• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 286
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    21
    فبراير
  • 89: تركيا من الماضي إلى الحاضر
  • كتب في: 21-02-2017
  • المؤلف: كاثرين براننج
  • الناشر: دار النيل
  • عدد الصفحات:432
  • كانت السيدة ماري مونتاجيو (1689 – 1762م) امرأة استثنائية؛ فهي إحدى السيدات اللاتي لمعن كالنجوم في ثريا أوروبا التنوير خلال القرن الثامن عشر، استطاعت أن تصنع لنفسها اسماً من خلال أسلوبها المثير في كتابة الرسائل، وكذلك سطع اسمها أدبياً من خلال أحداث زواجها المضطرب، وشجاعتها في مواجهة مرض الجدري، ورحلاتها الكثيرة، وغربتها عن إنجلترا التي فرضتها على نفسها، وأسلوب حياتها الطليق في أعوامها الأخيرة، كل ذلك موثق في مئات الرسائل التي وصلت إلينا. في العام (1716م) سافرت عائلة مونتاجيو إلى تركيا، حيث عُيّن السيد ورتلي مونتاجيو سفيراً، وكانت مهمته التفاوض من أجل السلام بين العثمانيين والنمساويين، وحماية المصالح البريطانية التجارية والبحرية في بلاد الشام، وخلال إقامة السيدة ماري في تركيا – ث

    كانت السيدة ماري مونتاجيو (1689 – 1762م) امرأة استثنائية؛ فهي إحدى السيدات اللاتي لمعن كالنجوم في ثريا أوروبا التنوير خلال القرن الثامن عشر، استطاعت أن تصنع لنفسها اسماً من خلال أسلوبها المثير في كتابة الرسائل، وكذلك سطع اسمها أدبياً من خلال أحداث زواجها المضطرب، وشجاعتها في مواجهة مرض الجدري، ورحلاتها الكثيرة، وغربتها عن إنجلترا التي فرضتها على نفسها، وأسلوب حياتها الطليق في أعوامها الأخيرة، كل ذلك موثق في مئات الرسائل التي وصلت إلينا.

    في العام (1716م) سافرت عائلة مونتاجيو إلى تركيا، حيث عُيّن السيد ورتلي مونتاجيو سفيراً، وكانت مهمته التفاوض من أجل السلام بين العثمانيين والنمساويين، وحماية المصالح البريطانية التجارية والبحرية في بلاد الشام، وخلال إقامة السيدة ماري في تركيا – ثلاثة عشر شهراً – أرسلت خمساً وعشرين رسالة إلى أصدقائها وأهلها في موطنها، وقد عُرفت تلك الرسائل – التي نُشرت بعد وفاتها – باسم "رسائل السفارة".

    وهكذا تلاقت قصتي وقصتها...

    (آلاف الأكواب من الشاي)

    في يوم من الأيام قال لي صديقي الشاعر والمؤرخ القيصري محسن إلياس صوباشي: أنت تذكّريني بالسيدة مونتاجيو من عدة نواح، وأعتقد أنك إذا كتبتِ كل الأشياء التي رأيتها هنا طوال الثلاثين عاماً الماضية فسيكون ذلك ذا أهميّة كبيرة عند الأتراك بل عند سائر العالم أيضاً؛ فجميعهم سيكون شغوفاً أن يرى تركيا بعيون أجنبي تردد إليها كثيراً.

    وهكذا قررت أن أبدأ مراسلة خيالية مع السيدة ماري، وأكتب انطباعاتي وتأملاتي الشخصية في رسائل موجهة إليها كما لو أنني أُحدّثُ معلوماتها عن البلد الذي وقعت في غرامه.

    لا أود البتة أن تغدو هذه الرسائل مذكرات لي أو سيرة ذاتية؛ فحياتي ليست جذابة إلى هذا الحد، وقصص رحلاتي لا تحمل الكثير من المغامرات، وأهمّ من ذلك أني لا أُريد أن أتهكم أو أسخر من الأتراك؛ فلطالما كانت وجهة النظر الغربية ضدهم وبشكلٍ غيرُ لائق أحياناً.

    تعلمت من سنوات سفري ومن حياتي المهنية، أنه ينبغي على المرء أن يخطو بحرص شديد عندما يتكلم عن بلدٍ أجنبي وشعبٍ أجنبي، وتعلمت أن وجهة نظرك حول العالم غالباً ما تكون متأثرة بالتصورات التي تحملها داخلك، والتي ورثتها من بلدك الأم ومن نشأتك.

    أطوف في تركيا وأتعامل مع شعبها منذ وقتٍ طويل، وقد نما فيّ حُبّ هذا البلد وثقافته بقدر حُبيّ لوطني وثقافتي.

    أعرف أنكم جميعاً لا تفهمون كيف أكنّ تلك المشاعر القويّة تجاه البلد الذي ظهر بصورة سيئة في فيلم: "محاولة الهروب" وتجاه هؤلاء "الأتراك البغيضين"، ما أُريده هو أن تُعطوا تركيا فرصة، فهذه الرسائل هي محاولة منيّ بأسلوبي البسيط لترسيخ تفاهم أكبر بين تركيا وسائر العالم؛ وعليه فآمل أن يكون في هذا العمل ردٌ على أسئلتكم إذا ما سألتموني جميعاً: لماذا أُسافر إلى تركيا عاماً بعد عام.

    هذه الرسائل هي طريقتي لردّ الجميل، ورداً على آلاف الأكواب من الشاي التي قُدمت إليّ خلال الثلاثين عاماً الماضية، فيالها من كميّة كبيرة من الشاي، وأقول لهم: نعم، أُريدُ كوباً آخر من الشاي.

    عزيزتي السيدة ماري،

     آه يا سيدتي! لم تكوني في يوم من الأيام مضطرة للتعامل مع أي سؤال بالغ الصعوبة في رسائلك، ولا عليك سوى أن تُشاركي بانطباعاتك عن هذا البلد الذي كنت تزورينه...

    أما السؤال الذي يُطرح عليّ دائماً "لماذا تركيا؟" فغالباً ما أشعرُ بالإحراج الشديد ولا أُفصح عن السبب الحقيقي لذهابي إلى هناك لأول مرة، فأحياناً يكون الأسهل عليّ أن أتلعثم ثم أقول: إن لديّ أصدقاء أتراكاً، أو أنني أستمتع بدراسة اللغات النادرة، أو إن لدي عملاً في تركيا، ولكن السبب الحقيقي وراء ذهابي إلى تركيا لأول مرة هو رغبتي الجارفة في رؤية مبنى نعم مبنى، إنه مبنى من القرن الثالث عشر، فعندما رأيت المبنى لأول مرة معروضاً خلال محاضرة بالجامعة لمادة تمهيدية لدراسة تاريخ الفن الإسلامي زُرعت بذرة في رأسي ظلت تكبر تدريجياً حتى استحوذت على حديقة خيالي بكاملها. فقررت أن أُسافر إلى تركيا، وأذهب إلى هذا المكان الذي يسمى "سيواس" لأعثر على هذا المبنى. وعندما كنت في تركيا أقفُ أمام هذا المبنى عرفتُ أنني قد عثرت على جرة الذهب في شوارع سيواس، لم يكن الأمر بحثاً عقيماً لا فائدة منه؛ فقد عثرت على غنيمة أكبر من المبنى ذاته؛ عثرتُ على مثال جيد لانعكاس التطلعات الفنية إلى داخل الحياة اليومية.

     منذ ذلك الحين عاهدتُ نفسي أن أُصبح صديقة لهذا البلد الذي يُسمى تركيا، أردتُ أن أعثر على مبانٍ أُخرى مثل هذا المبنى، أردتُ أن أستكشف كيف شُيّد هذا المبنى، وعلى أيديّ مَن مِن البشر؟

    عزيزتي السيدة ماري،

    على منحدرٍ جبلي خارج أرضروم تظهر لافتة، كتبها بكل عناية وحُبّ جنود الجيش، اللافتة عبارة عن كلمة واحدة (تركيتي: وطني الحبيب).

    حينما كنت أُحدق في هذه اللافتة أدركت أن لها دلالة خاصة عندي بعد أن كونت مفهومي الخاص عن كلمة "بلد".

    "تركيتي" ليست تركيا التي يعرفها 99% من زوار تركيا وربما 95% من الأتراك أنفسهم؛ فهي ليست تركيا التي تضم مُدناً رفيعة المستوى مثل إسطنبول وأنطاليا وبورصة وأنقرة، بل إنها تركيا التي تضم سهول الأناضول؛ فقلبي مُعلّق بشرق أنقرة.

    من السهل الافتتان بلؤلؤة العالم إسطنبول، مبتغى كل إنسان، ولكنني وقعت في حُبّ السهول الجرداء التي تُشبه حقول وسط الغرب الأمريكي، وتعكس القوة المطلقة للطبيعة وحلم الإنسان في العمل لتحقيق المزيد.

    الوضع في "تركيتي" مختلف؛ فأنا أعشق السفر إلى المدن الصغيرة حيث الأسواق المحلية وعدد محدود من المطاعم أو المقاهي.

    في "تركيتي" لا ينتظرني البحر، أو المنتجعات، أو الأندية الراقية، أو منحدرات التزلج، بل إن السحر يكمن في أشياء أُخرى؛ في المنازل الخشبية، والمراعي الجبلية، وأشرطة النذور المربوطة في الأشجار، وينابيع المياه المتدفقة على جانب الطريق، والدراويش، واحتفالات الختان، والنوافذ والمداخل المليئة بالأزهار المزروعة في علب زيتون فارغة، وحدائق الشاي المظللة بتعريشات العنب، والنساء اللاتي تبذرن البذور في الحقول، والمنازل ذات الهياكل الخشبية، والنساء المحجبات، والأصوات الخافتة، والفتيان والفتيات الذين يكررون آيات القرآن ليحفظوها عن ظهر قلب، ومساقط المياه، وأصوات الطبول العالية المعلنة عن حفل ختان أو زفاف، والأسواق الأسبوعية الصاخبة، ومتاجر الحلوى والمكسرات... هذه هي "تركيتي" التي أحبها حباً جماً، البعيدة عن اسطنبول المتحضرة الرفيعة المستوى، كيف تستطيع الشواطئ المحمومة وملاهي الرقص المليئة بالأجانب أن ترقى لمستوى إثارة أيّ مما ذكرت؟

    عزيزتي السيدة ماري،

    ثمة أمرٍ يتعلمه المرء سريعاً في تركيا، ألا وهو أن البلد لا يُديره ساسة الحكومة أو أباطرة الأعمال أو الشيوخ على مآذنهم، بل تُديره الأسرة، لن تُصادفي مجتمعاً آخر يتسم بقوة وتماسك الروابط الأسرية في تركيا.

    لقد حالفني الحظ "وتبنتني" عدة أُسر تركيّة، فأتاح هذا لي الفرصة أن أُقارن بين أوساط الأسر التركية والغربية.

    مظاهر التبجيل المطلق للوالدين في تركيا مقدسة كقدسية أي أمر قرآني، فرجل الأسرة أو "بابا" يُعامل باحترام شديد وخضوع، يليه في السلطة الابن الأكبر "آبي"، أخي الكبير، وهذا الابن لا يُناديه إخوته وأخواته باسمه مطلقاً، بل دائماً ما يُنادى بلقبه "آبي".

    ثمة أسماء أخرى تُطلق على مختلف أفراد الأسرة، تعتمد على درجة قرابتهم، فلن تجد أحداً في تركيا يدعى "العم" أو "العمة" فقط، بل يحصل كل فرد في الأسرة على لقبٍ دقيق يلتصق به، ويُحدد دوره في الأسرة.

    تسعى كل الأسر لتدريب أبنائها على احترام الكبير والعطف على الصغير، فظاهرة تقبيل أيدي الوالدين والأقارب كبار السن شائعة في تركيا، وطقوس تقبيل يد الكبير التي تتضمن الانحناء وتقبيل اليد ثم رفعها لتلامس الجبهة من أكثر الدلالات المؤثرة التي رأيتها في حياتي.

    أما أكبر دليل على قوة روابط الأسرة التركية فهو مائدة الإفطار، قدمتِ وصفاً في إحدى رسائلك لمأدبة عشاء مع السلطانة، لكنني أؤكد لكِ أن مائدة الإفطار في تركيا تحظى بنفس القدر من الاهتمام ومراعاة التقاليد، فوجبة الإفطار في تركيا تُحدد مسار باقي اليوم، يجتمع فيها كل أفراد الأسرة، والحُبّ يملأ المكان، لا أحد يأكل وحده، ولا أحد يشرب وحده، لا أحد يبدأ يومه بدون جرعة من الحب.

    يستمتع الأتراك بكسب الأصدقاء أكثر من أي عمل آخر، يفعلون ذلك بدعوة الشخص للانضمام للأنشطة العائلية كأنه فرد من العائلة، وقد نزلتُ ضيفة على عدد من المنازل التركية، وشعرت في كل واحدة منها أن الأسرة تبنتني، كانوا يُشعِرونني دائماً بأنني جزء من حياتهم، وكانت أكواب الشاي المتعاقبة تمهد الطريق دائماً لهذا الشعور بالمؤاخاة.

    وعندما تحين لحظة الرحيل تكون الطقوس متشابهة؛ إذ نتبادل العناوين حتى نظل نتبادل الرسائل والهدايا والأخبار، وقد بكى البعض عند رحيلي، وبعض النساء سكبن الماء على درج الباب تيمناً بأن تسير رحلتي بسلاسة كسيلان الماء، وقدم لي البعض هدايا وزهوراً عند ركوبي الحافلة؛ إن أُسرتي الحقيقية لا تُغدق عليّ بمثل هذا الحُبّ والاهتمام، هل تفعلُ أسرتك ذلك يا سيدة ماري؟

    عزيزتي السيدة ماري،

    أنت تحملين لقب "ليدي" (سيدة) بصفة رسمية؛ فأنتِ ابنة مالك مزرعة إنجليزي وزوجة سيد نبيل، عندما سافرت إلى تركيا أخذت معك لقبك، لكن لعلكِ لم تنتبهي أن لقب (سيدة) لا يمنحك ميزة خاصة في تركيا، لأن كل امرأة هناك "سيدة".

    وأنا أيضاً "سيدة" في تركيا، سيدة تختلف عنك إلى حدٍ ما، لم أولد لمالك مزرعة، لكنني اكتسبت النبل من كوني امرأة؛ فالأتراك يضعون كل النساء في مرتبة خاصة.

    أنا لست مجرد كاثرين في تركيا بل "كاثرين هانم"، أينما ذهبت، وهذا اللقب يجعلني أنظر لنفسي بطريقة مختلفة، وأشعرُ بالتميز نوعاً ما، وبأنني محظوظة لأنني ولدت في هذه الفئة النبيلة فئة النساء.

    يتعامل الأتراك مع لقب سيد (بيه) وسيدة (هانم) بخصوصية شديدة، ويستخدمونها في كل مرة يتحدثون إليك، وليس من الشائع استخدام الاسم ثنائياً في تركيا، فاستخدام الاسم ثنائياً يبدو غريباً عليهم، وهم يعتبرونه أنه يضفي جواً من الرسمية، ويمنع التواصل بشكلٍ ملائم.

    عزيزتي السيدة ماري،

    ثمة سؤال يوجه إليّ باستمرار، سواءٌ من الأتراك أو غيرهم، وهو عن سبب ترددي على تركيا عاماً تلو الآخر، وعادة ما يأتي السؤال عقب سؤالي عن سبب حضوري إلى تركيا في المقام الأول، إن السفر في حد ذاته يُعدّ تحدياً ومتعة، وكما ذكرتِ في إحدى رسائلك المبكرة يا سيدة ماري: السفر إلى تركيا أشبه بعرض أوبرا "هذا البلد بلا شك أحد أعظم بلدان العالم؛ كل ما رأيته حتى الآن جديد عليّ، كأنني أرى مشهداً جديداً في الأوبرا كل يوم"، عقب رحلتي الأولى في عام 1978م بدأت أُدرك حقاً مزايا السفر، واكتشفت أنني أستمتع بملاحظة ما بين الناس من اختلاف، لكنني أحتاج إلى بذل مجهود كبير للتعرف عليهم وكسر حاجز القوالب والأنماط الشائعة، وبالطبع تطلب هذا الجهد زيارة البلد عدة مرات.

    نحن متشابهتان جداً يا سيدة ماري، وعلى الأرجح كنا سنشكل رفقة سفر ممتازة؛ فأنا أيضاً بدأت أهتم بالحياة الاجتماعية والإسلام، وعلّمتُ نفسي اللغة التركية والشعر بكل حماس، وزرت المساجد والآثار القديمة وسافرتُ وحدي بدون زوجي، أنا مثلك مهتمة بحياة النساء وقضاياهن من تعليم وصحة وتكافؤ فرص وزواج.

    عندما يكون المرء في مكان غريب فإن المواقف البسيطة كسوء الفهم المتبادل والحزن واللقاءات القصيرة تمنحه فهماً عميقاً لنفسه وللبلد الذي جاء منه.

    هذه هي الأسباب البسيطة الممتعة التي تجعلني أحب السفر بوجه عام؛ فهو يُتيح لي فرصة التعرف على أصدقاء جدد، وتذوق أطباق جديدة، ومناقشة مختلف الموضوعات لساعات بلا توقف، والتقاط صور فوتوغرافية، والكتابة والقراءة، والاستمتاع بأوقات الشاي، ومراقبة عجائب الطبيعة والإنسان، خلال رحلاتي يمكنني أن أسير على قدميّ طوال اليوم، وأنام بعمق طوال الليل، وأستطيع أن أقضي وقتي في الهواء الطلق وسط الطبيعة، أُراقب الأشجار وأنصت إلى الطيور وأتنفس بعمق.

    غير أن السفر إلى تركيا يوفر ليّ أكثر من ذلك؛ فهو يمنحني الوقت لأستغرق في أحلام اليقظة، خاصة أثناء رحلات الحافلة الطويلة، ويمنحني الوقت لأرتب الكتب في مكتبة حياتي ترتيباً يلائمني، ويمنحني الوقت لأجلس مع نفسي في هدوء وأنصت إلى صوت أفكاري...

    حينما يُسافر المرء إلى تركيا، وإن كان منفرداً؛ يمكنه الشعور بالأمان أثناء تأدية هذه الأمور البسيطة، وبمقدوره أن يسترخي حقاً، وهو ما يستحيل أن أفعله في نيويورك حيث ينبغي أن أظل حذرة ومنتبهة على الدوام.

    إن العودة إلى الوطن تُخفف بالفعل من حدة الحزن لفراق تركيا، غير أن هذا البلد قد غدا بمنزلة وطنٌ لكِ وليّ، ونحنُ ممتنون لذلك، لا أهتم بالانطلاق في رحلات حول العالم لاكتشاف ملايين البلاد، ولا أظن أن القيام بذلك سيثري شخصيتي، فأنا لا أسعى للمباهاة بعدد الدول والقارات التي زرتها، بل أحلم بأن أستمتع بالسفر على طريقتي، وأُريد أن أكون سعيدة جداً في مكان اعتبرته وطنيّ، مكان يجعلني ممتنة للعودة إلى وطني الحقيقي، وقد منحني السفر إلى تركيا هذه المتعة.

    في النهاية كيف أُجيب على السؤال حول سبب سفري إلى تركيا مراراً وتكراراً! ماذا يجذبني إليها كل عام كأنني حاجّ يؤدي شعائر مقدسة؟ لأكون صادقة لا أظن الأمر يتعلق فقط بالأحجار المعبرة، والجسور، والأشجار البالغة 500 عام، والطريق المفتوح؛ بل ببساطة لأن تركيا مليئة بالأتراك.

    عزيزتي السيدة ماري،

    لاحظتُ أنك لا تقضين وقتاً كبيراً في تحليل الشخصية التركية أو إصدار أحكام على سلوكياتها، بل تصفين الأحداث دون تحليل.

    إن أعظم ميراث تركته رسائلك هو رفضك التصرف بتعالٍ ونقد للأتراك؛ إذ أدركتِ أن أسوأ صور العجرفة تتمثل في أن يأتي شخص أجنبي ويشرع في تصنيف مواطنيّ أي بلد ويقع فريسة التعميمات والقوالب الشائعة.

    يتمتع الأتراك بالتنوع الثقافي الخاص بهم مثلهم في ذلك مثل الأمريكان الذين يضربون للعالم أجمع مثالاً يُبين أن تعدد الثقافات قد يُفرز قوة اجتماعية هائلة إذا سُمح له أن يستمر وينمو، وهو ما حدث في تركيا؛ فليست هناك معايير عرقية تركية محددة لأن سُكّان تركيا متنوعون بين اللاز والأكراد والعرب ونسل القبائل التركية في آسيا الوسطى الذين بدأوا يتوافدون على تركيا في القرن العاشر الميلادي.

    كنت منتبهة لحظة وصولي إلى تركيا ألا أقع فريسة القوالب الشائعة التي كونتها من انطباعات الآخرين، وقد كنت محقة في ذلك؛ فعندما يوصف شخص بأنه عنيد في اللغة الفرنسية يُقال: "إنه عنيد كالأتراك!" لكنني لن أصف الأتراك بالعناد بقدر ما أصفهم بالانضباط وصعوبة المراس؛ فالأتراك حازمون ويقررون دائماً ما فيه مصلحتك، حتى إن لم يكن ذلك ما تتوقعه؛ فلا يمكنك طلب طبق من قائمة الطعام إذا رأى النادل أنه ليس في مصلحتك، وسيُقدم لك أطباقاً لم تطلبها ولا تُثير اهتمامك، لأنه يرى أنها الأطباق التي يجدر بك تناولها، ولن يسمح لك صاحب المتجر مثلاً بشراء سترة برتقالية إذا ظن أن اللون لا يُناسبك، مهما عرضت من نقود.

    الأتراك مهتمون بالعالم من حولهم، وهم مستعدون دائماً للانفتاح على أفكار جديدة، وعلى الأخص يريدون أن يعرفوا الطريقة التي يُفكر بها الأجانب؛ فذات شتاء بعد أن تناولت غداءً مذهلاً في مطعمي المفضل، في السوق المغطى كابالي تشارشي باسطنبول، قررت أن أتجرأ وأطلب معروفاً من رئيس العاملين وأنا خارجة؛ سألته عن إمكانية شراء أحد أطباق المطعم، وبالطبع فاجأه السؤال، ثم نظر إليّ شزراً وقال: "سيدتي ماذا ستفعلين به؟ لماذا ترغبين في شراء أطباقي؟" أدركتُ أنني أول شخص يطلب منه هذا الطلب، ولأنه تركي فهو فضوليّ بطبعه فأراد أن يعرف السبب.

    ومن السمات الأخرى للأتراك أنهم لا يتقيدون بأي قيود، ولعلها أهم سمة تحتاج للاعتياد، لأنها غالباً ما تبدو للأجانب أمراً مُهيناً وعدوانياً؛ يفعل الأتراك بك ما يحلو لهم ببراءة وبصورة تلقائية، فقد يجذبون الصحيفة من يديك أو يلكزونك أو يجلسون بجوارك مباشرة – ليس بالقرب منك بل ملاصقاً لك – على مقاعد المنتزهات أو يربتون على كتفك أو يطرحون عليك أسئلة مباشرة جداً "يبدو أنك تبلغين خمسة وأربعين عاماً، هل هذا صحيح؟ لماذا ترتدين نظارات شمسية قديمة الطراز كهذه؟" يفعلون كل ذلك دون أدنى قصد لإزعاجك، بل بدافع فضولهم بما حولهم.

    عزيزتي السيدة ماري،

    في رسائلك تصفين زياراتك لبعض النساء في حريم الدار، ولا تكتفين بتقديم التفاصيل الغنية عن الحياة اليومية وفهم شخصية النساء فحسب، بل تلقين لنا الضوء على ما اشتهر به الأتراك من حُسن الضيافة في العالم.

    اطمئني يا سيدة ماري فلا شيء تغير منذ أن استقبلوك بالترحاب في منازلهم. يحظى الكرم التركي بشهرة عالمية؛ ويستحق هذه الشهرة عن جدارة.

    غالباً ما ينصبّ حُسن الضيافة التركيّ على تقديم الطعام والشاي، ولا بد أن تقبلي كل ما يُعرض عليك، فالأتراك لن يتوقفوا عن المحاولة حتى تستسلمي؛ فبينما نسأل شخصاً في بلادنا إن كان يريد شيئاً مكتفين بإجابة الضيف نعم أو لا من أول مرة، فالحال مختلف هنا؛ إذ السؤال يُطرح على الأقل ثلاث مرات؛ لأن الأتراك مقتنعون أننا نخجل من الموافقة من أول مرة.

    أينما تذهب تفز بكوب الشاي: في المتاجر عقب الشراء، في الزيارات السريعة إلى منزل صديق – ويفرض العرف تناول ثلاثة أكواب – وتتجلى أبرز مظاهر حُسن الضيافة في معاملة الضيف في منزل تركيّ؛ فهي تجربة أشبه بسباق يركض فيه كل أفراد الأسرة والجيران المُضيّفون؛ إذ يُسارعون لمنحه أفضل فراش في المنزل، ويعملون على تغيير نظامهم اليوميّ كله ليتوافق معه، وكأنه لا همّ لهم في الحياة سوى الاهتمام به.

    وللأتراك الفخورين جداً ببلدهم ذي التاريخ العريق دورٌ فعّال في كرم الضيافة يتضمن لفتات ظريفة يظهرونها أمام الأجانب، وكأنها أسلوب للتعبير عن سعادتهم بالانتماء لهذا البلد، فهذا رجل من أدرنة كان قد نقل مصنعه خلف الخان الذي شيّده إميكتشي أوغلو أحمد بشا عام 1609م، اصطحبني وحدي لجولة في السوق، وآخر شيخ أحدودب ظهره يتوكأ على عكازه في مقبرة السلاجقة بقرية جيفاس، سار معي ليطمئن على مشاهدتي مقبرة الشريفة حليمة، ويظهر حُسن ضيافة الأتراك أيضاً في جولة خاصة اصطحبني فيها مدير مدرسة جوهر قيصري ساعتين، وجعلني أوقع في سجل الزوار.

    ذات مرة ركبت سيارة أجرة بعد الظهيرة في سيواس؛ لأزور قبر الشيخ حسن، ثم استأذنني السائق بحياء في أن يصطحبني إلى مكان ما قائلاً: "أعرف مكاناً أشعرُ أنه سيُعجبك كثيراً"؛ عادة ينبغي أن يحذر المرء من مثل هذه الاقتراحات، لكن لم الحذر! أنا في تركيا لم أخش شيئاً فاصطحبني لمشاهدة جسر "أير" المميز بتقوسه كأنه حرف اللام، وما زال صامداً فوق النهر الأحمر رغم الهزات الأرضية العنيفة عاميّ 1939م و1942م التي دمرت كل شيء تقريباً في المنطقة.

    كل ما أخشاه يا سيدة ماري أن يتلاشى حُسن ضيافة الأتراك؛ فأخاف أن تستنفد أفواج الأجانب المتدفقة على تركيا الصبر السرمدي للأتراك وتمحو شعورهم بأن هؤلاء الوافدين – غير المحترمين عادة – زوار من عند الله، لكنني عندما أُفكر أن هذه السمة – حُسن معاملة الأتراك لضيوفهم – منذ أيام ابن بطوطة عام 1330م حتى ذهابك عام 1718م، أطمئن أن مخاوفي لا أساس لها من الصحة، كل ما ينبغي عليّ فعله هو تذكر الغرف حديثة الطلاء وصواني البقلاوة من غازي عنتاب؛ ليطمئن قلبيّ، نعم، ثم نعم، ثم نعم، أُريدُ كوباً آخر من الشاي!

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:790
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:262
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك