• عن وراق
  • فريق العمل
  • الكتب
  • طرق المتابعة
  • حدثهم عنا
  • راسلنا
  • على الآي تونز


  • تاريخ النشر: 11-09-2017
  • المؤلف: جعفر شيخ إدريس
  • الناشر: مركز البيان للبحوث والدراسات
  • عدد الصفحات:191
  • عدد الاستماع للحلقة: 74
  • لماذا هذا البحث؟ ولماذا هذه النقاشات مع أن الملحدين في العالم قلة قليلة من الناس؟ لأن هؤلاء الملحدين وإن كانوا قلة إلا أنهم قلة مؤثرة، والعبرة في الأفكار ليست بكثرة عدد من يعتنقها ويُدافع عنها ولكن بعدد من يتأثر بهم، ولو تأثراً جُزئياً. ولأن ..
    16
    مايو
  • 93: الخطاب الوعظي
  • كتب في: 16-05-2017
  • المؤلف: د. عبد الله السفياني
  • الناشر: مركز إنماء للبحوث والدراسات
  • عدد الصفحات:351
  • الخطاب الوعظي لا يخفى على ذي بصيرة أهميته ومشروعيته؛ لأنه هو خطاب التذكير يسيرُ جنباً إلى جنب مع خطاب الفكر والإبداع، (يعظكم لعلكم تذكرون)، مهمته أن يُعيد إلى القلوب جذوتها، وإلى البصائر رؤيتها، ويربط الدنيا بالآخرة. ولأنه على هذا القدر من المشروعية والمكانة فقد عُني به بعض أهل العلم تصنيفاً وتأليفاً، وحاولوا جهدهم أن ينقوه مما يلحق به من المتطفلين والمحسوبين، أو من المجتهدين المتحمسين، وما هذه الدراسة إلا محاولة لإكمال المسيرة واقتفاء الأثر. على أننا راعينا اختلاف الزمان وسياقات العصر وتغير المجتمعات؛ لأنها مُعتبرة أشدُ الاعتبار في خطاب الفقه والفتوى، وهي كذلك على قدرها وعلو شأنها في خطاب الوعظ.   لماذا الخطاب الوعظي؟ إن اختيار الخطاب الوعظي مجالاً لدراسة ناقدة يرجع إ

    الخطاب الوعظي لا يخفى على ذي بصيرة أهميته ومشروعيته؛ لأنه هو خطاب التذكير يسيرُ جنباً إلى جنب مع خطاب الفكر والإبداع، (يعظكم لعلكم تذكرون)، مهمته أن يُعيد إلى القلوب جذوتها، وإلى البصائر رؤيتها، ويربط الدنيا بالآخرة.

    ولأنه على هذا القدر من المشروعية والمكانة فقد عُني به بعض أهل العلم تصنيفاً وتأليفاً، وحاولوا جهدهم أن ينقوه مما يلحق به من المتطفلين والمحسوبين، أو من المجتهدين المتحمسين، وما هذه الدراسة إلا محاولة لإكمال المسيرة واقتفاء الأثر.

    على أننا راعينا اختلاف الزمان وسياقات العصر وتغير المجتمعات؛ لأنها مُعتبرة أشدُ الاعتبار في خطاب الفقه والفتوى، وهي كذلك على قدرها وعلو شأنها في خطاب الوعظ.

     

    لماذا الخطاب الوعظي؟

    إن اختيار الخطاب الوعظي مجالاً لدراسة ناقدة يرجع إلى عدة أسباب من أهمها:

    1. لأن كان الخطاب الإسلامي (الفقهي / العقدي / الأخلاقي / السياسي) وغيره بحاجة إلى مراجعة نقدية، فإن الخطاب الوعظي أشدها حاجة لهذه المراجعة والقراءة، ذلك لأن كثيراً من الخطابات الدينية الأخرى كان لها قدرٌ لا بأس به من التطوير والنقد عبر تاريخها وفي العصر الراهن.

    بيد أن الخطاب الوعظي لم يحظَ بهذه المراجعات في هذا العصر بالقدر الكافي.

    2. من الأسباب المهمة الداعية إلى مراجعة الخطاب الوعظي وتصحيحه هو كثرته الكاثرة مقارنة بغيره من الخطابات الشرعية، فهو خطابٌ يُطالعك في المساجد والمنازل والمؤسسات والقنوات الفضائية والمواقع الشبكية وشبكات التواصل الاجتماعي، وفي كثير من الأحيان تكون الكثرة على حساب الكيف.

    3. الكثرة التي أشرنا إليها سابقاً يُصاحبها غياب العقلية النقدية العلمية المستقبِلة، إذ الكثير من الجماهير لديها موثوقية عالية في الخطاب الديني، خاصة إذا نُسب إلى رمز من الرموز، هذا الغياب للعقلية الناقدة بسبب غياب ثقافة النقد والاعتماد على القبول المطلق أو الرفض المطلق، فتح المجال للانتشار الذاتي للخطاب الوعظي دون تمحيص وتثبت.

     

    لماذا ينتقصون الوعظ؟

    المُطلع على الكتابات حول الوعظ يجدها تقع في ثلاث مناطق طرفان ووسط، وأول هذه المناطق هي تلك التي ترفع من مكانة الوعظ إلى مرتبة عالية جداً وتريد من الخطاب الديني أن يكونَ خطاباً وعظيّاً!

    وأُخرى تتطرف في المقابل تحط من شأنه وتُزري به، وإن أرادت أن تنظر إليه بعين الاعتبار قالت هو خطابُ العامة!

    الطرف الأول بالغوا جداً مُعتبرين أن الوعظ ينبغي أن يكون هو الخطاب السائد ودعاهم إلى ذلك مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، واعتبارهم أن القرآن كله وعظ مستندين إلى قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آياتٍ مبيناتٍ ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) وفهموا منها أن القرآن كله من الوعظ الذين يدعون إليه!

    والطرف الآخر النقيض انتقصوا الوعظ واعتبروه خطاباً هامشياً لا وزن له، ومن هؤلاء بعض المتفلسفة والمفكرين، واحتقارهم للوعظ ليس وليد الساعة بل منهم فئة منذ القدم ينظرون للخطاب الخطابي والبياني بانتقاص، حتى اعتبر بعضُ الفلاسفة القرآن من هذا القبيل، لذلك فهو لا يصلح إلا للعوام يُخاطب مشاعرهم وقلوبهم، ولا يصلح لأن يكون خطاباً لأرباب العقول والحكمةِ زعموا!

    وبين الطرفين وسطٌ يرى أن الوعظ خطابٌ دينيّ له سياقه المهم في الدعوة إلى الله، والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروطاً بشروطه التي تُقربه من منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولكنهم لا يرون الخطاب الوعظي هو الدين كله ولا يعتبرون القرآن وعظاً كله، بل يرون أن الشريعة والوحي خاطبا الوجدان والقلوب بخطاب الوعظ حثاً وتحذيراً وأمراً ونهياً، وخاطبا العقول بالبيان والحجة والبرهان، فلا غنى عن هذا وهذا.

    فالوعظ خطابٌ تذكيريّ مهمته أن يُذكّر لا أن يؤسس.

    إن الذين حطوا من شأن الوعظ هم بعض الفلاسفة والمفكرين قديماً وحديثاً، وبلغ بأصحاب الفلسفة الحد الذي اعتبروا فيه القرآن خطابُ العامة؛ لأنه يُناسب مستواهم وفيه من الأمثال ما يُقرب لهم الحقائق الفلسفية العقلية التي لا يدركها إلا هم ومن أوتي صناعتهم، فهو خطابٌ قائم على التخييل والبيان.

    بل تعدى ذلك إلى قولهم إن النبي خاطب الناس بالتخييل ليُقرب المعاني لهم، وأنه لم يكن يُدركها ولا يُدركها إلا أهلُ الفلسفة والطريقة البرهانية.

    وإذا كان هذا هو موقف بعضهم من القرآن ومن نبيه عليه الصلاة والسلام فكيف بمن هو دونه؟ فالفلاسفة يُعاني بعضهم من هذا التضخم الهائل في تقييمهم لذواتهم وما يصدر عنهم من فلسفة ومن نظرة دونية لغيرهم باعتبارهم النخبة المصطفاه من المجتمع.

    ولا زالت نزعة الأنا ممتدة بهم إلى وقتنا الحاضر فتجد بعضاً من كتابات الذين يتعاطون الطرح الفكري والفلسفي لا تخلو من همزٍ ولمز للوعظ والوعاظ، بل للثقافة الإسلامية والعربية التي يعدونها ثقافة وعظ عاطفي، لا تُقدم للعقل ما يُثريه ويُفجر طاقاته!

    إننا هنا لا نريد أن ننتقل كخصوم للفلاسفة والمفكرين بسبب موقف بعضهم من الوعظ فالفلاسفة والمفكرون لهم موقعهم الكبير على خارطة الثقافة ولا يمكن لردات الأفعال أن تجعلنا نبخسهم حقهم إطلاقاً!

    وما يهم هنا هو التأكيد على أن النظرة التي نجدها عند بعض من يُسمَون بالنخبة المثقفة نظرة دونية قد يكون سببها نفسي استعلائي، وساهم فيها بعض الأخطاء التي يقعُ فيها الوعاظ.

    إن خطاب الوعظ خطابٌ يؤثر في العامة ويستجيبون له باعتباره الأقربُ إلى أفهامهم وأذواقهم، وعلى أهل الثقافة أن يتطامنوا قليلاً وينظروا إلى دواخلهم الروحية وحاجتها إلى ما يُحرك إنسانيتها، ويُثير مشاعرها أمام هذا الجمود المعرفيّ الصامت!

    هدف الوعظ:

    يُعدّ التأثير أبرزَ سمات الخطاب الوعظي، ولكنه ليس الهدف الغائيّ للوعظ، وإنما يتوسل به لهدف أكبر.

    ونشير هنا إلى أن التأثير يكون عادة على مستويين:

    المستوى الأول: التأثير الآني اللحظي الذي تُحدثه الموعظة في النفس من اهتزاز وما يقع من تأثرٍ ولين.

    المستوى الثاني: تأثير بعيد المدى ويُقصد به إحداث تغيير في سلوك المخاطبين، ونقلهم من دائرة المعصية إلى دائرة التوبة، وتعديل الأخطاء في المجتمعات.

    أما المستوى الأول فهو وإن كان مطلوباً بل صار سمة يتميز بها الخطاب الوعظي، إلا أنه ليس الهدف الغائي، بل هو هدف مرحليّ قد يتحول إلى وسيلة من أجل الهدف الأكبر للوعظ.

    وليس من الخطأ أن هذا التأثير لحظيٌّ أو وقتي، فهو خاضع للطبيعة البشرية التي تتميز بطابعين طابع التذكر والانتباه وطابع النسيان والغفلة، وعليه ليس صحيحاً ما يُعيب به بعض النُقاد الخطاب الوعظيّ بأنه خطاب عاطفيّ لحظيٌّ لا يدوم أثره، وإنما الخطأ الذي نود الإشارة إليه أن يتحول التأثير إلى هدف غائي للوعظ يسعى الواعظ إلى تحقيقه بأي أسلوبٍكان من أجل أن يستدر عواطف الناس ويُرقق قلوبهم ويذرف دموعهم؛ ولأجل هذا تجد بعضهم يتكلف في الصوت والأداء بما يخرج عن المعتاد والمقبول؛ وربما افتعل القصص المؤثرة وبالغ في الأوصاف بما يُخرجه عن حد الصدق!

    إن التأثر نتيجة طبيعية للوعظ المسترشد بالوحي، ينتج عن المضامين الشرعية القائمة على الترغيب والترهيب، وعن البيان البلاغيّ المتميز، وما عدا ذلك من الأساليب والمضامين غير المشروعة فهو خروج بالوعظ عن سبيله القويم.

    وليس من شرط التأثير أن تذرف عيون المستمعين أو القُرّاء، إذ قد يكون التأثير داخليّ في أعماق النفس تشعرُ به ولا تراه.

    وعليه فإن الهدف الذي يُراد للوعظ أن يُحققه هو تعميق الإيمان في نفوس الناس إلى الحق والخير وصرفهم عن الضلال والشر.

    مواقف السلف من الوعظ:

    فكرة القص والوعظ فكرةٌ طارئة وحادثة على المجتمع الإسلامي بمعنى أنه لم يكن هناك مجالسٌ للوعظ وأُناسٌ مختصون في ذلك مهمتهم الوعظ والقص، وهذا لا ينفي أن النبي عليه الصلاة والسلام وعظ وذكر وكذلك كِبار الصحابة، ولكنه لم يكن في مجالس خاصة أو على الهيئة التي أُحدثت بعد ذلك.

    ولذلك فإننا نجد بعضُ السلف من الصحابة ومن بعدهم وقف موقفاً مانعاً للقص وكان أكبرَ مُستنداً لهم في هذا الموقف أنه بدعة لم يفعلها الرسول عليه الصلاة والسلام ولا الخلفاء الراشدون، قال ابن عمر رضي الله عنهما: "لم يُقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبي بكر ولا عمر، ولكنه شيء أحدثوه بعد عثمان".

    ويرصد ابن الجوزي في كتاب القصص والمُذكرين الأسباب التي جعلت بعض السلف يكره القصص ويُحذر منها فذكر ستة أسباب هي:

    1. أن القوم كانوا على الاقتداء والاتباع، فكانوا إذا رأوا ما لم يكن على عهد رسول الله أنكروه.

    2. أن القصص لأخبار المتقدمين تندر صحتها.

    3. أن التشاغل بذلك يُشغل عن المهم من قراءة القرآن، ورواية الحديث والتفقه في الدين.

    4. أن في القرآن وفي السنة من العِظة ما يكفي عن غيره.

    5. أن أقواماً ممن يُدخِل في الدين ما ليس منه قصوا فأدخلوا في قصصهم ما يُفسد قلوب العوام.

    6. أن عموم القصص لا يتحرون الصواب ولا يحترزون من الخطأ؛ لقلة علمهم وتقواهم.

    لكنه يُعلق بعد ذكر هذه الأسباب قائلاً: "فلهذا كَرِه القصص من كرهه، فأما إذا وعظ العالِم، وقصّ من يعرف الصحيح من الفاسد؛ فلا كراهة".

    وأمام هذا الموقف لبعض السلف موقفٌ آخر هو ذلك الموقف الذي لا يرى بأساً بالوعظ والقص ولكنه يشترط فيه شروطاً لعل من أهمها الصدق كما قال أحمد رحمه الله: "ما أحوج الناس إلى قاصٍ صدوق".

    الوعظ والسلطة:

    ما علاقة الوعظ بالسلطة؟ وهل ينبغي على الواعظ أن يكون خطابه موالياً للسلطة أو ثائراً عليها؟ وهل كان للوعظ دوراً في تمجيد السلطة وتشييد بنيانها؟

    كان الوعظ وما يزال في كثير من ممارساته خطاباً دينياً بالدرجة الأولى، وهدفه الديني هو الذي يطغى عليه بغض النظر عن ما يمكن أن نرصده من ملاحظات نقدية.

    ومع هذا فإن ذلك لا يعني أن السلطة لم يكن لها وعاظ يُسبحون بحمدها، ويخطبون من أجلها ويباركون توجهها بدافعٍ منها، ولا غرابة في ذلك إذ ليس الوعظ هو الذي ينفردُ بهذا فالفقهاء والمفكرون والفلاسفة والمثقفون كذلك كان منهم مرتزقة في كل ثقافات العالم، وذلك لا يجعلنا نلقي بكل هذه الخطابات في سلة السلطة بجرة قلم.

    وأمام هذه القضية هناك من يُريد من الواعظ أن يكونَ ثائراً في وجه السلطة، ويُطابق بينه وبين مفهوم المثقف ودوره عند إدوارد سعيد في كتابه المثقف والسلطة، وهو دور يطلب من المثقف أن يكونَ ثائراً وعصيّاً على الاستقطاب من الحكومات والمؤسسات...الخ.

    وهذا القول ليس فيه إدراك تام لطبيعة الخطاب الوعظي، فالوعظ ليس ميدانه الصراع والمعترك السياسي، بل حين يدخل في هذا الميدان سواء كان في صف السلطة أو ضدها يُصبح خطاباً مشوهاً، تُستخدم فيه نصوص الدين وزواجره في ساحة لا تتعلق بمضامينه التي قام عليها.

    إن السلطة ونقدها هو شأن المثقف والعالِم والفقيه والمُفكر بالدرجة الأولى، أما الواعظ فهو في فلك آخر يربط هؤلاء جميعاً تذكيراً بالله تعالى ترغيباً وترهيباً، وهذا لا يعني أن يُهمل الواعظ عمداً أو دون عمد الخطايا التي تقع فيها السلطة والناس جميعاً من الظلم والبطش والقهر، لكنه ينظر إليها من منظورٍ وعظيّ دينيّ وليس من منظورٍ حزبيّ سياسيّ.

    من أساليب الخطاب الوعظيّ:

    التخول والتحول: في الصحيحين عن أبي وائل قال: كان عبد الله ابن مسعود يُذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددتُ أنك ذكرتنا كل يوم، قال: إما أنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أّمِلّكم، وإني أتخوّلكم بالموعظة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.

    ومعنى يتخولنا: أي يتعهدنا بالموعظة ويراعي الأوقات في تعليمنا ووعظنا ولا يفعله كل يوم خشية الملل.

    ومن هذا اللفظ يمكن أن نخرج بأسلوبٍ متزن من حيث اعتبار الأمور التالية:

    1. عدم تكرار الوعظ والإكثار منه على الناس لأنه مدعاة للملل والسآمة.

    2. اختيار الأوقات المناسبة التي يتقبل فيها الناس الكلام وأخذ ذلك بعين الاعتبار، خلافاً لما يفعله بعض الوعاظ المتحمسين من الوعظ في كل وقت تسنح لهم فرصة التحدث فيه، دون مراعاة للحال والمقام ومناسبته.

    3. عدم الإطالة في الموعظة فمن التحول بالحاء المهملة مراقبة حال الناس ومدى إقبالهم للوعظ واستفادتهم من الخطاب، والتطويل في الوعظ فيه مع إملال الناس، تبغيض لهم في الخير وأهله كما قال عمر رضي الله عنه: "يا أيها الناس: لا تبغضوا الله إلى عباده! قالوا: وكيف ذاك أصلحك الله؟ قال: يكون أحدكم إماماً فيطوّل على القوم حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقعد أحدكم قاصاً فيطوّل على القوم حتى يبغض إليهم ما هم فيه".

    وهذا الملحظ المهم الذي وعاه علماء السلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو موافق تمام الموافقة للفطرة التي خُلق الناسُ عليها من التعب والإرهاق وفقدان الانتباه مع الإطالة؛ ولذلك كان النبي لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات، كما يصفها جابر بن سمرة رضي الله عنه.

    وهذا ما لا نراه الآن إلا نادراً فإن بعض الوعاظ إذا أخذ في خطبته وموعظته نسيّ نفسه وجمهوره وشرّق وغرّب، وبعضهم ربما وعد المصلين والسامعين بأن موعظته لن تتجاوز الخمس دقائق، ثم ينسى وعده ونفسه فيُوقع نفسه في الحرج والموعوظين في الملالة والسأم، ظناً منه أن ذلك من الخير الذي لا يفوّت.

    التائبون الجُدد: الدعوة إلى الله وتبليغ الدين ليست حكراً خاصاً على أحد من الناس، فللتائبين وغيرهم أن يُبلغوا ويدعوا إلى الله ما داموا مؤهلين لذلك علماً ومعرفة.

    الإشكالية التي نود ان نُشير إليها هنا هي الزجّ ببعضهم في الوعظ والتذكير دون أن يكون عندهم من العلم الشرعيّ والحكمة ما يؤهلهم لهذه المهمة، ظناً منهم أن الوعظ بابٌ مفتوح يلج منه كل أحد.

    وفي كثير من الأحيان يستشهد بعض المتحمسين لهذه الفكرة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية". واستشهادهم بهذا الحديث في غيرِ محله؛ لأن البلاغ عن الله ونبيه على نوعين:

    -          بلاغٌ بما قال الله وقاله رسوله.

    -          بلاغٌ عن مُراد الله ورسوله.

    والحديثُ شاملٌ للأمرينِ معاً، والأولُ منهما المطلوب فيه البلاغ بكلام الله وكلام رسوله لأنه هو الذي يصدق عليه لفظ (الآية)، أما النوع الثاني: فيحتاج المُبلغ له أن يكون على علم وفهم وإدراك بمعرفة مراد الله ورسوله؛ لأن نسبته إلى الله ورسوله بغير علم ونقله إلى الناس هو من القول على الله بغير علم.

    وما يقومُ به التائبون الجدد في وعظهم لا يقتصرُ على نقل الآيات والأحاديث بل هو من كلامهم وحديثهم وقصصهم وأخبارهم وقد يقعون في محاذير منها:

    -          الحديث في أمور الشرع والوعد والوعيد دون علم، وقد يأخذ بعض الناس حديثهم على أنه حقيقة وشرع وفي هذا تحريف وتشويه للدين.

    -          يعمد بعضهم إلى نقل تجاربه وقصصه مع الذنوب التي كان يمارسها، وربما استغرق وفصّل فيها وفي كيفية وقوعها ويتحول الوعظ إلى ما يُشبه المجاهرة، بل قد يستفيد ضعفاء النفوس من حديثه عن هذه الذنوب فيستفيد مما فيها من الحيل والجرأة، أو قد تدله على معصية وطريقة كان غافلاً عنها!

    -          يتحول بعضهم رغم قُرب عودته وتوبته إلى مستشار يُقدم للشباب استشارات نفسية وتربوية في التعامل، خاصة ما يتعلق بمشكلات المخدرات وفي بعضها ضررٌ على الشباب لأنها صادرة من غير أهلها، وهو وإن كان يدرك بعض هذه المشكلات وطرائقها، لكنه ليس مؤهلاً تربوياً وعلمياً لكيفية التعامل معها بالطريقة المثلى.

     

    الوعظ والشبكات الاجتماعية: منذ بداية هذه الشبكات وتعرّف الناس عليها كان الخطاب الديني من أهم الفاعلين فيها على اختلاف أنواعه، ومن بين أهم الفاعلين فيها "الخطاب الوعظيّ".

    وتتميز هذه الشبكات بـ:

    -          سرعة انتقال المعلومة ووصولها لقطاع عريض دون اعتراض أو حد من انتشارها.

    -          سرعة التفاعل مع المعلومة أو الحدث والتعليق عليه.

    -          حرية المشاركة وإبداء الرأي والتعليق من أطياف وفئات المجتمع.

    وفي مثل هذه الأجواء يصبح جميع مستخدميها متساوين في أمرين:

    -          تحرير المحتوى ونشره دون قيد إلا القيود الذاتية.

    -          نقد المحتوى مهما كان مصدره.

    وبسبب هذا التساوي في النشر والنقد كانت شرائح كبيرة من النخب التي شاركت فيها محل نقد قوي وشديد، وقد نجح بعض النخب في التفاعل الإيجابي مع هذه الشبكات وشعبويتها وأخفق كثيرٌ منهم وسقط في فخ المحتوى الجديد، حين تعامل معها بالطريقة الكلاسيكية السائدة قديماً.

    ولقد كان للأسماء البارزة في الوعظ حضورٌ مشاهدٌ وكبير فيها خاصة (تويتر).

    والمتابع للمضمون الوعظيّ الذي يبثه هؤلاء عبر الشبكة يجده يتراوح بين مضمون قديم وهو ما يخص الحث على الخير والتحذير من الشر والتذكير بالله والدار الآخرة بعيداً عن القضايا المعاصرة، وبين موضوعات ساخنة تدخل في إشكالات الفتوى والتحليل السياسيّ، أو بعض المشكلات الاجتماعية.

    وبعض مشاركات الخطاب الوعظي تتسم أحياناً بالعجلة وعدم التريث والتثبت خاصة في نشر بعض الأخبار أو القصص التي لا تصح، مما أوقع بعضهم في حرج مع الخطاب النقدي المضاد الذي يكشف زيفها في لحظاتٍ يسيرة.

    ومن أبرز ما يمكن تسجيله من ملحوظات تحتاج إلى تدارك في الخطاب الوعظي الشبكي التواصلي ما يلي:

    -          عدم التثبت في نقل الخبر أو المعلومة او التهويل منها والمبالغة فيها.

    -          الجرأة على مقام الفتيا بدون علم وبدون تقدير لمآلات الخطاب، ومعرفة نفسيات وتقبل الجماهير وردات أفعالهم.

    -          اتجاه بعضهم نحو بنية التشدد في أحكامه ووعظه وتذكيره دون مراعاة لعنصر الزمان والمكان.

    -          نشر بعض الصور الوعظية أو مقاطع الفيديو التي يكون محتواها مما تشمئز منه النفوس إما لسوء فكرتها أو لبشاعتها مما يخلق تنفيراً للناس من هذا الخطاب.

    والخلاصة أن الخطاب الوعظي يحضر بقوة في الشبكات الاجتماعية عبر الكلمة والصورة وفيه تفاعل جيد من بعض الذين تميزوا فيه بوسطية واعتدال، ولا يخلو بعضه من الملاحظات التي ذكرناها سابقاً مما يستدعي من المؤسسات المعنية بالمجال الوعظي أن تهتم بتقديم مواد علمية وتدريبية في كيفية التعامل مع الشبكات الاجتماعية وإدارة الجماهير فيها.

    المرأة في سياق الوعظ: الخطاب الشرعي الموجه للمرأة بصفة عامة بحاجة إلى مراجعة شرعية جادة، تكشف عما علق به من شوائب اختلط فيها الشرعي بالقِبلي، وبالعادات بأنواعها، سواء عادات قائمة على التشدد والاحتياط أو على التساهل والانفتاح.

    فالخطاب الوعظي الموجه للمرأة يعاني من بعض السلبيات التي تحتاج إلى مراجعة من الوعاظ ومن أهم ما يمكن التذكير به هنا:

    -          الإكثار من تصوير المرأة في قالب الفتنة وصورة الشيطان الذي يتربص بالرجال الدوائر، وربما اعتمد بعض الوعاظ على بعض الأحاديث الصحيحة ولكن طريقة التوظيف من خلال الإكثار من ترديدها وتطعيمها بالقصص والغرائب يجعل المرأة تظهر في صورة المتهم المدان. هذا إذا علمت ما يضاف إلى ذلك من وصفهن بالمكر والخديعة، مدعوماً بالأخبار التي يرفدها القِبلي وليس الشرعي، وهذا وغيره يُشعر المرأة بالدونية والنقص.

    -          تحويل مفهوم القوامة في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) إلى مفهوم ضغط وتحريض، وعليه يتحول الخطاب الموجه للرجل بشأن المرأة إلى خطابٍ تحريضي ضدها يستحث الغيرة فيه عن طريق القوة والحزم والعنف.

    -          تجد في بعض الخطاب الوعظي الموجه للمرأة تخوفاً شديداً عليها يوحي بأنها سبب البلاء؛ وأنه لا يعوّل عليها في حماية نفسها فضلاً عن حماية المجتمع وكأنها كائن مسلوب الإرادة، لذلك يجب محاصرتها بالتذكير والتخويف.

    إننا لا نصف الخطاب الوعظي في مجمله بالتحيز ضد المرأة أو الإساءة إليها، بل هناك خطابٌ متزن يستحث كوامن الخير فيها ولكننا نشير إلى بعض السلبيات التي قد يكون في التمادي فيها كسراً لنفسيات النساء.

     

     

  • اضف تعليق
  • عدد التعليقات:0
  • استماع الحلقة
  • عدد الاستماع:197
  • تحميل الحلقة
  • عدد التحميل:93
  • عرض التعليقات
    ما هو البودكاست
    الـبودكاست هي عبارة عن تسجيلات صوتية رقمية يمكن أن تحتوي على حوار/كلام و/أو موسيقى، ويتم توزيعها ونشرها عن طريق الإنترنت كملفات إم بي ثري قابلة للتحميل. وكما في حالة المدونات، فقد إنتشرت فكرة البودكاست بدءاً من الهواة المتحمسين الذين يودون أن يسمع الآخرون صوتهم فقط. على أية حال، فإن الـ البودكاستينغ كتقنية قد أصبحت أحد أكثر الوسائل الإعلامية إستخداماً.المزيد
    برامـجـنا الأخــرى
    تابعونا على الفيس بوك