• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 07-11-2017
  • المؤلف: جبرا إبراهيم جبرا
  • الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  • عدد الصفحات:296
  • عدد الاستماع للحلقة: 286
  • متعة القراءة ... متعة الكتابة: قد لا يُدرك المرء قيمة الشيء اللصيق بحياته، إلا إذا حُرِم منه. ولا يعرف المرء عمق المتعة بالقراءة، إلا إذا حُرِم منها لمدة طويلة، بحيث يجدُ نفسهُ يتحرّق إلى كتاب يُعاقره، ولو لساعة، أو بعضَ ساعة. ولكن من الظلم ..
    26
    مارس
  • 91: أميركا والإبادات الثقافية
  • كتب في: 26-03-2017
  • المؤلف: منير العكش
  • الناشر: رياض الريس
  • عدد الصفحات:307
  • هذا الكتاب ليس مستقلاً بذاته. إنه متابعة لأعمال سبقته وتأسيسٌ عليها. وقد يكون محطة على طريق لا حيلة لي في معرفة نهايتها. على مدى هذه المسيرة الطويلة من كنعان المجاز إلى كنعان الحقيقة لم يغب عن أنبياء فكرة أميركا وجنرالاتها أن احتلال الأرض والإبادة الجسدية ليست كل شيء وأنه لا بد من كسر العمود الفقري لضحيتهم، ألا وهو "لغتهم وثقافتهم وتراثهم الروحي". هذه الإبادة الثقافية أو "المحرقة الأخيرة للوجود" بتعبير رسل مينز أحد زعماء الحركة الهندية هي موضوع هذا الكتاب. (التطهير الثقافي) "وقفتُ بجانب وزير الحرب وقلت له إن عليه أن يجمع كل الهنود في مكان مناسب ويذبحهم مرة وإلى الأبد. وقلتُ له: إذا لم توافق على هذه الخطة فإن البديل الناجع هو الصابون والتعليم. فالصابون والت

    هذا الكتاب ليس مستقلاً بذاته. إنه متابعة لأعمال سبقته وتأسيسٌ عليها. وقد يكون محطة على طريق لا حيلة لي في معرفة نهايتها.

    على مدى هذه المسيرة الطويلة من كنعان المجاز إلى كنعان الحقيقة لم يغب عن أنبياء فكرة أميركا وجنرالاتها أن احتلال الأرض والإبادة الجسدية ليست كل شيء وأنه لا بد من كسر العمود الفقري لضحيتهم، ألا وهو "لغتهم وثقافتهم وتراثهم الروحي". هذه الإبادة الثقافية أو "المحرقة الأخيرة للوجود" بتعبير رسل مينز أحد زعماء الحركة الهندية هي موضوع هذا الكتاب.

    (التطهير الثقافي)

    "وقفتُ بجانب وزير الحرب وقلت له إن عليه أن يجمع كل الهنود في مكان مناسب ويذبحهم مرة وإلى الأبد. وقلتُ له: إذا لم توافق على هذه الخطة فإن البديل الناجع هو الصابون والتعليم. فالصابون والتعليم أنجع من المذبحة المباشرة، وأدومَ وأعظمُ فتكاً. إن الهنود قد يتعافون بعد مجزرة أو شبه مجزرة، لكنك حين تُعلّم الهندي وتغسله فإنك ستقضي عليه حتماً، عاجلاً أم آجلاً. التعليم والصابون سينسفان كيانه ويدمران قواعد وجوده. وقلتُ له: سيدي، اقصف كل هندي من هنود السهول بالصابون والتعليم، ودعه يموت".

    مارك توين 1867

    في كتابه الوثائقي عن السياسة الأميركية تجاه السكان الأصليين يُخصص الأب اليسوعي المؤرخ فرانسيس بروشا فصلاً كاملاً لحرب التطهير الثقافية التي استعان فيها الزنابير بسلاح التعليم والتمدين على إبادة السكان الأصليين بالطريقة التي استعانوا فيها بالنار والحصار وسلاح الجراثيم. وكذلك فعل دافيد والس آدمس في كتابه الذي يُفصح عنوانه عن: "تعليم بهدف الإبادة". هنا يتفق الكاتبان على أن الذي تولى حرب التطهير الثقافية وألحق أكبر الضرر بثقافات الهنود وأديانهم، وحياتهم وأملاكهم أيضاً، هو "مكتب الشؤون الهندية". وكان هذا المكتب قد تأسس عام 1806 باسم "مديرية الشؤون الهندية" وأُلحق بوزارة الحرب الأميركية قبل أن يُلحق بوزارة الداخلية في 1869. كل الطواويس الذين عَمِلوا في هذا المكتب "خلقهم" الزنابير لإعطاء وجه هندي لفكرة أميركا، فكرة احتلال أرض الغير، واستبدال شعبٍ بشعب وثقافة بثقافة.

    لأكثر من قرن كان هذا "المكتب" يلجأ إلى كل وسيلة مُتاحة، بما في ذلك العنف والخطف لاقتلاع أطفال الهنود من أحضان أمهاتهم وثقافاتهم في أصغر سن ممكنة (الرابعة في أغلب الأحيان) وشحنهم إلى معسكرات أشغال شاقة سُميت تجاوزاً بالمدارس.

    أولاً: ليتعلموا كيف ينظرون إلى أنفسهم والعالم بعيون غُزاتهم.

    ثانياً: ليعملوا بالسخرة في المصانع والمزارع الملحقة بهذه المدارس.

    ثالثاً: ليكونوا ألغاماً في حرب تجريد الهنود من "هنديتهم" وتزييت جرافة الاستيطان والنهب والإبادة الجسدية.

    ولكي تؤتي هذه الأهداف (النبيلة) ثمارها كان لا بد للمدارس الهندية من نظام عسكري صارم، تولّى فرضه جنرالات "فكرة أميركا" وجنرالات "ثروة الأمم" وطواويس الاستعمار الداخلي في "مكتب الشؤون الهندية"، فقضى بموجب الإحصاءات الرسمية على أكثر من 50% من هؤلاء الأطفال.

    (استباحة الجسد)

    "[إنهم يعتبرون] الهنود الحمر والكنعانيين تجسيداً حيّاً للفاحشة الجنسية، ويقولون إن أجسادهم وأرواحهم نجس، لا حرمة لها. لهذا يستحقون التدمير الجماعي".

    المؤرخة أندريا سميث (من شعب الشيروكي)

    لم يتورع طواويس "مكتب الشؤون الهندية" عن إقطاع هذه المدارس الداخلية؛ مدارس أبنائهم لثروة الأمم التي أقطعتها بدورها لإرساليات التبشير، واستأجرت لذلك بتعبير المؤرخ الشيروكي جورج تينكر:

    حثالات المجتمع [الأميركي] من مُتخرجيّ السجون وأصحاب السوابق والساديين ومُغتصبيّ الأطفال والمتقاعدين العسكريين والأمنيين لتمدين أطفال الهنود والإشراف على هذه المدارس وإدارتها.

    لهذا لم تخل مدرسة واحدة، وبنسب مختلفة، من الاغتصاب الجنسي. أمام هذا "الإرهاب الجنسي" الذي اعتمدته سلطات المدارس كلها بدون استثناء لم تقتصر معاناة الطفل على صدمة عاطفية أو أمراض نفسية وجنسية، بل كان عليه حتماً أن يفقد الأمل في المقاومة وأن ينهار كلياً وتنهار معه كل هنديته فلا يبقى أمامه إلا أن ينتحر أو أن يستسلم لشهوات رسل الحضارة. إنها في النهاية إحدى حتميات "فكرة أميركا" المستعارة من فكرة إسرائيل التاريخية. فالاستعمار الجنسي للشعوب الأميركية الأصلية وجرائم الاغتصاب والعنف الجسدي التي مدّن بها شعب الله الإنكليزي ضحاياه من السكان الأصليين ظواهر طبيعية، ذلك لأن بُنيّة الاستعمار الإنكليزي لشمال أميركا، أي فكرة أميركا نفسها، فكرة احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة، صيغت من مادة وأخلاق الاغتصاب والعنف الجنسي. وهي لا تزال إلى الآن ترسم سياسة الزنابير وأخلاقهم تجاه سكان مستعمراتهم من سيدني إلى واشنطن ومن نيوزيلاندا إلى بغداد.

    الدراسات الإحصائية لظاهرة الاغتصاب في مدارس الأطفال الهنود حديثة نسبياً. فتقرير المجلس القبلي لهنود كاريبو 1991 يذكر استناداً إلى شهادات 187 تلميذاً أن 89 منهم تعرّضوا للاغتصاب، ورفض 60 تلميذاً الإجابة، بينما قال 38تلميذاً إنهم لم يتعرضوا. أما التقرير الذي أعدته وزارة الصحة عام 1993 فيقول أن نسبة اغتصاب الأطفال في بعض هذه المدارس، ما بين عوام 1950 و1980، كانت عامّة طامّة (100%) لم يستثنِ منهم أو منهن.

     

    (من يأكل لحم البشر؟)

    "القضاة [الإنكليز] في القريب العاجل سيقرّون أكل لحم البشر ويجعلونه بديلاً طبيعياً لدفن الموتى".

    وليم هاركورت – وزير الداخلية البريطاني 1880 – 1885

    ثم إن هناك طقوساً إنكليزية لأكل لحم البشر وثّقها برايان سيمبسون أستاذ القانون في جامعة ميشغان والمستشار الفخري للملكة إليزابيث منذ 2001، ويضم كتابه "أكل لحم البشر والقانون العرفي" الذي نشرته جامعة شيكاغو عدداً لا يُحصى من الولائم التي أحياها الإنكليز والأميركيون في البحار، أو أثناء الزحف الاستعماري "لنشر أعظم التقاليد وأنبلها". ويخلص في نهاية الكتاب إلى أن:

    "أكل لحم البشر كان شائعاً لدى الإنكليز في القرن السابع عشر [عندما غزوا جيمستاون وأكلوا جثث الهنود وجثث بعضهم]، لكنه تطور وتعزز مع اتساع رقعة التجارة البريطانية ومع الزحف الاستعماري إلى كل قارات الأرض.

    ولأكل لحم البشر لدى الزنابير تصنيفات وفوائد صحية حسب الخصائص العرقية أو القومية للضحية الذي يجب أن يكون كنعانياً حلالاً لشعب الله. فمنهم من ينفع للشفاء من هذا المرض، ومنهم من ينفع للشفاء من ذاك الداء. فالكنعاني الأسود مثلاً كان يُتناولُ لحمه لمثل ما يتناول بعض الناس اليوم حبوب الفياغرا، إذ إن الاعتقاد السائد لدى الإنكليز "بإن أكل لحم الرجل الأسود يقوي الباه ويُطيل العمر".

    ويصف البحار روبرت غرينهيل "مذاق اللحم البشري بأنه شهي كمذاق لحم الخنزير". وعندما قبضوا على ألكسندر بيرس الذي قتل رفيقه توماس كوكس وجدوا قطعة من لحم فخذ كوكس في جيبه... وقد صرح بأن هذا ألّذ طعام عنده. واتضح بعد ذلك أن بيرس لم يأكل لحم البشر اضطراراً وإنما لأنه اللحم المفضل عنده. [وهذا ما دعا سيمبسون إلى القول]: "إن أكل لحم البشر يتحول بسهولة إلى عادة بمجرد أن يبدأ الإنسان بتناوله".

     

     

    (الأرض مقابل الحضارة)

    "اللغة والدين هما خط الدفاع الأخير للهنود ولا بد من القضاء عليهما"

    الكابتن برات، مؤسس مدارس الهنود، 1840 – 1924

    كانت نجاة الربع مليون هندي من الإبادة الجسدية تقض مضاجع شعب الله الإنكليزي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ ما زال تحت أقدامهم أرض تكتنز الثروات التي تُسيل لعاب "ثروة الأمم"... وكان مصير هؤلاء الأشقياء موضع أخذ وردّ وجدل ساخن بين المستوطنين وبين من يسمون أنفسهم بأصدقاء الهنود. فالمستوطنون يريدون المضي بفكرة أميركا، فكرة احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة إلى مداها، وذلك بالقضاء نهائياً على الوجود الجسدي للهنود حيثما وجدوا. أما "أصدقاء" الهنود مثل الكابتن برات فكانوا يُفضلون إبادة ألطف وأجدى، وأقل كلفة، عبّر عنها مفوض الشؤون الهندية كارل شُرز بما قلّ ودلّ: "الفناء أو التمدن".

    "الأرض مقابل الحضارة" هي المعادلة التي نجح ما يُسمى بـ "أصدقاء الهنود" في تحويلها إلى سياسة رسمية. ويعتبر مدير "دائرة الشؤون الهندية" في وزارة الحرب الأميركية توماس مكنّي مهندس هذه "السياسة الأميركية تجاه الهنود" كما يوضح ذلك كتاب لهرمان فيولا بهذا العنوان، فهو الذي أمضى ست سنوات (1812 – 1818) يُقنع الكونغرس برصد ميزانية لتأسيس مدارس تبشيرية تُمدّن الهنود. وفي النهاية وافقت "لجنة الشؤون الهندية" في الكونغرس على تأسيس ما يسمى بصندوق التمدين، وأعلنت في حيثيات تأسيسه:

    "ضعوا في أيدي أطفالهم الكتاب المدرسيّ والمجرفة... وعندما تنور عقولهم وتتسع آفاقهم سيصبح الكتاب المقدس كتابهم واللغة الإنكليزية لغتهم... ويصبحون عناصر مفيدة في المجتمع".

    (أطفال "الهمج" في جنان "المدنية")

    "أطفال الهنود يموتون في هذه المدارس كالذباب... إن نسبة ضحايا الحروب أقل بكثير من نسبة ضحايا هذه المدارس".

    تقرير برايس 1907

    لحظة وصول الطفل إلى "المدرسة" وفك الأغلال من يديه (ورجليه أحياناً)، تبدأ "إبادة الهندي لإعادة خلقه من جديد"، فتحرق ثيابه وخصوصياته الهندية أمام عينيه، وسط مشاعر القرف والاشمئزاز والسخرية والإهانة المتعمدة، وكلمات ألطفها "الهندي القذر". ثم يحلقون شعره، ويُعلمونه أن الشعر الطويل الذي يعتز به الهنود هو من رموز الهمجية.

    والشعر الطويل عزيز على قلب الهنود. ويُعتبر الاعتداء عليه كالاعتداء على الشاربين لدى بعض الجماعات. إنهم لا يقصونه إلا للعقاب والإهانة كما يروي دنكن مكريمون أحد ضباط ميليشيا جورجيا في قصة طريفة عن أسير أبيض حكم عليه الهنود بالموت. وعندما تشفعت له فتاتان من البيض قالوا لهم: إنهم يقبلون شفاعتهما وأنهم سيكتفون بأن يعاقبوا الأسير بقصّ شعره قبل أن يحرروه.

    ولطالما شهدت حفلات الجزّ لحظات من التمرد والعنف وتحولت إلى فجائع، وذهب ضحيتها بعض الأطفال موتاً بمقص الحضارة أو ضياعاً في البراري والغابات.

    الخطوة التالية لسحق هندية الطفل هي تحقير اسمه وتغييره من اسم هندي ثقيل على السمع واللسان إلى اسم إنكليزي موسيقي طنان، يُخلع عليه عادة من أسماء ألمع نجوم الفن والأدب والعلم والسياسة ليوهموه أو (يوهموها) بأنه لم يبق بينه وبين أن يُصبح واحداً من هؤلاء العظماء سوى أن يحتقر نفسه وهنديته.

    بعد أن يتلقى الطفل أربعة دروس صباحية في "المواطنة" و"اللغة" و"الدين"، يتناول وجبة غداء دسمة من الخبز والحساء والبطاطا المسلوقة. ثم يُساق إلى عمل السخرة، تماماً كما كان الكابتن برات يفعل في سجونه قبل أن يتولى مهمة إنشاء هذه المدارس.

    كل أعمال السخرة التي فُرضت على أطفال هذه المدارس يُحرّمها القانون الأمريكي، لكن "ثروة الأمم" مثل "الشعب المختار" فوق كل القوانين. فالكونغراس أصرّ منذ البداية على أن تكفي هذه المدارس نفسها بنفسها وأن تكون شكلاً من أشكال معسكرات العمل. وعندما أثبتت هذه المدارس جدواها الاقتصادية لم يخف كثير من المسؤولين أن من أهدافها الربح. بذلك كانت ساعات العمل تزداد سنة بعد سنة على حساب ساعات "الدراسة". لقد كان على التلميذ، وفقاً لما فرضه الكابتن برات على السجناء حين كان مديراً للسجن العسكري في فورت ماريون، أن يعمل للمدرسة وليس العكس. وكانت الحجة الدارجة أن عقول هؤلاء الهمج لا تُطيق الكثير من عِلم البيض! وأنه في النهاية لا فائدة ترجى من تعليمهم أو تمدينهم. "إن المدارس لا تستطيع أن تنقل الهنود من الهمجية إلى المدينة في جيل واحد".

    خلال فصل دراسي واحد في مدرسة "حصن ستيفنسون" سُخّر 38 تلميذاً (أعمارهم ما بين الثامنة والرابعة عشرة) لقطع وتنجيز 300 سارية خشبية ولتسوير عشرين فداناً من المراعي، ولقطع وتكسير 200 كورد من الحطب (256 ألف قدم مكعب)، ولتخزين 150 طناً من الثلج، ولاستخراج 150 طناً من الفحم الحجري.

    وفي مدرسة هكسل بنى الأطفال في فصل واحد طابقين إضافيين للمدرسة، وأعادوا بناء مهاجعهم وبلطوها من جديد، كما دهنوا مباني الموظفين وغرفهم، ورمموا الأسطحة، وعمّروا حظائر للقش وبيتاً للحرس، وصنعوا مفروشات جديدة للمدرسة كالطاولات والمقاعد والمكتبات، وعبّدوا مماشي المدرسة بالإسمنت المسلح.

    وما أنتجه تلاميذ مدرسة شيلوكو كان من معجزات نظام العبودية:

    12 تلميذاً في هذا المخبز، كانوا يُنتجون أسبوعياً ألفي رغيف خبز، وألفيّ كعكة حلوة و1800 قطعة من خبز الذرة، أما في المغاسل فكانت تلميذات المدنية يغسلن في الفصل 574 ألف منشفة، و98ألف شرشف، و35 ألف قميص...الخ

    برغم كل هذا الإنتاج الذي درّ على إدارة المدارس أربعة أضعاف نفقاتها السنوية، ظل معظم طعام هذه المدارس على مدى أكثر من مئة عام يقتصر على الخبز والحساء والبطاطا المسلوقة. كان أطفال هذه المدارس يعملون بالسخرة لدى غزاتهم ومستوطني بلادهم على غرار أقنان القرون الوسطى وعبيد المزارع. وكان إنتاجهم حراماً عليهم. بل كانوا يُعاقبون حين تشتهي أنفسهم مذاقه. ففي موسم قطف التفاح مثلاً تجرأت طفلة من هنود نافاهو على أكل تفاحة:

    "في مساء ذلك اليوم، صفتنا المشرفة في المهجع، وأمرتنا بتعرية نصفنا الأعلى والاستلقاء على بطوننا، ثم جلدتنا حتى سال الدم من ظهورنا".

    كان كثير من هؤلاء التلاميذ يضطرون لسرقة الطعام ليشبعوا. هذا ما اعترف به طفل ذو أحد عشر "ربيعاً" بينما قالت الطفلة "هيلين": "لطالما جعت وبكيت من عضة الجوع. كنت أظن أنني سأموت من الجوع. إنك لا تستطيع النوم وأنت جوعان". وفي عام 1966 نُشرت تقارير عن Mohawk Academy تقول إن الجوع الشديد اضطر بعض الأطفال للتسلل إلى الاصطبلات والأكل من علف الخنازير.

    كل الدراسات التي أُجريت لاحقاً بيّنت أن معدل وزن التلميذ في مدرسة التمدين أقل بـ 35% من الوزن الطبيعي، وأن ميزانية طعامه تعادل 21% من ميزانية مدارس أطفال الزنابير التي تموّل جزئياً من إنتاج الأطفال في مدارس الهنود. ثم تبين لاحقاً أن 91% من هؤلاء الأطفال عانوا من سوء التغذية التي لم يتوفر فيها الحد الأدنى من الاحتياطات الصحية.

    كانت المدارس التي يُساق إليها الطفل الهندي وهو في الرابعة من عمره معسكراً "تربوياً" يتعرض فيه للجوع، وأعمال السخرة، والإهمال الصحي، والإهانات العنصرية، والتعذيب بكل فنونه. وكان التعذيب النفسي والجسدي، كما يصفه تقرير رسمي صادر عن الكونغرس "مستفحلاً" في هذه المدارس يشمل التعرية، وتقنيع الرأس، والحبس الانفرادي، والتحرش الجنسي، واستخدام الكلاب، ومعظم تلك الفظاعات التي يكرر الزنابير دائماً وأبداً أنها حوادث فردية نادرة يرتكبها أفراد شاذون دون علم رؤسائهم.

    هنا يتلذذ أساتذة التمدين بتعذيب أطفال الهمج بسبب أو دون سبب، كعلك العلكة، أو التلكؤ في العمل، أو مراسلة الأهل، أو أي تصرف أو كلمة تدل على "اعتزاز" بثقافتهم الهندية. لكن أخطر الجرائم كانت تتمثل في الحديث باللغة الأم:

    تروي امرأة كانت قد أُدخلت واحدة من هذه المدارس في أوكلاهوما أن الأطفال الذين يتحدثون بلغتهم الأم Kiowa يُجبرون على تنظيف أسنانهم بفرشاة منقوعة بمحلول القِلى الكاوي حتى يهترئ فمهم من الداخل.

    (حصاد الأرواح)

    لا أظن أبداً أننا سنقهر هذا البلد ما لم نكسر عظام عموده الفقري التي هي لغته وتراثه الروحي".

    توماس مكولاي 1840 – 1924

    استباحة الجسد الهندي بكل فنونها لم تكن إلا البداية.

    استباحة الجسد الهندي وتدمير المظهر الخارجي والهوية الثقافية للطفل الهندي في معسكرات تعذيب سمّيت زوراً بالمدارس هي مقدمة لازمة لاقتلاع دماغ هذا الطفل واستبداله بدماغ أبيض عامر بذاكرة الغزاة ولغتهم ومَلَكة حكمهم ومزاجهم وأخلاقهم ودينهم.

    هنا، على طريق الإنسان الأبيض – كما يقول مفوض الشؤون الهندية وليم جونس – بإبادة الهندي وخلقه إنساناً [آخر]" متمدناً يعمُر قلبه حب أميركا وفكرتها وأبطالها ورموزها وأساطيرها، ومتديناً تقياً يعبد الرجل الأبيض، ويتنازل عن كل ما تبقى لديه طوعاً للرجل الأبيض.

    حاولت هذه المدارس جهدها أن توهم هؤلاء الأشقياء بأن "لا حضارة بدون مسيحية"، أو بتعبير أدق بدون "بروتستانتية يهودية"، إذ إن الكنائس البروتستانتية في العالم الأنكلوسكسوني فرق يهودية من حيث العقيدة، (المسيح فيها مجرد ديكور، والإنجيل – باستثناء قيامة يوحنا البطمي – مرجع هامشي)، ومن حيث السياسة، فرق مكابية أكثر صهيونية من أشد اليهود تطرفاً. لهذا فإن تمدين الأطفال الهنود يقتضي جعل هذه البروتستانتية اليهودية جزءاً أساسياً من تعليمهم. وفي هذا السياق شن مديرو هذه المدارس حملة تبشير شرسة ذات هدفين رئيسين، أولهما: الموالاة للعَلَم والدولة الأميركية، وثانيهما خلق روح الفردية لتدمير النظام الاجتماعي الهندي الذي لا يؤمن بالملكية الفردية ويحول بالتالي دون سيطرة الزنابير على ما تبقى من أملاك الهنود. وقد رافق ذلك تسميم هؤلاء الأطفال بكل أساطير العبرانيين.

    كانت الحيل والرشاوي كثيرة، وكان الإلحاح على الهِدَاية لا يُطاق. فالطفل الآباشي جيسون بتزينر يصف ما تعرض له من تهديد وضغط لكي يؤمن فيقول: "كان ذلك أقسى ما تعرّضت له في حياتي. وكان الأمر يزداد سوءاً كلما ازدادت معرفتي بالإنكليزية" وتقول الطفلة هيلين سكاكابتوا "إن المبشرين كانوا شديديّ الإلحاح، وكانوا يرشوننا بهدايا تافهة لكي نذهب إلى الكنيسة".

    كان المبشرون والأساتذة داخل هذه المدارس يتفانون في تدمير البُنى الثقافية والأُسس الروحية للوجود الهندي، كانوا يحقنون هؤلاء التلاميذ بكراهية ثقافتهم ويوهمونهم بانحطاطها وتفاهتها مقارنة بثقافة الإنسان الأبيض. وكانت هذه المعاول التبشيرية لا تني عن تدمير ثقافة الهنود سواءً بتشويه تصورهم لأنفسهم عبر التشنيع على هذه العادة أو تلك القيمة، أو التقزز من هذا السلوك أو ذاك الطقس، أو الاشمئزاز من اللغة أو الدين أو طريقة الحياة؛ كل ذلك كان يشحن الطفل بالعنصرية ضد نفسه وأهله وثقافته وبكراهية نفسه وأهله وثقافته.

    إن المبشرين شركاء في حرب الإبادة الثقافية، ويأخذون عليهم ضلوعهم في تدمير نظامهم الاجتماعي وفي إفقار وموت الناس الذين أرادوا تبشيرهم. لقد وحّدوا بين الكتاب المقدس وبين ثقافة الغزاة البيض مما أدى إلى فرض ثقافة البيض وقيمهم وبناهم الاجتماعية والسياسية على المجتمع الهندي باسم الخلاص والكتاب المقدس.

    ترددت كثيراً في استخدام اصطلاح "الإبادة الثقافية"، لا لأن مفهوم "الإبادة الثقافية" أكثر التباساً ولؤماً من الإبادة الجسدية على الرغم من أنه متمم لها ولا يقل عنها خطراً وتدميراً، بل نحن أمام فكرة أميركا، فكرة احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة، وأمام أكبر وأطول حرب إبادة في التاريخ الإنساني المعروف، وأمام دمار ثقافات ما لا يقل عن 400 أمة وشعب كانوا يعيشون في المنطقة التي تُسمى اليوم بالولايات المتحدة، لا يسمح لنا التاريخ ولا المسؤولية الأخلاقية والإنسانية أن نتناسى أو نتغافل أو نتجاهل أو نتحايل على هذا الاصطلاح الذي يلوح خطره اليوم في مهد العرب وقدس أقداس ثقافتهم. هذا الاصطلاح يُطلق عادة لوصف التدمير المنهجي المقصود لثقافة أي شعب أو أمة، وذلك لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو دينية أو أيديولوجية أو عرقية أو عنصرية. وهي الأهداف التي تُشكل الوقود الدائم لفكرة أميركا والتي لازمت الغزو البريطاني لأستراليا ونيوزيلاندا ومئات الجزر التي أبادوا أهلها ودمروا ثقافتها. هذا ما يُعبر عنه الشعار الذي أطلقه مؤسس المدارس الداخلية لأطفال الهنود ريتشارد برات: "اقتل الهندي وأبق الجسد". إن شعار برات هذا لا يدع مجالاً للشك في أن الهدف النهائي لهذه المدارس هو الإبادة الثقافية.

    وإذن فقد جاء المبشرون ليقطفوا روح من نجا من مذابح الجسد.

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:645
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:270
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك