد يكون سبباً في تعبك ولكن يقودك إلى هدفك في أقرب وقت.

    ها أنا ذا أمام حصن يجب عليّ أن أفتتحه. وها أنا ذا أملكُ سلاحاً ممتازاً لا يفل في المعركة. الحصن هو موضوعي، وسلاحي هو لساني.

    عرض عليّ مدير المجلة أن أختار ما شئت من ألوان الأدب: قصة، رواية، قصيدة، مقالة، كلما اتسع الممكن عَسر الاختيار.

    من دفتر المذكرات: في معهد الآداب جرت الأمور على النحو الآتي. كنا في السنة الأولى عشرين شاعراً وأربعة قصاصين ومؤلفاً مسرحياً. في السنة الثانية أصبحنا خمسة عشر شاعراً وثمانية قصاصين ومؤلفاً مسرحياً وناقداً أدبياً. في السنة الثالثة صرنا ثمانية شعراء وعشرة قصاصين ومؤلفاً مسرحياً وستة نُقاد. وفي نهاية السنة الخامسة بقينا شاعراً واحداً وروائياً واحداً ومؤلفاً مسرحياً واحداً، وسائرنا أصبحوا نقاداً.

    الحق أني أُبالغ، وتلك نادرة النوادر. ولكن كثيراً من المؤلفين يبدأون حياتهم شعراء ثم ينتقلون إلى النثر ثم إلى المسرح وأخيراً إلى المقالة. وفوق ذلك فقد أصبح الطراز الأدبي الجديد كتابة (الحوار والسيناريو).

    إليكم ما أُفكرُ فيه: اشرب الخمر ولا تحتقر الخبز. غنِّ أُغنيات ولكن اصغِ إلى الحكايات. اقرض الشعر ولكن لا تطرد النثر.

    في النثر: عندما كنتُ طفلاً كانت أميّ تغني لي أغنية المهد. الأغنية نفسها دائماً، كانت لا تعرف غيرها. ورغم أن أبي كان شاعراً شهيراً فلم يكتب لأبنائه قصيدة واحدة. كان يسرّه أن يقص علينا قصصاً أو حوادث أو نوادر. ذلك كان نثره.

    كان أبي لا يُحب أن يتحدث عن قصائده. كنت أحس أنه يعتبر الشعر أمراً ليس فيه حد كثير. المسائل الجدية عنده هِيَ فِلاحة الأرض. إصلاحُ الزريبة. العناية بالبقرة والحصان، جرف الثلج عن السطوح، وبعد ذلك الإسهام – على قدر المستطاع – في أعمال القرية حيناً وحتى في أعمال المقاطعة حيناً.

    كان إذا نظّم قصيدة لا يهمه أن يعرف أين تُنشر، وسواء عنده أُنشرت في مجلة العاصمة أو في المجلة المخطوطة التي يُصدرها طلاب القرية بل لقد لاحظت أنه كان أكثرَ سروراً إذا نشرها في مجلة الطلاب.

    لقد عرض أبي قصائده الأولى على الشاعر المجيد محمود ليرى فيها رأيهُ. ودُهش الشاعر وقال إنه لا يفهم قصائد أبي وأنه لا يفهم أن يكون موضوع الشعر بقرة أو جراراً او كلاباً أو الطُرق المؤدية إلى قرية (خنزاخ) ويسأله أبي في حياء:

    • وعمّ يجب أن نتحدث.
    • عن الحب، والحب وحده. يجب أن نُشيّد قصر الحُب.

    لم يبنِ أبي قصراً للحب. ولم يهتم به قط. كل ما يشغله كان قصر قصائده: البيت والأسرة، والأولاد، والقرية، الحصان، البلد، السلام، الأرض، السماء، المطر، الشمسُ والزرع.

    الحق أنه كتب ذات يوم قصيدة غزل، ولكيلا يقرأها أحدٌ غيره وغيرها كتبها باللغة العربية. كانت قصيدة غزل بالمرأة التي أحب.

    العمل:

    حدث ذلك منذ أمد بعيد، ولكني ما زلت أتذكره في جلاء ووضح كأنه حدث أمس. بل إني وصفت الحادثة في قصيدة، ولكني لا أستطيع منع قلمي من كتابتها هنا.

    كنت ابن شاعر داغستاني هو حمزة، ولكني ما زلت مغموراً لا يعرفني أحد عندما غادرت قريتي لأسافر أولاً إلى ماخاتشكالا ثم إلى موسكو. ومضت السنون أنهيت دراستي في معهد الآداب ونشرت عشر مجموعات شعرية، ونلت على واحدة منها جائزة ستالين. وأصبحت الشاعر حمزة، وعندئذ فكرتُ في زيارة قريتي.

    وذات يوم لقيتُ نساء عائدات إلى بيوتهن بعد أن اقتلعن الأعشاب الطفيلية من حقول القمح. وجلسن على قارعة الطريق يسترحن، مرهقات، واقتربت منهن.

    هل لاحظنني فجعلن عامدات يتحدثن عنيّ، أو أنهن كن يتابعن حديثاً سالفاً طويلاً؟ لا أدري.

    وسمعت فجأة إحداهن تقول، وهي تمسح جبهتها بقبضة من العشب:

    • لو سألوني: ما هي أمنيتك الأولى لقلتُ لهم: قلب رسول حمزة الخليّ، وعيشهُ الرغيد. وقالت إحدى قريباتي تُدافع عنيّ:
    • ولماذا تعتقدين أن لرسول قطعة من الجبن بدلاً من القلب.
    • لنفرض أنه ليس قطعة جبن، ولكنه على كل حال لا يضطر إلى اقتلاع الأعشاب من حقول القمح. ثم إن جرس المزرعة التعاونية لا يدعوه إلى العمل في الوقت المحدد، ثم أنه لا يعرف ما هو يوم – العمل، وكيف نربحه وكيف يُدفعُ لنا، إنه يكتب: ترا – لا لا... ترالي، وماذا يشغلُ باله بعد ذلك؟ ما الذي يمكن أن يُعذب قلبه؟

     

    أيتُها المرأة الطيبة: كيف يمكن أن أشرح لكِ عمليّ؟ وكيف أنّي أجده شاقاً لا نهاية له؟

     

    الشيوخ ذوو الشعر الأبيض يتحدثون في هدوء عن الأرض والحصاد، دنوت منهم وألقيت عليهم التحية.

    أحد الشيوخ كان يمسك بيده آخر عدد من جريدة فيها قصيدة لي.

    ودار الحوار حولها

    إن الفارس يُحب أن يسمع الثناء على مزايا حصانه، ورجوت أن يُثني مواطني على قصيدتي. وكنت قد ألفت المديح في موسكو

    العجوز لاحظ ما يأتي:

    • أبوك حمزة كان يُنظّمُ القصائد، وأنتَ يا ابن حمزة تُنظّمُ قصائد، متى تشرعُ في العمل؟

     

     

     

     

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:1018
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:294
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك