• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 11-09-2017
  • المؤلف: جعفر شيخ إدريس
  • الناشر: مركز البيان للبحوث والدراسات
  • عدد الصفحات:191
  • عدد الاستماع للحلقة: 74
  • لماذا هذا البحث؟ ولماذا هذه النقاشات مع أن الملحدين في العالم قلة قليلة من الناس؟ لأن هؤلاء الملحدين وإن كانوا قلة إلا أنهم قلة مؤثرة، والعبرة في الأفكار ليست بكثرة عدد من يعتنقها ويُدافع عنها ولكن بعدد من يتأثر بهم، ولو تأثراً جُزئياً. ولأن ..
    05
    أبريل
  • 92: ذكريات
  • كتب في: 05-04-2017
  • المؤلف: عليّ الطنطاوي
  • الناشر: المنارة
  • عدد الصفحات:319
  • بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم لك الحمد، اللهم وفقنا لما ترضى، واختم لنا بالحسنى... وبعد: فهذه ذكرياتي. حملتها طول حياتي، وكنتُ أعدها أغلى مقتنياتي، لأجد فيها يوماً نفسي، وأسترجع أمسيّ، كما يحمل قِربة الماء سالك المفازة، لترد عنه الموت عطشاً، ولكن طال الطريق، وانثقبت القربة. فكلما خطوت خطوة قطرت منها قطرة، حتى إذا قارب ماؤها النفاد، وثَقُل عليّ الحمل، وكلّ مني الساعد، جاء من يرتق خرقها، ويحمِلُ عني ثقلها، ويحفظُ ليّ ما بقي فيها من مائها، وكان اسمه (زهير الأيوبي). جاءني يطلبُ مني أن أدون ذكرياتي في مجلة المسلمون، وكان نشر هذه الذكريات إحدى أمانيَّ الكِبار في الحياة، ولطالما عزمت عليها، ثم شغلت عنها، وأعلنت عنها لأربط نفسي بها، ثم لم أكتبها، بل أني لم أشرع بها لأني لا أكتب إلا للمطبعة

    بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم لك الحمد، اللهم وفقنا لما ترضى، واختم لنا بالحسنى...

    وبعد:

    فهذه ذكرياتي. حملتها طول حياتي، وكنتُ أعدها أغلى مقتنياتي، لأجد فيها يوماً نفسي، وأسترجع أمسيّ، كما يحمل قِربة الماء سالك المفازة، لترد عنه الموت عطشاً، ولكن طال الطريق، وانثقبت القربة. فكلما خطوت خطوة قطرت منها قطرة، حتى إذا قارب ماؤها النفاد، وثَقُل عليّ الحمل، وكلّ مني الساعد، جاء من يرتق خرقها، ويحمِلُ عني ثقلها، ويحفظُ ليّ ما بقي فيها من مائها، وكان اسمه (زهير الأيوبي).

    جاءني يطلبُ مني أن أدون ذكرياتي في مجلة المسلمون، وكان نشر هذه الذكريات إحدى أمانيَّ الكِبار في الحياة، ولطالما عزمت عليها، ثم شغلت عنها، وأعلنت عنها لأربط نفسي بها، ثم لم أكتبها، بل أني لم أشرع بها لأني لا أكتب إلا للمطبعة، لذلك لم أجد عندي شيئاً مكتوباً أرجع عند تدوين الذكريات إليه، وأعتمد عليه.

    بدأت كتابة الذكريات وليس في ذهني خطة أسيرُ عليها، ولا طريقة أسلكها، وأُصدق القارئ أني شرعتُ فيها شبه المُكرَهِ عليها، أكتب الحلقة ولا أعرف ما يأتي بعدها، وكثيراً ما كنت أنسى ما الذي كتبته قبلها.

    ووجدتُ الذين كتبوا مذكراتهم في هذه الأيام منهم من اعتمد على وثائق مدونة أو وصفاً للحادثات كتبه في حينها، وأنا لا أملك إلا بعض الأوراق الرسمية المدرسية أو الوظيفية أو الصورة الشمسية، وكثير منها لم يكن تحت يدي وأنا أكتب، وقلت لنفسي: إن جاءت مهوّشة على غيرِ نظام، فكذلك الدنيا فيها صحو ومطر، ومسرّة وكدر، ويسر وعسر، وشدة ورخاء. ولكن هل يأتي ذلك على ترتيب معروف، ونهجٍ واضح؟

    كذلك جاءت ذكرياتي.

    من الكُتّاب إلى المدرسة التجارية: استهللت دراستي شقيّاً في الكُتّاب، وشقيّاً في المدرسة، هذه المدرسة الكبيرة التي كانت تسمى (اتحاد وترقي مكتبي إعدادي سي) والتي اختصر الناس اسمها وعربوه فقالوا (المدرسة التجارية) لأن الذي فتحها جماعة من التجار.

    وكانت مدرسة جامعة فيها قسم للحضانة والابتدائي والإعداد والثانوي، ومجموع سنوات الدراسة فيها اثنتا عشرة سنة ومنها إلى الطب أو السفر لإسطنبول.

    كان المدير العام لهذه المدرسة هو أبي الشيخ مصطفى الطنطاوي، فهل تحسبون أني كنتُ مدللاً مكرماً لأني ابن المدير؟ لا والله، ولقد رأيت أول عهدي بها ما كرّه إليّ العلم وأهله، ولولا أن تداركني الله بغير معلمي الأول لما قرأتم لي صفحة كتبتها ولا سمعتم مني حديثاً أو خطاباً ألقيته، بل لما قرأتُ أنا كتاباً.

    من ذكريات الطفولة، ذكرياتي عن الحرب العالمية الأولى: لنعد لسنة 1914، السنة التي اشتعلت فيها نيران أول حرب عالمية، ولكن لا تنتظروا مني أن أُحدثكم عنها حديث المؤرخ المحقق، فإني أدون ذكريات إنسانٍ كانَ طفلاً في تلك الأيام.

    مرّ عليّ في هذه المدرسة شهور، لم أُخالط فيها أحداً من الأولاد، فقد نشأت أول ما نشأت على الوحدة، لم ألعب يوماً مع الأولاد في الحارة، ولا زرت أحداً من لداتي ولا زارني، فكنت (طوال عمريّ عائشاً وحدي...) أنيسي كتابي، وإن زرت فالكبار من تلاميذ أبي أو إخوانه، كان يصحبني أحياناً معه، فأستمع ولا أتكلم لأن الصغار لا يتكلمون في مجالس الكبار.

    حتى كان يوم رأيت فيه سماء (الصحن) الواسع مغطاة بسحابة سوداء، دانية منا ليست بعيدة عنا، وكان يساقط شيء منها على رؤوسنا... رجلاً من الجراد ملأ سماء الشام وأرضها، وأتى على الأخضر واليابس من زرعها، وكان شيئاً رهيباً.

    فبدأ القحط في البلد.

    ثم سمعنا من أفواه الكبار كلاماً لم ندرك غوره، ولكن فهمنا من لهجة كلامهم ومن جزعهم أنه شيء مكروه مخيف.

    فهمنا أنها قامت حرب في مكان بعيد، وأن هذه الحرب يموت في المعركة الواحدة منها، ما يزيد مئة مرة عن كل الذين ماتوا في معارك الجاهلية كلها.

    ثم خلت الشام إلا من الشيوخ والنساء والأطفال، أما الشبان فقد ساقوهم (مشاة على أقدامهم) إلى حرب ترعة السويس أولاً، التي عدنا منها بالهزيمة، وإلى معركة (جناق قلعة) لمحاربة الأعداء الألمان.

    ثم رأينا الناس (ونحن في طريقنا إلى المدرسة) ينبشون أكوام القمامة لعلهم يجدون فيها بقايا طعام.

    ولكن الأتراك مسلمون، وإن كان حكامنا وحكامهم يومئذ من الاتحاديين أعداء العربية، وكدت أقول أعداء الدين، فقد عزّ عليهم أن يجوع علماء المسلمين، فخصصوا لهم جرايات من القمح، تسد حاجة بطونهم، وتصون ماء وجوههم.

    انتقلت مدرستنا إلى سوق صاروجا، إلى دار هولو باشا العابد بجوار السوقيات، وترك والدي المدرسة وجاء مدير جديد، اسمه شكري بك عابدين.

    وصلتُ سنة 1918 إلى الصف الخامس الابتدائي، وكانت مدرستنا 0الأهلية) تتبع مديرية المعارف، وتزيد عليه العناية بالعلوم الإسلامية، ولكن تدريسها سيء الأسلوب، معوج الطريقة، ولا أذكر لمدرسٍ من مدرسيها أثراً في نفسي.

    واستيقظنا يوماً من أيام سنة 1918 على صوت رعد شديد ولكن السماء ما فيها قطعة من غمام، ورجات هائلة كأنها زلزال، ولكن ما اهتزت الدار، فصعدنا نحاول أن نرى من سطوح المنازل، فشاهدنا نوراً يسطع ثم يخمد وناراً تتفجر في الجو ثم تهمد، فجاء من يُخبرنا بأن مستود الذخائر قد فُجّر! وسألنا لماذا؟ فلم يعرف أحدٌ لماذا؟

    فلما أصبحنا قالوا أن الجيش التركي قد انسحب في الظلام وخرج من دمشق، وأن الشريف فيصل بن الحسين قادمٌ إلى دمشق، وكانت رجة في البلد وكانت مظاهرات، وما كنا نعرف المظاهرات.

    في امتحان الشهادة الابتدائية، خطبتي الأولى وتهجمي على الفرنسيين:

    أما الامتحان فقد كانوا يأتون في كل مادة نمتحنُ فيها بأكبر أساتذتها في البلد، يصطفون حول مكتب كبير، ويوضع أمامه كرسي يقعد عليه التلميذ الصغير، ويمد كل منهم يده إلى أغرب المسائل التي حفظها وأصعبها، يستخرجها من رأسه فيُلقيها على رأس هذا الولد المسكين، ويأتي الثاني بأشد منها صعوبة وأكثرُ غرابة، كأنه امتحان للأساتذة الفاحصين. يكون هذا في أول الامتحان، فإذا انتهوا من (عرض عضلاتهم) ألانوا وسهلوا. لذلك كنا نتدافع الدخول في بداية الامتحان، فإذا هانت شدته ووهت حدته، تزاحمنا عليه وتسابقنا.

    لقد كان التلاميذ يفزعون من هذا الامتحان ويخشونه، ولكني كنت أترقبه متشوقاً إليه، وما خفتُ منه في يومٍ من الأيام.

    هل تدرون أن فينا، في أعماق نفس كلٍ منا، خبايا وخفايا لا يعرفها صاحبها؟

    أنا الآن، بعد هذا العمر وهذه الشيبة، لا أستطيع أن أزور أحداً من أصدقائي إن لم يكن معي رفيق، أما الذي لا تجمعني به صداقة وأُلفة تزول معها الكلفة فلا أقدر أن أزوره أبداً. ومن أصعب الأمور عليّ أن يزورني من أحتشمه، ومن ليس بيني وبينه خلطة. ولقد اقترح من أيام أخٍ لي لا أعرفه في مقالة كتبها في جريدة (المدينة) أن يُقيم لي أهل مكة حفلة تكريمية، ولم يدر أن الذي اقترحه أعتبره تعذيباً، وأفتدي نفسي منه بمرتب نصف شهر، صدقوني.

    ولطالما هربت من أمثاله وأنا أعلم أن هربي مخالف للآداب الاجتماعية، ولأعراف الناس، وأني أفتح على نفسي باب الظن بأني قليل الوفاء، أو أني مستعلٍ مُتكبر، وما بي والله شيء من ذلك ولكنه ما ذكرت.

    فكيف إذن لا أفزع من الامتحان؟ ولا أتهيب لقاء الجماعات من وراء المنبر؟ وكيف أخطب في مئة ألف بلا استعداد، فأرى ذلك أهون عليّ من حضور مجلس نفرٍ من الناس.

    كان امتحان الشهادة الابتدائية، لا يجمع له التلاميذ بل كانت اللجنة تدور عليهم في مدارسهم، وكان لحضورها رجة وضجة، لأنها تجمع كبار رجال (المعارف) وأساتذة المدارس، برياسة الرئيس الأعلى للحكومة المحلية. وهو دولة الحاكم!

    وهذه شهادتي الرسمية لا تزال عندي، درجاتي فيها كلها عشرة من عشرة إلا السلوك والأخلاق، فقد كانت تسعاً من عشرة، أي أنني بلا أخلاق!

    ولكن إن عرفتم سببها، أدركتم أنها لم تكن وصمة عار بل وسام فخار. السبب أن فرنسا عزلت الجنرال غورو، وعينت مكانه الجنرال ويغان، الذي صار من بعد القائد العام لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وأمرت الحكومة بأن تخرج المدارس كلها بمعلميها وتلاميذها لاستقباله.

    أتدرون ما الذي كان؟ أنا أرويه بلا تزيد ولا مبالغة، أرويه وأنا أعجب والله منه، الذي كان أني ألقيت خطبة حماسية بصوت سمعه كل من في المدرسة، وسمعه جيرانها، ومن كان في المسجد أمامها، قلت فيها: بأن الفرنسيين أعداء ديننا ووطننا، وأنه لا يجوز أن نخرج لاستقبال زعيمهم... لست أذكر الآن ما قلت، ولعله كان فيها أخطاء وكان فيها لحن، فقد كانت أول خطبة لي، وكنت في الرابعة عشرة من عمري، في السنة السادسة الابتدائية. ولكن يظهر من آثارها أنها كانت خارجة من القلب، لأن التلاميذ جميعاً، ولأن نصف المعلمين، رفضوا حضور الاستقبال.

    فعوقبت بالتكدير وكسر علامة الأخلاق والسلوك، وكانت هذه هي الخطوة الأولى التي صعدت بها المنابر.

     

    في ثانوية مكتب عنبر، ومرحلة خصبة وهامة في حياتي:

    لقد وصلت الآن إلى المرحلة التي كان لها أعمق الأثر في نفسي، وفي فكري وفي سلوكي، مرحلة (مكتب عنبر)، أحفل مرحلة بالأحداث الخاصة في حياتي، والأحداث العامة في بلدي، فيها لقيت أساتذة وقرأت كُتباً، كان لها ولهم أثر في دنياي وفي آخرتي، وفيها أكبر منعطف في طريق عمري وهو موت أبي، وفيها واجهت الحياة وأنا لم أستعد لمواجهتها، فعملت معلماً واشتغلت أجيراً، وحاولت أن أكون تاجراً، ثم تداركتني رحمة الله فعدتُ إلى ما خُلقت له وهو العلم والأدب.

    كان أولُ درس حضرناه في مكتب عنبر للشيخ عبد الرحمن سلام، فاستقبلنا رحمه الله بخطبة رنانة أعلن فيها أنه غدا ذلك اليوم مُدرساً للغة العربية حقاً، ذلك أن من كان قبلنا قد درسوا في العهد التركي، فنشأوا على ضعفٍ بالعربية، ومن كانوا معنا درس أكثرهم في العهد العربي، فكانوا أقوى ملكة، وأقومُ لساناً.

    رحمة الله على الشيخ سلام، فلقد كان نادرة الدنيا، في طلاقة اللسان وفي جلاء البيان. أقام معنا أشهراً ثم عاد إلى بلده، فعُيّن أميناً للفتوى في لبنان، وجاءنا من بعده الأستاذ سليم الجندي ولما أصدرت أول كتاب لي سنة 1930 وهو (الهيثميات) أهديته إلى روح المنفلوطي، سيد كُتّاب العصر، وإلى عَلَميّ العربية: الجندي، والمبارك.

    أما المبارك فقد كان الإمام في اللغة، والمرجع فيها، أما درسه، فما حضرت، على كثرة ما حضرت من الدروس، درساً أكثر منه حياة، وأبقى في نفس سامعه أثراً، إن نغمته لا تزال إلى اليوم في أُذني وكلماته في قلبي.

    ولطالما دلنا على كتب، قرأتها وانتفعت بها، وهي رأس مالي في العلم والأدب ولولاه ما سمعت بها.

    لقد كنا نُقلد لهجته ونحكي صوته، حتى صارت هي لهجتي في التدريس وأنا لا أدري. لما كنت أُدرّسُ في بغداد، أُقيمت حفلة سمر فسأل الطلاب مدرسيهم: هل يأذنون لهم أن يقلدوهم؟

    فكان منهم من أذن ومنهم من أبى، وكنت فيمن أذن، فقام طالب يُقلدني بزعمه، ولكنه قلّد الشيخ المبارك.

    فقلتُ ويحك هذا شيخنا المبارك. وإذ بالطلاب يصيحون من الأركان الأربعة: بل هذا أنت، هذا أنت.

    أما الجندي فكان من أعلم علماء العربية في هذا العصر، وكان واحداً من علماء العربية الأولين، ولكنه ضل طريقه في بيداء الزمان فجاء في القرن الرابع عشر لا في القرن الرابع.

    جزى الله عني الشيخين المبارك والجندي خيراً، وجزى الخير كل من علمني قبلهما أو بعدهما، فمنهما أخذت جل بضاعتي في العربية.

    شغلي الدائم المطالعة:

    لما وردت (مكتب عنبر) كنت أحمل مع الشهادة الابتدائية في يدي، ذخيرة من المعلومات في رأسي، لا يقوى على حمل أكثر منها، فتى في سنيّ. وما ألزمتني المدرسة بها، ولا حصلتها فيها، بل جمعتها أو جمعت أكثرها وحدي من خارجها.

    لقد قرأتُ قبل (مكتب عنبر) وفي سنواتي الأولى كتباً لا أكون مبالغاً، ولا مدعيّاً مغروراً، إن قلت إن في الأساتذة اليوم من لم يقرأها، ذلك أني كنت أمضي وقتي كله إلا ساعات المدرسة، في الدار. وكانت في دارنا مكتبة كبيرة، وهي دانية مني، كُتبها كلها تحت يدي، ولم أكن (لشغل أبي عني) أجدُ من يرشدني ويدلني، لذلك كنت أسحب الكتاب لا أدري ما هو، فأفتحه فأنظر ما فيه، فإن لم أفهمه، أو فهمته ولكن ما أسغته، أعدته، وقد عَلِقَ في ذهني اسمه، وإن فهمته وأسغته قرأته.

    وكان أول ما قرأت كتاب (الحيوان للدميري)، وهو كتابٌ عجيب فيه فقه، بل هو أقربُ لمعرفة الحكم الشرعي في الحيوان الذي يؤكل لحمه والذي لا يؤكل، وفيه تاريخ، وفيه فوائد، وفيه خرافات، ثم قرأت (المستطرف) و(الكشكول) وهما من أدب عصور الانحطاط والتأخر، ثم وقعت يدي على (الأغاني) لأبي الفرج، فعلقت به، وقرأتُ أكثر أجزائه، لا أزعم أني فهمت كل ما فيه، بل أقول: إن الذي فهمته منه نُقش على صفحة ذهني.

    ونظرت على مدى سنين، في أكثر كتب اللغة والأدب التي كانت مطبوعة في تلك الأيام. جئت (مكتب عنبر) ومعي هذه الذخيرة، ومعي أيضاً ما أُلزمت حفظه من المتون: ألفية ابن مالك، والجوهر المكنون، وكفاية الغلام، والجوهرة وغيرها. وأقولُ آسفاً إني نسيتها كلها...

    ومعي حصيلة ما كنت أسمعه من أبي ومن أصدقائه وتلاميذه في مجلسه ومجالس إخوانه التي يأخذني معه إليها من الفوائد والفرائد

    فأنا اليوم، وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر، أمضي يومي أكثره في الدار أقرأ، وربما مرّ عليّ يومٌ أقرأ فيه ثلاثمئة صفحة. ومعدل قراءتي مئة صفحة، من سنة 1340 إلى هذه السنة 1402هـ..

    صفحةٌ جديدة في سِفْرُ حياتي:

    دخل علينا شعبان 1343، ونحن في الدار الثالثة التي استأجرها والدي في الصالحية، وكانت من الدور الواسعة، فيها غُرفٌ كثيرة ولها (إيوان) وطبقة عالية لقضاء الشتاء. وكنا نستعد لرمضان، لأن الضيوف يزدادون في رمضان، ونحن لا نكاد نخلو منهم سائر أيام السنة، وقلّما كان والدي يأكل وحده لا في الفطور ولا في العشاء. وكانت الدار مفروشة فرشاً دون فرش الأغنياء، ولكنه فوق فرش الأوساط من أمثالنا، والخيرُ كثير والمؤونة والفاكهة و(النقل) لا تأتي إلا بالأكياس أو الصناديق.

    وما مضت من شعبان إلا أيام حتى مرض أبي، وكان ضعيف الجسد، وما كان في دارنا تلك على سعتها غرفة تملؤها الشمس، وهو محتاجٌ في مرضه إليها، فجاء أحد تلاميذه فأخذه إلى داره يُمرضه فيها. وفي عشرين من شعبان سنة 1343 مات أبي.

    كلكم يعرف معنى كلمة (مات)، أما جملة (مات أبي)، فلا تعرفون ماذا كان معناها عندي. كان معناها أن هذه الدار الفسيحة لم تعد دارنا. أن هذا الفرش كله وكل ما في الدار لم يعد من حقنا، ذلك لن تركة أبي كانت رقماً كبيراً كان يُعدّ في ذلك اليوم ثروة، ولكنه رقمٌ علينا لا لنا، إنه رقم الديون التي كانت عليه، لا المال الذي له. كان رحمه الله يستدين ليوسع على عياله، ويوفي كل ديونه، ما كان يظن، ولا نحن نظن، أنه سيموتُ شاباً، لم يجاوز عمره ستاً وأرعين سنة.

    كنت في أول السنة السابعة عشرة من عمري، ولكن لا مال لي ورثته ولا مورد لي أُنفق منه وأنا أكبر إخوتي، أما عماي فما كانا رحمهما الله ممن يمد يده إلى كيسه يخرج منه ما يقدمه إلينا. استأجر لنا عمي الأصغر داراً، لا بل دويرة، واستخرج لأبي معاشاً تقاعدياً، كان ضئيلاً، لأن مدة خدمته لم تكن طويلة، وتولى بيع كل ما كان في الدار من فرش وأثاث، ولم يبق إلا المكتبة فقد وقفت دونها.

    وانقطعنا عن الناس، أعني أن الناس انقطعوا عنا، الذين كانوا كل يوم في زيارتنا، والذين كانوا يمضون شطر نهارهم في دارنا.

    كنت أخطر على الشاطئ، أتفرجُ على موج البحر، فرُميت في مائه وأنا لا أُحسن السباحة.

    السفر إلى مصر:

    جاء كتابٌ من خالي محب الدين يخطب أختي لشريكه عبد الفتاح قتلان فوافقت هي ووافقنا، ودعاني أن أذهب بها إلى مصر.

    إنكم لا تدرون ماذا أثارت هذه الدعوة في نفسي من مشاعر، وفي ذهني من خواطر.

    كانت مصر في أذهاننا يومئذ دنيا مسحورة فيها العجائب، وكل مرغوب فيها يأتينا منها، المجلات والصحف، الحركات الفكرية والوطنية تنبثق منها، الرجال الذين نقرأ لهم، والشعراء الذين نحفظ شعرهم منها.

    كانت سفرتي إلى مصر سنة 1928 أكبر حدث لي في شبابي ترك أعمق الآثار في نفسي وفي فكري وفي سلوكي، ولكن الخسارة التي لا تعوض أني لم أدونها في حينها.

    لما كان مساء اليوم الأول من أيامي في مصر، أخذوني في جولة في حديقة الأزبكية، ودخلنا إلى زاوية منها كانت مقهى ومسرحاً، فلما وصلتُ إليها أحسستُ كأني أدخل ماخوراً، أو كأني العذراء تلج دار الفواحش، وفررتُ مذعوراً.

    قالوا مالك؟ قلت: قهوة؟ أنا أقعدُ في قهوة؟

    كانت القهوة عندي في منطقة الممنوعات، أفترون هذا صواباً؟ لقد عرفت بعد حين أنه كان بعيداً عن الصواب.

    أقمت في مصر أقل من شهرين، ولكني استفدت منها فوائد لا تنال في سنتين... عرفت في السلفية جلة من رجال العلم والأدب، أحمد تيمور باشا الذي كان في سمو خلقه وسهولة طبعه، وفي تواضعه على رفعة قدره مثلاً للناس، وممن لقيت أيضاً مصطفى صادق الرافعي، وكان من يُكلمه يكتب له الجملة فيقرؤها لأنه لا يسمعُ أبداً.

    ومما استفدت في مصر أن قوي فيها قلمي، وانتقلت من الأسلوب الحماسي المحشو بالمبالغات والجمل التي لها دوي، إلى أسلوب هو أقربُ إلى الرصانة وتجلى ذلك في باب التعريف بالكتب في مجلة "الزهراء". ومما استفدته تبدل طريقتي في الخطابة، من الحماسة والصراخ وكثرة الإشارات، إلى الحديث الهادئ.

    وكان أكثرُ ما اهتممت به لما عدت إلى دمشق وسعيتُ إلى الدلالة عليه، ووفقت والحمد لله في نقله من حيز القول إلى حيز العمل، هو إنشاء الجمعيات الإسلامية، واتحادات الطلاب، وكلاهما لم يكن معروفاً في الشام.

    عدت وكانت السنة الدراسية في بدايتها، وكان فيه شعبتان: شعبة الرياضيات، وشعبة للفلسفة، فانتسبتُ إلى الفلسفة بلا تردد، وأقرُّ الآن بعد تخرجي فيها بثلاث وخمسين سنة أنها جددت فكري، ووسعت أُفقي، وتركت في نفسي أثراً عميقاً لا يمحى، ولكنها خطرة جداً، لولا أن الله سلمني منها، وأنه بفضله جعل عندي ذخيرة من سالف دراستي وفيرة من علوم الدين، وأساساً راسخاً من الإيمان،

    عودة إلى مصر:

    لما انتهت السنة الدراسية عدتُ إلى مصر، ناوياً الإقامة فيها، وقدمت أوراقي إلى الجامعة، وقابلت الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب، والدكتور عبد الوهاب عزام، فكان اللقاء الوحيد مع الأول، وكان اللقاء مع الثاني بداية مودة وصداقة ومحبة استمرت حتى توفاه الله.

    اخترت الجامعة ولكن الله ما اختارها لي، فقد كان خالي محب الدين على رأس من يرد على طه حسين كتابه (في الشعر الجاهلي)، وكانت (المطبعة السلفية) مركز الحملة عليه، فدخلت دار العلوم العليا، وليس عندي شيء مكتوب يُذكرني بأيامها، ومما أذكره أنهم أرادوا أن يؤلفوا فرقة للتمثيل، فجاؤونا بشاب له اسمه غريب، أعد عبارات جعل يختبر بها الطلاب، ليرى من يُحسن منهم الإلقاء ومن يصلح منهم للتمثيل، فلما وصل الدور إليّ، دهش ودهش الطلاب جميعاً، والتفتوا إلي بعد أن كانوا لا يحسون بوجودي، وصار هذا (الجدع الشامي) مضرب المثل في إجادة الإلقاء، والمقدرة على التمثيل...

    أصبحتُ يوماً فإذا خاطرٌ قويّ لم أملك له دفعاً يدفعني لترك دار العلوم، ونادي التمثيل فيها، والعودة إلى دمشق وكان هذا الخاطر هو الموجة التي حولت زورقي، إلى ما هو خيرٌ لي، فاللهم لك الحمد.

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:556
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:310
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك